أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1911.jpg?v=1793573947&w=220&q=100&f=webp

حياة الحريري

أكاديمية وإعلامية وباحثة سياسية لبنانية، حاصلة على الدكتوراه في التاريخ والعلاقات الدولية. تتناول في كتاباتها وأبحاثها الشؤون اللبنانية والإقليمية والعلاقات الدولية، ولها دراسة بعنوان “القيادة السنية في لبنان: صعود رفيق الحريري 1979–1990”.

ماذا سيفعل دونالد ترمب؟

لعبت الأحداث السياسة وتحديداً الحرب الإيرانية دوراً في تضخيم أهمية الانتخابات النصفية، وفي توظيف خسارة ترمب إعلامياً وسياسياً، لا سيما من جانب إيران وأذرعها، التي قدمت باعتبارها انتصاراً سياسياً لها وتكريساً لهزيمة ترمب في الحرب. لكن، لا بد من التذكير بأن المرشد مجتبى خامنئي لا يزال غائباً عن الظهور العلني، وأن إيران ما تزال تحت حصار أمريكي شديد يستنزف قدراتها الداخلية، فيما تستمر الضربات العسكرية ضدها وضد أذرعها، رغم نجاح النظام الإيراني نسبياً في تحري هذه الأذرع للاعتداء على أمن الدول العربية وسيادتها، كما يفعل الحوثيون ضد المملكة العربية السعودية، أو استخدام ورقة السلم الأهلي لعرقلة خطة استعادة سيادة الدولة في لبنان والعراق.

لا يصعب إدراك تداخل العامل الشخصي مع سلوك ترمب في قيادة بلاده. فنحن أمام رئيس يهوى التفاوض والصفقات، ويعتبر التفاوض نشاطاً قائماً بحد ذاته لاختبار القوة والذكاء والقدرة على المناورة. كما يرى أن القوة التفاوضية تصنع عبر السمعة والقدرة على تحمّل الانتظار ثم فرض الشروط على الخصم. من هنا، يمكن قراءة سلوكه المرتقب تجاه الديموقراطيين في الداخل الأمريكي، خصوصاً بعدما صرّح باستخدام حق النقض، وبحديثه عن رغبتهم بالتفاوض معه كتأكيد على قوته ونفوذه.

يتهم جزء من الأمريكيين ترمب بالفشل في حربه مع إيران التي فرضت تكاليف اقتصادية كبيرة على الداخل الأمريكي. وعلى الرغم من أن ترمب حقق نتائج اقتصادية لا بأس بها، جزء منها بسبب الحرب على إيران ونجاح الولايات المتحدة في الاستحواذ على القسم الأكبر من عملية تصدير النفط بسبب الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في مضيق هرمز، إلا أنها لم تتحوّل بعد إلى نتائج اقتصادية ملموسة في الحياة اليومية للأمريكيين، ما دفع حتى الجمهوريين إلى محاسبة ترمب ضد مرشحي حزبهم.

على المدى القريب، لم ينجح ترمب في حسم الملف الإيراني، وهو ما يفسّر جانباً من الانقسام داخل إدارته بين من يريد التسوية ومن يعتبر أن خسارة الانتخابات كانت بسبب التردد في حسم الحرب، وأن التسوية التي كان يراد منها استنزاف الإيرانيين تحوّلت إلى عامل ضغط على الاقتصاد الأمريكي.

أما إستراتيجياً، فيمكن القول بأن ترمب يستخدم الحرب الإيرانية لتحقيق أهداف تتجاوز إيران نفسها، وفي مقدمتها إعادة تشكيل المنطقة اقتصادياً وسياسياً، وإعادة تشكيل الوظيفة الاقتصادية والسياسية لدولها، وتغيير مفاتيح القوة والنفوذ في العلاقات الدولية، بحيث لا تقتصر على النفط، بل تشمل الممرّات البحرية وطرق التجارة، وهي العناوين الرئيسية التي ستتصدّر التنافس الإقليمي والدولي لعقود.

أيضاً، يريد ترمب استكمال خطته لتقليص الوجود العسكري في المنطقة مع الاحتفاظ بالتأثير والقوة والنفوذ. خلال هذا المسار، تلوح معضلة إستراتيجية لا شك أنها تؤثر بطريقة أو بأخرى على ترمب، إذ تدفع الحروب التي يجد نفسه فيها الأمريكي مضطراً إلى التدخل المباشر إلى صعوبة تطبيق هذا القرار على المدى القريب، وصعوبة ضمان أن تقليل الوجود العسكري في المنطقة سيقلل من التكلفة على الدور الأمريكي خاصة في الحروب.

سيستكمل ترمب الحرب على إيران، مهما اختلفت وتنوعت أدوات هذه الحرب. فحسم الملف الإيراني هو أولوية أمريكية و«ترامبية» في آن معاً. هنا، يحضر هاجس الإرث السياسي الذي تحدث عنه منذ عودته إلى البيت الأبيض في ٢٠ يناير ٢٠٢٥، والذي سيسعى إلى كتابته خلال السنتين المتبقيتين من ولايته.

منذ ساعة

انتخابات إسرائيل ومستقبل الإقليم

أفرزت نتائج الانتخابات الإسرائيلية مشهداً مركباً، متوقعاً ومفاجئاً في آن معاً. فالمتوقع، أقله لكاتبة هذه السطور، كان عدم السقوط المدوّي لنتنياهو كما روّج كثر. فالانتخابات أظهرت أنه نجح في الحفاظ على موقعه الشخصي، وفي استثمار الحروب الثلاث، ولو نسبياً، للتقليل من آثار إخفاق السابع من أكتوبر. إذا، نتنياهو لم يخرج من المشهد الإسرائيلي بعد، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع حسم الانتخابات لصالحه حتى كتابة هذه السطور، بانتظار فرز بقية الأصوات.

أما المشهد الثاني المفاجئ، فقد كان الخرق الذي أحدثه العرب الذي يكرّس حقيقة أن المجتمع العربي يشكّل قوة سياسية لا يمكن الاستهانة بها، كما يثبت مفارقة تتمثّل في الحاجة إلى أصوات العرب لإنتاج حكومة تطيح بنتنياهو، لكن معظم القوى الإسرائيلية المعارضة لا تريد تحمّل الكلفة الشعبوية والسياسية للاعتراف بها شريكاً في الحكم. لذلك، تقع على العرب مسؤولية للتأثير في المشهد السياسي الإسرائيلي مستقبلاً لحماية وجودهم وحقوقهم، وهذا يتطلّب إستراتيجية تتجاوز الحسابات الشخصية.

وبين المشهدين، وقائع كثيرة متشابكة ومركّبة تحتاج إلى رصد لتفكيكها، لكن هذا المقال يحاول رسم الإطار العام لها، وربط سياقاتها بما يهمّ مستقبل المنطقة العربية.

وفي حال لم يطرأ أي معطى مفاجئ بعد الانتهاء من فرز الأصوات يقلب المعادلة لحصول أحد الطرفين على أغلبية، فإن نتنياهو سيظلّ رئيساً للوزراء أقلّه خلال مرحلة الحكومة الانتقالية. هنا، وكما هو معلوم، تتأرجح السيناريوهات بين حكومة وحدة وطنية، حكومة أقليّة بالتعاون مع الأحزاب العربيّة، أو إعادة الانتخابات.

هنا، يمكن أن تتداخل العوامل الخارجية مع احتمالات التسوية من عدمها، وتحديداً دور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. الأخير يريد حكومة وحدة وطنية، تعطي نتنياهو فرصة الحكم لمدة سنتين، وهي المدة المتبقية له في الرئاسة الأمريكية أو إذا تعذّر ذلك بسبب رفض المعارضة مشاركة نتنياهو الحكم، ربما لا يعارض ترمب سيناريو حكومة تصريف الأعمال برئاسة نتنياهو إلى حين إجراء انتخابات جديدة.

فليس صدفة ولا مسايرة أن يصرّح ترمب بالقول «ثمّة عمل يجب أن نستكمله مع نتنياهو». وهذا العمل، يعني أوّلا حسم الملف الإيراني أكان في ما يتعلّق بالنظام أو بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني. والعمل أيضا، يعني استكمال إعادة تشكيل المنطقة من خلال رسم المعالم النهائية للتحالفات السياسية والاقتصادية في المنطقة وتوسيع اتفاقية السلام أو الاتفاقيات الإبراهيمية.

وإعادة تشكيل المنطقة هنا لا تعني فقط الساحات اللبنانية والسورية والفلسطينية، وهي ساحات أساسية لإسرائيل، لكن أيضا التنافس الذي يأخذ أشكال الصراع العسكري بالوكالة حول السيطرة على الممرات وطرق التجارة والنقل والغاز والمعادن والاستثمارات البديلة والجديدة. لذلك، تشكّل اليمن والبحر الأحمر، وإريتريا، وإثيوبيا، والسودان، والعراق، وليبيا ساحات أساسية على اختلاف مواقعها، لإعادة تحديد التوازنات والتحالفات الإقليمية والدولية.

من هنا، تكمن أهمية نتائج الانتخابات الإسرائيلية في أنها ستؤثّر في طبيعة الدور الذي ستلعبه إسرائيل في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وفي أدوات تنفيذ سياساتها وأولوياتها لبناء نفوذها، إذ إن الأهداف الإستراتيجية الكبرى تتقاطع بين الخصوم. لذلك، فإن استمرار نتنياهو بوجود ترمب قد يرجّح كفّة تسريع عمليّة فرض الوقائع بالقوة العسكرية خاصة في الملفات التي يعتبرها نتنياهو تمسّ الأمن القومي الإسرائيلي وحاسمة في إعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

أما الدول العربية، لا سيّما مصر ودول الخليج، فإن هذا المشهد، الذي يعكس اهتزاز التوازنات الإقليمية التي تشكّلت منذ سايكس-بيكو وصولاً إلى النظام الإقليمي الراهن، يفرض عليها التفكير خارج الصندوق لحماية وجودها ودورها في رسم مستقبل المنطقة.

00:00 | 30-10-2026

متلازمة تركمانجاي الإيرانية... هل تسقط طهران للمرة الثالثة؟

تتداخل العوامل التي تحرّك إيران في سلوكها الحالي في الحرب، لا سيّما في إظهار عدائها وازدرائها للدول العربية، وذلك عبر الاعتداءات المباشرة عليها أو عبر دعم وتحريك أذرعها والتستّر خلفها. تدّعي إيران أن اعتداءاتها على الدول العربية تهدف إلى ضرب الأهداف والمصالح الأمريكية، ثمّ تدّعي أن دعمها للأذرع المنتشرة في اليمن والعراق ولبنان بأتي في إطار عقيدة تصدير الثورة تحت ذريعة «دعم الشعوب والحركات المستضعفة». ولا ضرورة للتذكير بأن هذه الحركات أو الأذرع جعلت من بلدانها ساحات لتأمين مصالح إيران ولو على حساب أمن بلدانها، وأدوات لتحدّي الدولة والانقلاب على القوانين والأعراف، فضلاً عن تشكيل تهديد عابر للحدود للدول الأخرى.

تغالي إيران في إظهار فائض القوة، وتغالي في الإصرار على تكريس لغة تهديدية تجيز لنفسها من خلالها تهديد الدول والشعوب بما تعتبره حقّا لها، عبر تنصيب نفسها شرطيّ المنطقة، والإصرار على معادلة تقوم على دفع الدول المحيطة إما إلى الخضوع لما تراه مناسباً لمصلحتها أو مواجهة استمرار الاعتداءات وتهديد أمن الدول تحت ذريعة «محاربة الوجود الأجنبي» في المنطقة.

لكن خلف كل ذلك، ثمّة خوف يلاحق الذاكرة الجمعية الإيرانية ويؤرق حاضرها، وهو ما يفسّر الكثير من أسباب سلوكها العدواني الحالي. يعود هذا الخوف إلى ما بات يسمّى في الأدبيّات السياسية الإيرانية «متلازمة تركمانجاي»، وهي تعبّر عن خوف مزمن لدى الإيرانيين من المفاوضات الدولية والاتفاقيات الديبلوماسية. لهذا، تنظر القيادات الإيرانية المتعاقبة إلى التسويات السياسية مع القوى الخارجية على أنها «خيانة» أو تكرار لتجارب مذلّة في التاريخ الإيراني، وتحديداً معاهدة تركمنشاي وهي اتفاقية بين إيران القاجارية والإمبراطورية الروسية عام ١٨٢٨، أجبرت فيها إيران على التنازل عن أراضٍ كانت تسيطر عليها في جنوب القوقاز، لا سيما في مناطق أرمينيا وأذربيجان.

من هنا، يمكن فهم تصريح المرشد الإيراني السابق الخميني عندما قبل التسوية مع العراق عام ١٩٨٨ بالقرار الأممي ٥٩٨ الذي مهّد لوقف الحرب الإيرانية-العراقية بقوله إنه «تجرّع كأس السمّ». وكأس السمّ هذا، في الذاكرة الإيرانية، هو التفاوض والقبول بتسوية سياسية أعادت إلى الأذهان الخسارة. وثمّة تشابه في الظروف التي أدت إلى خسارة الإيرانيين في الحربين، يبدأ في الإصرار على المواجهة العسكرية ورفض أي تسوية ممكنة، ثمّ الرضوخ إلى التفاوض والتسوية بفعل ليس بسبب الخسائر أو الكلفة العسكرية فحسب، لكن أيضا بفعل الكلفة الاقتصادية وعدم قدرة إيران على تحمّل الخسائر الاقتصادية وبالتالي ضبط الأمن الداخلي.

من هنا، يمكن فهم سياق الانتقادات التي وصلت إلى حدّ التخوين، والتي تعرّض لها الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، عندما تمّ توقيع الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ والذي نصّ على رفع عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي وفق شروط محدّدة. فالتفاوض بالنسبة للإيرانيين هو دليل ضعف والتسوية هي خيانة، أضف إليها استغلال الدين والشعارات الثورية للاستمرار في حالة الحروب وسياسة الاستنزاف وشراء الوقت، والبقاء في حالة عداء مع أي قوة خارجية.

يستحضر الإيرانيون اليوم ذاكرتهم المثقلة بالخسارة في النقاش حول حقيقة مفهوم الربح والخسارة في سلوكهم. أيضاً، إن انقلاب السحر على الساحر عبر فرض الحصار على مضيق هرمز وتحوّل هذه الورقة إلى عبء على إيران نفسها، بالإضافة إلى تشديد الحصار الاقتصادي من قبل الرئيس ترمب يعيد إلى الذاكرة الجمعية الإيرانية كل مسار الخسارات بدءا من ١٨٢٨. التاريخ يعيد نفسه في بعض تفاصيله، فهل تسقط إيران للمرة الثالثة؟

00:00 | 23-10-2026

من يحتاج إلى المملكة العربية السعودية؟

تجاوزت اعتداءات مليشيا الحوثيين على المملكة الخطوط الحمر، لا سيّما في استهداف المطارات وقتل المدنيين المعتمرين، غير أنه لا يمكن اعتبار أن ما يجري في المملكة من اعتداءات حوثية يخص المملكة وحدها، بل نحن أمام مشهد مركّب ومعقّد، تتداخل فيه عوامل سياسية كثيرة من أطراف مختلفة.

بالطبع، لا حاجة إلى التذكير بقدرة المملكة على الدفاع عن أمنها، وهي تمتلك من القدرات العسكرية ما يكفي مستندة إلى ثقل تاريخي متوارث منذ توحيد البلاد إلى يومنا في تحمّل الصعاب والتعامل مع التحديات واختيار التوقيت والشكل المناسب في ردع أي عدوان. لذلك النقاش هنا لا يجب أن يكون حول ما إذا كانت المملكة قادرة على دخول الحرب أم لا، بل حول كلفة هذه الاعتداءات على القوى واللاعبين الآخرين، من المنافسين إلى الحلفاء. فأمن السعودية لا يمكن اعتباره شأناً محلياً معزولاً، بل هو أحد المرتكزات الأساسية للتوازن في شبه الجزيرة العربية نظراً إلى الثقل الذي تتمتع به المملكة. والثقل هنا لا يعود للمساحة الجغرافية وعدد السكان والقدرات العسكرية والاقتصادية فحسب، بل إلى موقعها الجغرافي والسياسي والديني أيضاً، فهي تشكّل عمقاً برياً لشبه الجزيرة العربية، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، ما يمنح السعودية وظيفة جيوسياسية أساسية لا تتوفر لدى الآخرين، وتؤدي دوراً مؤثراً في أسواق الطاقة، وفي مجموعة العشرين ومجلس التعاون الخليجي، وتتمتع بإمكانيات كبيرة في التأثير الدبلوماسي والسياسي، بالإضافة إلى المكانة الدينية. في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل تعمّد الحوثيين استهداف المقدسات لضرب هيبة المملكة ومكانتها في حماية المقدسات الدينية.

من هنا، فإن استقرار المملكة يشكّل مصلحة مباشرة لدول الخليج، بصرف النظر عن التنافس الطبيعي بينها. فهو يحدّ من احتمالات تمدّد الاضطرابات الأمنية، ويسهم في تماسك الردع الإقليمي، ويمنع إحداث فراغات قد تستفيد منها قوى إقليمية أخرى. أيضاً، إن النماذج الاقتصادية التي تبنيها دول الخليج منذ عقود، وإن اختلفت أولوياتها، هي تحتاج إلى بيئة آمنة، وإلى ثقة المستثمرين، واستمرار حركة التجارة والطاقة. من هنا، فإن استمرار التصعيد ضد المملكة قد يرفع كلفة المخاطر على المنطقة ككل، لا سيما في ظل الاعتداءات الإيرانية المستمرة وسياسة الابتزاز التي تطبّقها في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

أمريكياً، تشكّل الاعتداءات اختباراً للعلاقة الإستراتيجية بين الرياض وواشنطن. تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تخفيف أعباء انخراطها العسكري المباشر، وإلى الاعتماد على شركائها الإقليميين تحت عنوان «تقاسم الأعباء»، غير أن هذا الهدف لا يلغي حاجتها إلى استقرار السعودية، بل يجعله أكثر أهمية. فواشنطن، لا تستطيع أن تضع إستراتيجية تقوم على منع هيمنة قوة معادية على المنطقة وحماية طرق التجارة والطاقة، ثمّ تتعامل مع تهديد أحد أبرز شركائها باعتباره شأناً سعودياً صرفاً. ليس بالضرورة أن تتطابق سياسة الرياض وواشنطن، لكن ثمّة حاجة أمريكية إلى شركاء أقوياء ومستقرّين. في هذا السياق، قد يطرح التساؤل حول مقاربة ترمب لصعود قوة ونفوذ المملكة في السنوات الأخيرة، وما إذا كانت واشنطن تنظر إلى هذا الصعود من زاوية التنافس على النفوذ الإقليمي. غير أن تنامي الدور السعودي لا يتعارض بالضرورة مع المصالح الأمريكية، بل قد يشكّل فرصة للولايات المتحدة لتطبيق رؤيتها ولإعادة تشكيل التوازن الإقليمي في مواجهة إيران وفي حماية الممرات الإستراتيجية.

ختاماً، تكشف الحرب في المنطقة ضرورة إعادة قراءة السياسات الخليجية وتطوير آلية التعاون فيما بينها، مع الحفاظ على حق المنافسة والاختلاف، ذلك أن استقرار المملكة مصلحة إستراتيجية تتجاوز حدودها.

00:04 | 16-10-2026

اليونيفيل ليست قدراً... فمتى يصنع لبنان قدره؟

بعد ٤٨ عاماً، تتحضّر قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، اليونيفيل، إلى إنهاء مهمّتها إلا إذا تبدّل الموقف الدولي وتحديداً الأمريكي، وهو ما ليس مطروحاً، أقلّه حتى هذه اللحظة.

في العام ١٩٧٨، أنشأ مجلس الأمن قوات اليونيفيل «للتأكد من الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة الأمن، ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بناء على طلبها استناداً إلى القرارين ٤٢٥ و٤٢٦». آنذاك، طلب لبنان المساعدة الدولية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. تحقق الانسحاب عام ٢٠٠٠، لكن الدولة لم تبسط سلطتها، بل تحوّل التحرير إلى تكريس لقوة حزب الله الداخلية.

وكشفت حرب ٢٠٠٦، حدود فاعلية اليونيفيل، إذ تبيّن أن حزب الله عزّز أكثر حضوره العسكري في جنوب لبنان من خلال بناء ترسانة عسكرية في مختلف المناطق التي يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع استمرار الخروقات الإسرائيلية. وأدّت الحرب إلى تكريس قوة الحزب ونفوذه، وإرساء نوع من الـ«status-quo» مع إسرائيل فرضته التوازنات الإقليمية آنذاك.

حينها، لم يرسم حزب الله السياسة الداخلية للدولة فحسب، بل أيضاً الحدود التي يسمح لقوات اليونيفيل بالتحرك ضمنها. وإذا ما حاولت تطبيق مهامها، كانت تتعرّض لحوادث أمنية متعددة تستهدفها في ظلّ عجز تام للدولة عن تأمين الحماية لها. لذلك، لم يكن إحجام الدول المشاركة عن القيام بواجباتها نابعاً من الحرص على سلامة جنودها فحسب، بل أيضاً من تقاطع مصالح بعضها مع سوريا في زمن الوصاية ثمّ حزب الله وإيران بعد ٢٠٠٥ (مصالح بعض الدول في المنطقة وفي أفريقيا على سبيل المثال). وهكذا، تحوّل دور اليونيفيل بحكم الأمر الواقع إلى شاهد، وإلى قوة مساهمة في التنمية الاقتصادية والمجتمعية في الجنوب.

بعد السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ سقط حزب الله في حرب إسناد غزة فتبدّل ميزان القوى لمصلحة إسرائيل. منذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل محاولات استثمار ما حققته في الميدان، فحاولت تعديل القرار ١٧٠١ وتوسيع صلاحيات القوة الدولية، قبل أن يتمّ التمديد لليونيفيل في إطار منح الدولة اللبنانية مزيداً من الوقت لتنفيذ التزاماتها، لا سيّما في ما يتعلّق بسلاح حزب الله. لكن المشهد تبدّل مجدّداً مع قيام حزب الله بإدخال لبنان الحرب لإسناد إيران في مارس ٢٠٢٦. تكرّس التفوّق العسكري الإسرائيلي، فيما فشلت اليونيفيل مجدّداً في منع الحرب، وفشلت قبلها ومعها الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفشلت وما تزال في التعامل مع حزب الله.

تطلب الدولة اليوم بأركانها تجديداً مؤقّتاً آخر لقوات اليونيفيل خشية الفراغ الأمني في الجنوب. فعليّا، لا يكشف رحيلها الجنوب أمنيّاً، وهو المكشوف أساساً، بقدر ما يكشف الدولة اللبنانية نفسها وسياسة الهروب وشراء الوقت بانتظار تسوية خارجية.

فمرحلة ما بعد اليونيفيل تضع الدولة أمام مسؤوليات وتحديّات لا سيّما قدرتها على منع حزب الله من إدخال لبنان في حروب جديدة، ونزع السلاح، بالإضافة إلى التعامل مع المسار الأمريكي الذي يسعى إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان بين لبنان وإسرائيل بدءا من اتفاق الإطار.

بعد ٤٨ عاماً، لا تكمن المشكلة في رحيل قوات اليونيفيل من عدمه، بل في الدولة اللبنانية نفسها. فإذا أراد أهل الحكم في لبنان إخراج البلد من حالة الاستنزاف بين تعنّت حزب الله وسلاحه والاحتلال الإسرائيلي، وجب عليهم تحمّل مسؤوليتهم بدل الالتفاف على القرارات الدولية قبل أن يسقط البلد مجدّداً في دوّامات من العنف والفوضى. اليونيفيل ليست قدراً... فمتى يصنع لبنان قدره؟

00:04 | 9-10-2026

ماذا لو وقعت الصين في الفخ الأمريكي في دعمها لإيران؟

لم تكن الحرب الأمريكية على إيران منذ لحظتها الأولى تقف عند حدودها الجغرافية. يتحرك الرئيس دونالد ترمب منذ اللحظة الأولى ضمن خطة مدروسة. لنأخذ مثلاً، تصريحاته حول ضرورة دخول الدول الأوروبية الحرب. آنذاك، اعتبر كثيرون أن ترمب يتخبط ولا يملك رؤية واضحة حول الحرب، وبالتالي يريد جرّ الأوروبيين لتخفيف خسائره. يخطئ هؤلاء. فتصريحات ترمب المتكررة منذ بداية الحرب حول الدور المفترض للدول الأوروبية تحت عنوان تأمين مصالحها لم تكن ردّة فعل على مأزق، بل ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية في العالم، ومعها حدود ودور كل دولة، ضمن رؤية ترمب ومصلحته الأمريكية. عاندت الدول الغربية طلب ترمب في مضيق هرمز، فأتقن هو لعبة سياسة الاستنزاف خلافاً للتوقعات التي استندت إلى شخصيته في إدارة السياسة الأمريكية. أربك جميع الدول، بما فيها إيران التي استخدم ترمب لعبتها، فلجأت إلى رفع مستوى التهديدات والاعتداءات والابتزاز، هذه المرة عبر وكيلتها من جماعة الحوثيين في باب المندب بعدما فقدت ورقة مضيق هرمز.

وضاقت الخيارات أيضاً على حلفاء ترمب الذين رفضوا الحرب، أي الدول الأوروبية، إذ وجدت نفسها مجبرة على الإعلان عن استعدادها للدخول إلى ملعب ترمب. إذا، يبدو أن ترمب يكسب رهانه أو يحقق رؤيته في ما يخص الدول الأوروبية، والتي سأتناولها في مقالات مفصّلة لاحقة. لكن، ماذا عن الصين؟

للصين حسابات مختلفة مع ترمب. بين الصين والولايات المتحدة مزيج من الحرب الباردة وتقاطع المصلحة أحياناً، لكن العنوان الذي يحدّد العلاقة بينهما هو: النفوذ والدور والموقع في النظام العالمي. هذا الموقع تحدده عناصر عدة من التكنولوجيا إلى الطاقة إلى سلاسل التوريد، وجميعها تجتمع تحت عنوان واحد: الممرّات والمضائق. من هنا، إن ما يحدث في إيران لا يمكن فصله عن صلب التنافس الصيني-الأمريكي، بل هو البوصلة التي ستحدد اتجاه هذا التنافس.

الصين لا تريد حربا مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها حتما تريد أمريكا مستنزفة في إيران وغير قادرة على استثمار أي مكسب سياسي أو عسكري. تدعم الصين حليفتها إيران، عبر شراء النفط وتقديم الدعم الاستخباراتي والتسليحي الذي وصل إلى وكلائها أيضاً، أي جماعة الحوثيين، بحسب ما سرّبته الصحافة الغربية، على الرغم من عدم اعتراف ترمب بالخبر، وهذا أيضاً ليس صدفة.

عندما وصل ترمب إلى سدّة الرئاسة، وضع تأمين المصالح الأمريكية في صلب سياسته الخارجية، وهذا يعني بالنسبة إليه السيطرة والنفوذ على أنواعه، وتطويق المنافسين ومناطق نفوذهم. من هنا، فإن عين ترمب الأساسية هي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على الصين ونفوذها.

اليوم، تحوّل سلوك النظام الإيراني إلى عبء وإلى نموذج يهدّد الأمن العالمي. فإيران تقدّم نموذجاً من القرصنة والابتزاز يسهل على أي مجموعة خارجة عن القانون تطبيقه في أي دولة. تدرك بكين ذلك، وتدرك عبء استمرار سياسة الحرس الثوري عليها. رغم ذلك، فهي لم تتخلّ بعد عن نظام إيران.

أما ترمب، فسيعمل على استثمار سلوك إيران لإضفاء الشرعية على خطوته المقبلة في المحيطين الهندي والهادئ، وهي السيطرة على الممرات والمضائق في تلك المنطقة تحت عنوان الحفاظ على حرية الملاحة وتأمين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تعزيز الوجود والنفوذ الأمريكيين على أراضي حلفائه وزيادة طلب التسليح من الولايات المتحدة الأمريكية.

فهل تقع الصين في فخّ سياستها مع إيران، وتمهّد بذلك المسار الذي يريده ترمب لمحاصرتها في «عقر دارها» لاحقاً؟ للحديث تتمّة.

00:02 | 2-10-2026

إلى إيران: إنها المملكة العربية السعودية

كثيرة هي التصريحات الإيرانية التي تفاخر بنقطة واحدة تشكّل حتى يومنا هذا عقدة النظام الإيراني، وربما تكون سبب سقوطه أو تفككه: السيطرة والنفوذ. ثمّة لهاث إيرانيّ غير عاديّ طبع مسار هذا النظام منذ نشوئه عام ١٩٧٩ إلى يومنا هذا للسيطرة على المنطقة العربية وإن أدى الأمر إلى إحراق إيران والنظام نفسه.

على مدى أعوام، تفاخر المسؤولون الإيرانيون بما اعتبروه «امتداد قوة إيران الجغرافية إلى شرق المتوسط»، وباتساع حدود ما أسمته «الردع التقليدي» وأن لا قضية في المنطقة يمكن حلّها دون إرادة طهران كما صرّح على سبيل المثال لا الحصر حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني الذي قتلته إسرائيل عام ٢٠٢٥، وصولاً إلى التصريح الشهير لمسؤول إيراني بأن إيران «تسيطر على أربعة عواصم عربية» وأن الحوثيين، الذين يعتدون على المملكة العربية السعودية، هم «إحدى نتائج الثورة الإيرانية». كثيرة هي التصريحات الإيرانية المشابهة، تماماً كمفاخرة أركان النظام الإيراني اليوم بسياسة «رفع الكلفة على الدول العربية» بذرائع مختلفة لهدف واحد.

وهنا تكمن مشكلة نظام إيران الحالي، لا بل عقدته. إنها الدول العربية، وكسر النموذج الذي تمثّله، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية. وإذا كانت مشكلة إيران مع العراق كما أشرت في مقالي الأسبوع الماضي، الجغرافيا والقوة العسكرية، فمشكلتها مع المملكة العربية السعودية هي أكبر وأشمل وأعمق، فهي تتعلّق بالدور والثقل والمكانة.

تؤرق السعودية إيران منذ نشوء نظامها عام ١٩٧٩. تحلم إيران بالعظمة في منطقتنا، ليس بالتطوّر والتنمية والشراكات، لكن بالتدمير والاعتداءات والسيطرة. منذ نشوء النظام الإيراني، هاجم المرشد الإيراني الخميني دول الخليج، وحاول عبثا فرض نفسه «كحامي للمسلمين» فخسر رهانه. لذلك، كان لا بدّ من استغلال القضية الفلسطينية من بوابة الثورة الإيرانية التي تدّعي نصرة «المستضعفين»، وذلك للتمدد في العالم العربي، وقد نجحت نسبيّا في مرحلة معيّنة من اختراق مجتمعات عربية في دول مثل لبنان وسوريا وهي دول تحتلّ إسرائيل أجزاء من أراضيها.

وشكّل سقوط العراق عام ٢٠٠٣ فرصة لإيران لتوسيع نفوذها ولتبديل ميزان القوى لصالحها. لسنوات، عملت على محاصرة المملكة لكن دون جدوى، فكانت خطوتها دعم الحوثيين منذ عام ٢٠٠٩.

من لبنان إلى سوريا فالعراق واليمن، كل ما زرعته إيران من ضرب لسيادة الدولة لعقود في هذه البلدان والذي ندفع ثمنه اليوم، لم يكفِ. وكلما كانت تهدم مقدّرات دول المنطقة، كانت المملكة تضع حجرا للبناء وللتقدّم.

تستكمل إيران اليوم مشروعها في استهداف المملكة ومن خلالها المنطقة العربية ككلّ. وهنا، لا بدّ من التنبيه إلى أنه حتى وإن تقاطعت مصالح بعض الدول مع ما تقوم به إيران عبر وكيلتها جماعة الحوثيين في البحر الأحمر، واستفادت منه للضغط على السعودية، فإن إيران نفسها في حسابات هذه الدول ليست إلا أداة مرحليّة، تماما كما تستخدم هي أدواتها في دول المنطقة. فالجميع يدرك أنه لا يمكن تجاوز المملكة سياسيا ودينيا واقتصاديّا، وأن أمن المملكة من أمن المنطقة.

ثمة صفة تلازم تاريخ المملكة العربية السعودية منذ نشوء دولتها قبل ٩٦ عاماً إلى يومنا هذا: الثقل، وهي صفة واكبت مسار المملكة بكل تقلّبات مراحلها والأحداث التي عرفتها داخلياً وخارجياً.

هذا الثقل هو معادلة فرضتها الطبيعة للداخل والخارج، بأن ثمّة خطّاً أحمر لا يمكن لأي كان تجاوزه وكسره. ففكرة وراثة المملكة هي مقتلة من يقع في أسرها، وهذا ما لا تفهمه إيران بعد.

00:00 | 25-09-2026

السياسة الإيرانية تجاه العرب.. صراع الجغرافيا وتمدد النفوذ

تاريخيّا، ثمّة علاقة ملتبسة بين إيران وبين الدول العربية، لكن للعراق خصوصية يختلف بها عن باقي الدول. فالعراق بوابة إيران إلى الدول العربية، وفي العراق أيضاً، صراع تاريخيّ على الجغرافيا والموارد العراقية ومن خلالها، إلى الدول العربية منذ زمن الدولتين العثمانية والفارسية وصولاً إلى عصر الشاه.


البداية من الصراع على شطّ العرب، وهو ممرّ التقاء لنهريّ الدجلة والفرات يمتدّ إلى الخليج، ويقع ضمن واحدة من أغنى المناطق النفطية. ورغم توقيع البلدين على معاهدة عام ١٩٣٧ كرّست عمليّا السيطرة العراقية على معظم الممرّ الملاحي، أعلنت إيران إلغاء المعاهدة في العام ١٩٦٩ ليعود الصراع مجدداً على الملاحة والسيادة في المنطقة.


وعندما انسحبت القوات البريطانية من منطقة الخليج العربي عام ١٩٧١، أراد شاه إيران أن «يرث» المنطقة من البريطانيين، والهدف السيطرة على موارد المنطقة العربية وفرض ما يشبه الوصاية الإيرانية على المنطقة تحت عنوان «حماية الخليج» كبديل عن بريطانيا. احتلت إيران جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى قرب مضيق هرمز. ومن بوابة العراق، استغلت إيران ورقة الأكراد الذين يطالبون منذ ذلك الحين بالحكم الذاتي، كوسيلة للضغط على صدام حسين للقبول بإعادة ترسيم الحدود بما يناسب الشروط الإيرانية.


وبعد سقوط دولة الشاه وقيام دولة ولاية الفقيه بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، حاولت القيادة الإيرانية الجديدة استمالة الدول العربية بادعاء تخليها عن أهداف الشاه التوسعية، لكنها في الوقت نفسه، كانت تعمل على ضرب أمن الدول العربية من خلال مبدأ تصدير الثورة كوسيلة للسيطرة، فقامت بتحريك ودعم الجماعات العرقية والإثنية والمجموعات المسلّحة أيضا من بوابة العراق، ليعود الصراع الإيراني-العراقي حول الحدود والنفوذ. هذه المرة، لم تستخدم إيران فقط ورقة الأكراد، بل قامت كذلك بتحريض العراقيين الشيعة على الانقلاب على الدولة آنذاك، ليردّ العراق بدوره بمحاولة استمالة الإيرانيين العرب للضغط على إيران لاسترجاع حدوده وأمنه، فاستمرّ الصراع بين البلدين إلى حين اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية.


خلال كل تلك المراحل، من الشاه إلى دولة ولاية الفقيه، لم تكن إيران تعتبر العراق خصماً سياسيّاً لها فحسب، بل مصدر التهديد الأول لها في المنطقة العربية لما كان يتمتّع به من قوة عسكرية قادرة على وضع حدّ لطموحها في فرض نفوذها على المنطقة وفي «وراثة» النفوذ البريطاني. وكانت في المقابل، تراهن على ما تعتبره قوّة لها في المساحة الجغرافية وعدد السكان. وبسبب فشله في تحقيق الحسم العسكري، اعتمد النظام الإيراني على حرب الاستنزاف مع السعي للحفاظ على حريّة تصدير النفط كأداة أساسية في الحرب، ظنّاً منه أنه سينجح بذلك في إسقاط نظام صدام حسين وفتح الطريق على المتشددين العراقيين للسيطرة على الحكومة وبالتالي إحكام القبضة الإيرانية على الدولة والموارد والجغرافيا. لكن حساباته كانت خاطئة، فاستنزف هو أيضاً في مستنقع الحرب ورضخ في النهاية لاتفاق.


في العام ٢٠٠٣، سقط العراق بعد اجتياح أمريكيّ، وثأر النظام الإيراني من العراق، فاستطاع تحويله إلى ساحة نفوذ عسكريّة وسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة لعقود. ومنذ بداية الحرب الحالية الأمريكية-الإيرانية، يمعن النظام الإيراني في ثأره مجددا من العراق من خلال محاربة قرار الدولة العراقية في استعادة سيادتها، كما يعتدي على الدول العربية بلعبة الاستنزاف نفسها، مدّعيا أنه يريد «إخراج الأمريكيين من المنطقة». فعليّا، يريد الإيرانيون «وراثة» المنطقة من الأمريكيين بالاعتداء عليها وتهديد الملاحة فيها واحتلال ممرّاتها. مجدداً، إنها لعنة الثأر، والتاريخ.

23:33 | 17-09-2026

لعبة التطويق والكلفة الأمريكية-الإيرانية

الأمريكيون يحاربون إيران بأدواتها. هذا ما تقوله وتثبته وقائع الحرب القائمة لكسر نفوذ إيران وتغيير سلوكها في المنطقة، عبر دفعها بالحدّ الأدنى إلى قبول الشروط الأمريكية. والحدّ الأدنى لا يعني إسقاط الهدف الأكبر المؤجل، وهو إسقاط النظام بشكل كامل، لكن ليس على الطريقة الأمريكية التقليدية عبر الاجتياحات والتي كانت جميع نتائجها سيئة في البلدان التي دخل إليها الأمريكيون لإسقاط أنظمتها، لجهة الفوضى بدل التنمية والاستقرار أو الإتيان بنتائج عكسية كما حدث في العراق. ففي العراق، لم يسقط نظام صدام حسين فحسب، بل واقعياً وعملياً تمّ تسليم العراق إلى النفوذ الإيراني لعقود بحسابات أمريكية في المنطقة آنذاك.

تعتمد إيران منذ بداية الحرب الأمريكية عليها سياسة رفع الكلفة ليس على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بالدرجة الأولى على دول المنطقة، بذريعة أن ضرب هذه الدول سيدفع حكامها وقياداتها إلى الضغط على ترمب لوقف الحرب.

أرادت إيران الاستنزاف منذ بداية الحرب، فعمدت إلى استخدام ما تعتبره أوراق القوة لديها بدءاً من الوكلاء في لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى قرصنة مضيق هرمز ومحاولة فرض واقع جديد لتكريس نفوذها عليه. لم ينسحب ترمب من الحرب خلافاً للتوقعات الإيرانية ولم ترضخ الدول العربية كذلك. والأهم، بدّل ترمب قواعد اللعبة، وبدل الانزلاق إلى ملعب إيران المفضل في الاستنزاف، استخدم الأدوات نفسها في المواجهة. فرض حصاراً على الحصار الإيراني في مضيق هرمز، وعمل بمشاركة الدول المعنية الأخرى على خلق بدائل عن مضيق هرمز لسحب هذه الورقة، كما بدأ بالتوازي بتطبيق عملية إعادة التشكيل السياسية والأمنية في المنطقة من خلال ممارسة الضغوط القصوى على ساحات إيران التي لطالما شكّلت خط دفاع أول عن النظام الإيراني، أي وكلائها في لبنان والعراق واليمن. بموازاة ذلك، أطلق ترمب عملية «يوم الإنزال الاقتصادي» أو «المنبوذ الاقتصادي» والتي تستهدف شبكات تمويل طهران الموازية من اقتصاد الظل أو التجارة والعمليات المالية الرقمية وغيرها. هذه العملية تشكّل السلاح الأهم في الحرب الأمريكية لأنها تستهدف تفكيك الشبكات التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات والحصار.

اليوم، تدخل المواجهة مع إيران مرحلة مركّبة. فإيران لا تزال تصرّ على سياسة رفع الكلفة، لذلك، فهي انتقلت الآن من رفع الكلفة العسكرية إلى رفع الكلفة الاقتصادية، من خلال ما تعتبره «إفراغ إستراتيجية أمريكا» في حربها الاقتصادية على إيران.

بالتوازي، بدأت الولايات المتحدة بحملة تطويق وصولاً إلى ضرب بنية وكلاء إيران في البلدان التي يعملون فيها. في المقابل، تعمل إيران على مواجهة هذه الحملة من خلال إعادة تشكيل بنية وكلائها وآليات عملهم على أساس لا مركزية جهادية إقليمية، بالتوازي مع اعتماد اللامركزية داخل بنية كل وكيل، أي عبر تقسيم هذه المجموعات نفسها إلى فرق تعمل بصورة مستقلّة عن بعضها البعض ضمن البلد أو الساحة الواحدة.

من هذا المنظور بالذات، يجب قراءة الانكفاء العسكري «المؤقت» حتى الساعة لحزب الله في لبنان في مقابل فتح معركة داخلية ضد الدولة لإفراغها من وظيفتها وإفشال عملية حصر السلاح والحفاظ على وجوده ونفوذه، وتوزيع الأدوار وازدواجية الخطاب والممارسة لمليشيات الحشد في العراق، والعمليات المزدوجة التي تقوم بها مليشيا الحوثي في اليمن بين المعركة العسكرية ضد الدولة اليمنية من جهة، والاعتداء على المملكة ومحاولة السيطرة على باب المندب من جهة أخرى.

21:58 | 10-09-2026

إحياء اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل: واقعية أم مناورة؟

لعلّ أفضل ما يميّز اتفاق الهدنة الذي وقّع بين لبنان وإسرائيل عام ١٩٤٩، أنه وقّع في فترة زمنية كان لبنان فيها لا يزال دولة فتيّة مستقلة. فلا حزب عقائديّ يحكم ويتحكم بمفاصل وقرارات الدولة، ولا فساد تمدّد إلى قلب المؤسسات حتى تحوّل إلى آلية حكم بحدّ ذاتها.


وعندما وقعت النكبة عام ١٩٤٨، تحوّل لبنان بحكم الجغرافيا إلى ملجأ لعدد كبير من الفلسطينيين الهاربين من عمليات القتل والتهجير الإسرائيليين، كما إلى منطلق للفدائيين في عملياتهم ضد القوات والعصابات الإسرائيلية. على الأثر، ارتكبت إسرائيل مجزرة حولا في جنوب لبنان، وبدأت سلسلة من الاعتداءات بذريعة محاربة الفدائيين، فسارع لبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة.


وبالفعل، استقرّت الأوضاع نسبيّا في الجنوب في الفترة الممتدة بين ١٩٤٩ و١٩٦٧، قبل أن تتهّم إسرائيل الدولة اللبنانية بمخالفة شروط اتفاقية، لا سيّما ما نصّت عليه المادة الأولى بشأن عدم تشكيل تهديد للطرف الآخر وعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لتسوية القضية الفلسطينية. ورغم نفي لبنان تلك الاتهامات، يمكن القول إن الاتفاقية سقطت عمليّا مع توقيع لبنان لاتفاق القاهرة عام ١٩٦٩. فآنذاك، كان تآكل الدولة قد بدأ مع انقسام أركانها في صراع المحاور الإقليمية، وخضوع الحكم لضغوط عربية، وتحديدا مصرية بقيادة جمال عبد الناصر، لتشريع العمل الفلسطيني المسلّح انطلاقا من لبنان. ثمّ جاءت الضربة الأخرى تحت عنوان «تنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح» مع توقيع اتفاق مالكارت عام ١٩٧٣، والذي يعتبر ملحقا لاتفاق القاهرة.


رغم ذلك، بقيت الاتفاقية إطارا قانونيّا معترفا به في الأمم المتحدة، ومرجعية للاتفاقيات والترتيبات التي تلت بين لبنان وإسرائيل وصولا إلى القرار ١٧٠١ بنسخته المعدّلة.


تكتسب بنود الاتفاقية أهمية للبنان، فهي تعترف بالحدود الدولية التاريخية بين لبنان وإسرائيل (المادة ٥)، وهو ما يحتاجه لبنان في مفاوضاته اليوم في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوبه. كما تمنع استخدام الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل، سواء من القوات النظامية أو المجموعات المسلّحة، وتمنع استخدام الأراضي الإسرائيلية ضد لبنان (المادة ٧). كذلك تحدّد مهام القوات العسكرية وعديدها وعتادها على جانبيّ الحدود ضمن طبيعة دفاعية وبأسلحة خفيفة ومحدودة (ملحق قوات الدفاع).


دوليّا، يثير المطالبة بإحياء اتفاقية الهدنة الآن إشكالية، إذ إن الوقائع تشير إلى رغبة الولايات المتحدة، وهي الوسيط التاريخي والراعي لكل الاتفاقيات المرتبطة بالصراع اللبناني-الإسرائيلي، في فصل الملف عن الأمم المتحدة، والدفع، تحت النار، نحو اتفاق جديد ينهي الصراع بين لبنان وإسرائيل بدل الاكتفاء بضبطه كما نصّت الهدنة.


أما لبنانيّا، فتبرز مفارقة ترتبط بالسردية الجديدة لحزب الله وبعض حلفائه والمتقاطعين معه. فجوهر اتفاقية الهدنة يتضمّن تحديدا ما أعلن هؤلاء رفضه مرارا، واستخدموه لاتهام الدولة بالعمل «كشرطي» لدى إسرائيل، لا سيّما في ما يتعلّق بمسألة منع استخدام الأراضي اللبنانية ضدها، ومهام وعتاد الجيش.


من هنا، يثير التمسّك المستجد بإحياء اتفاقية الهدنة، بعد رفض القرار ١٧٠١ ثمّ التمسّك به للتهرّب من اتفاق الإطار، سؤالا يتجاوز موضوع الاتفاقيات نفسها إلى السلوك اللبناني في التعامل معها، وهو يقوم على سياسة الالتفاف والتهرّب الدائم من تنفيذ الالتزامات تحت ذرائع مختلفة، فيما جوهر الصراع الداخلي هو حول من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان، الدولة أم قوى الأمر الواقع.


بعد الفشل في تطبيق القرار ١٧٠١ الذي ينصّ على نزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، هل يشكّل إعادة إحياء اتفاقية الهدنة أساسا واقعيّا للحلّ، أم مناورة للالتفاف على الفشل؟

00:00 | 4-09-2026