أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1911.jpg?v=1786031254&w=220&q=100&f=webp

حياة الحريري

معركة الفساد والسلاح في لبنان.. وجهان لعملة واحدة

تكشف العقود الثلاثة الماضية منذ انتهاء الحرب الأهلية وصولاً إلى يومنا هذا العلاقة المنفعية بين السلاح والفساد في لبنان، إذ يستفيد السياسيون من نظام الحكم «الديموقراطي التوافقي» الذي شرعن تقاسم الموارد العامّة بين الطوائف، ما سمح بتحويل الفساد والزبائنية إلى أداة لإنتاج شرعية الزعمات الطائفية، ليتحوّل لاحقاً إلى بنية وظيفية ومتجذرة في مؤسسات الدولة.

بعد الحرب الأهلية، أدت التسوية التي أنتجها الطائف في العام ١٩٩٠ إلى دمج قادة وزعماء الطوائف والمليشيات الذين شاركوا في الحرب الأهلية (باستثناء القوات اللبنانية بعد سجن قائدها سمير جعجع وهو الوحيد الذي تمّت محاسبته بينما أعطي الآخرون جوائز ترضية في السلطة) بالتزامن مع بروز أسماء وتيارات أخرى كجزء من هذه المنظومة. هنا، تحوّلت مؤسسات الدولة إلى أداة للخدمات الحزبية والسياسية، لكنها كانت آنذاك برعاية وإدارة مباشرة من الوصاية السورية. في تلك المرحلة، اكتسب سلاح «حزب الله» شرعية رسمية تحت عنوان «المقاومة»، لكنه بقي خارج لعبة التقاسم في السلطة.

شكّل العام ٢٠٠٥ نقطة تحوّل في الحياة السياسية اللبنانية منذ ما بعد الطائف. وفي حين شكّل خروج السوريين اختباراً لقدرة اللبنانيين على استقلالية القرار وعلى إصلاح الدولة، إلا أن النظام السياسي أعاد إنتاج نفسه عبر تحالفات وتسويات كرست المحاصصة باسم التوازنات الطائفية أو الوحدة الوطنية. في تلك المرحلة، دخل سلاح حزب الله مرحلة جديدة أيضاً واكتسب وظيفة داخلية متزايدة، إذ تحوّل إلى عنصر مؤثّر في موازين القوى السياسية لحماية موقعه داخل النظام السياسي. وبعد تسوية «اتفاق الدوحة» عام ٢٠٠٨ شكّل سلاح حزب الله الغطاء الأمني والسياسي لحماية المنظومة السياسية اللبنانية، فبات الأداة التنفيذية التي فرضت «خطوطا حمراء» تمنع المحاسبة في ملفات كبرى.

وتشكّلت علاقة منفعة متبادلة من خلال التعطيل المنهجيّ لأي إمكانية لإجراء محاسبة فعليّة في الدولة، الأمر الذي وفّر هامشاً كبيراً للسياسيين في الاستمرار في سياساتهم دون رقيب أو حسيب اللهم إلا تحت الضغط الدولي للقيام ببعض الإصلاحات. على سبيل المثال لا الحصر، ساهمت هذه العلاقة النفعية في تحصين آلية الدفاع للنظام الطائفي عبر الاستمرار في المحاصصة في التعيينات، وتعطيل معالجة وحلّ مسألة النفايات وفتح ملفات الشركات التي تسلّمتها، وقطاع الطاقة الذي أنتج بنية موازية متمثلة في شبكات المولّدات الخاصة التي تحظى بحماية مختلف القوى السياسية. أيضاً ساهمت هذه العلاقة المتبادلة في عدم المساءلة للسياسات المالية والنقدية وصولاً إلى الانهيار المالي والنقدي غير المسبوق، والذي شكّلت الهندسات المالية لمصرف لبنان وسيلة أساسية للمحافظة على عدد من المصارف المملوكة من الأحزاب والعائلات والشخصيات السياسية، وغيرها من الملفات في قطاعات التربية والمالية والقضاء والاتصالات والداخلية والأشغال والطاقة والبيئة والبلديات وغيرها. كل هذه الملفات وغيرها كانت تحظى بإجماع وتغطية كل الطوائف في المنظومة واستفاد منها الجميع من بينهم خصوم حزب الله.

هكذا، تكمن أزمة لبنان في هذا التداخل بين احتكار القوة واحتكار الزبائنية داخل نظام سياسي طائفي، حيث يعيد كل منهما إنتاج الآخر ويجعل إصلاح أحدهما بمعزل عن الآخر بالغ الصعوبة. وأمام هذا التداخل، قد ترفع معظم القوى والشخصيات المتورطة في المحاصصة والفساد في الدولة لواء حصر السلاح بيد الدولة، وقد تريد أن ترى حزب الله ضعيفاً في الدولة، لكنها لا تريد سقوطه، ذلك أن سقوطه يعني سقوط المظلة التي شكّلت الحماية للفساد في لبنان من الموالين والمعارضين، وبالتالي سقوط الجميع الواحد تلو الآخر.

منذ ساعة