لم تكن الحرب الأمريكية على إيران منذ لحظتها الأولى تقف عند حدودها الجغرافية. يتحرك الرئيس دونالد ترمب منذ اللحظة الأولى ضمن خطة مدروسة. لنأخذ مثلاً، تصريحاته حول ضرورة دخول الدول الأوروبية الحرب. آنذاك، اعتبر كثيرون أن ترمب يتخبط ولا يملك رؤية واضحة حول الحرب، وبالتالي يريد جرّ الأوروبيين لتخفيف خسائره. يخطئ هؤلاء. فتصريحات ترمب المتكررة منذ بداية الحرب حول الدور المفترض للدول الأوروبية تحت عنوان تأمين مصالحها لم تكن ردّة فعل على مأزق، بل ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية في العالم، ومعها حدود ودور كل دولة، ضمن رؤية ترمب ومصلحته الأمريكية. عاندت الدول الغربية طلب ترمب في مضيق هرمز، فأتقن هو لعبة سياسة الاستنزاف خلافاً للتوقعات التي استندت إلى شخصيته في إدارة السياسة الأمريكية. أربك جميع الدول، بما فيها إيران التي استخدم ترمب لعبتها، فلجأت إلى رفع مستوى التهديدات والاعتداءات والابتزاز، هذه المرة عبر وكيلتها من جماعة الحوثيين في باب المندب بعدما فقدت ورقة مضيق هرمز.

وضاقت الخيارات أيضاً على حلفاء ترمب الذين رفضوا الحرب، أي الدول الأوروبية، إذ وجدت نفسها مجبرة على الإعلان عن استعدادها للدخول إلى ملعب ترمب. إذا، يبدو أن ترمب يكسب رهانه أو يحقق رؤيته في ما يخص الدول الأوروبية، والتي سأتناولها في مقالات مفصّلة لاحقة. لكن، ماذا عن الصين؟

للصين حسابات مختلفة مع ترمب. بين الصين والولايات المتحدة مزيج من الحرب الباردة وتقاطع المصلحة أحياناً، لكن العنوان الذي يحدّد العلاقة بينهما هو: النفوذ والدور والموقع في النظام العالمي. هذا الموقع تحدده عناصر عدة من التكنولوجيا إلى الطاقة إلى سلاسل التوريد، وجميعها تجتمع تحت عنوان واحد: الممرّات والمضائق. من هنا، إن ما يحدث في إيران لا يمكن فصله عن صلب التنافس الصيني-الأمريكي، بل هو البوصلة التي ستحدد اتجاه هذا التنافس.

الصين لا تريد حربا مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها حتما تريد أمريكا مستنزفة في إيران وغير قادرة على استثمار أي مكسب سياسي أو عسكري. تدعم الصين حليفتها إيران، عبر شراء النفط وتقديم الدعم الاستخباراتي والتسليحي الذي وصل إلى وكلائها أيضاً، أي جماعة الحوثيين، بحسب ما سرّبته الصحافة الغربية، على الرغم من عدم اعتراف ترمب بالخبر، وهذا أيضاً ليس صدفة.

عندما وصل ترمب إلى سدّة الرئاسة، وضع تأمين المصالح الأمريكية في صلب سياسته الخارجية، وهذا يعني بالنسبة إليه السيطرة والنفوذ على أنواعه، وتطويق المنافسين ومناطق نفوذهم. من هنا، فإن عين ترمب الأساسية هي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على الصين ونفوذها.

اليوم، تحوّل سلوك النظام الإيراني إلى عبء وإلى نموذج يهدّد الأمن العالمي. فإيران تقدّم نموذجاً من القرصنة والابتزاز يسهل على أي مجموعة خارجة عن القانون تطبيقه في أي دولة. تدرك بكين ذلك، وتدرك عبء استمرار سياسة الحرس الثوري عليها. رغم ذلك، فهي لم تتخلّ بعد عن نظام إيران.

أما ترمب، فسيعمل على استثمار سلوك إيران لإضفاء الشرعية على خطوته المقبلة في المحيطين الهندي والهادئ، وهي السيطرة على الممرات والمضائق في تلك المنطقة تحت عنوان الحفاظ على حرية الملاحة وتأمين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تعزيز الوجود والنفوذ الأمريكيين على أراضي حلفائه وزيادة طلب التسليح من الولايات المتحدة الأمريكية.

فهل تقع الصين في فخّ سياستها مع إيران، وتمهّد بذلك المسار الذي يريده ترمب لمحاصرتها في «عقر دارها» لاحقاً؟ للحديث تتمّة.