منذ شهرين، زرت للمرة الأولى مدينة الرياض بشكل خاص، والمملكة العربية السعودية بشكل عام، ضيفة على قناة «العربية». لكن علاقتي مع المملكة لم تبدأ عند زيارتها. عرفتها منذ سنوات المراهقة عبر حبّي للموسيقى والتراث والتقاليد الخليجية، ثمّ لاحقاً في سنوات النضج والتخصصات الجامعية والعمل في السياسة وفي العلاقات الدولية. كما أن السعودية حاضرة بطبيعة الحال في ذاكرتنا اللبنانية من خلال دورها على مدى عقود.

خلال تلك المراحل، كنت أنظر إلى المملكة من زاويتين: مكانتها الدينية والثقافية والحضارية، ومكانتها السياسية والتاريخية وما تمثله من ثقل في المنطقة.

لسنوات، تابعت ما يُكتب ويُقال عن التحوّلات التي تشهدها المملكة بفعل «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. لكنني لم أكتفِ بما أسمعه وأقرأه، بل تعاملت مع وثيقة الرؤية كأنها مادة دراسية، إذ قرأتها أكثر من مرة، محاولة من خلالها فهم محمد بن سلمان نفسه، والفلسفة التي يقود بها بلاده. فما يجري في السعودية يتجاوز المشاريع والاستثمارات المجردة، إلى تصوّر أو إعادة تعريف للدولة والمجتمع والاقتصاد وموقع المملكة في العالم.

لذلك عندما وصلت إلى الرياض، كنت أريد اختبار الصورة التي رسمتها في ذهني لسنوات. رأيت مدينة تمزج بين الألفة والهدوء، وبين تقاليدها وخصوصيتها من جهة، والتحوّل الاقتصادي والعمراني الكبير من جهة أخرى. لكن أكثر ما استوقفني هو أن الرؤية لا تقوم على برنامج لمشاريع منفصلة عن المجتمع، بل هي فلسفة وإطار يراد له أن ينعكس على المجتمع نفسه. على سبيل المثال، علمت أن الشركات والمؤسسات العاملة في المملكة في مختلف القطاعات أكانت سعودية أو أجنبية، ملزمة بإدخال تغييرات جوهرية في الإدارة والحوكمة والشروط البيئية وغيرها بما يلتقي مع أهداف خطة 2030. هذا ليس بتفصيل.

وفي الحديث عن الرؤية، لا بد من التوقف عند الدرعية. لهذه المنطقة أهمية استثنائية، فهي ليست منطقة تاريخية يُعاد تأهيلها لتصبح وجهة سياحية واستثمارية، بل أشبه بخطّ زمني يصل المشروع السعودي المعاصر بتاريخ الدولة التي انطلقت منها في القرن الثامن عشر. من الدرعية التي وضع فيها الإمام محمد بن سعود أسس الدولة السعودية الأولى، مروراً بالمراحل والتحوّلات التي صنعت المملكة، وصولاً إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يحافظ على ثقل تاريخيّ ويطوّر مسيرة المؤسسين بما يتناسب مع متطلبات العصر، يصبح التاريخ جزءاً من مشروع المستقبل لا نقيضاً له.

سمحت لي زيارتي الأولى إلى الرياض بمعاينة سياسة المملكة عن قرب لفهم أكثر ما يريده قائد رؤيتها.

يحمل الأمير محمد بن سلمان رؤيته إلى كبرى قيادات العالم، رؤية تنطلق من قلب المملكة ومجتمعها واحتياجاتها، فيجلب العالم إليها بما تريده وما يمكن أن تعطيه. فالرجل اختار أن يكون رجل دولة لا يريد صناعة الحاضر والمستقبل لبلده فحسب، بل أن يكون شريكاً في صناعة وقيادة السياسة الإقليمية والدولية بما يتناسب مع رؤيته. من هذه الزاوية أقرأ زيارة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا وما رافقها من اتفاقيات نقلت العلاقة إلى مستوى أوسع من الشراكة، بما يؤكد أن الرؤية تتجاوز التحوّل داخل حدود المملكة. إن حفاوة الزيارة في الإعلام ودوائر السياسة الفرنسية، تشير إلى أن السؤال لم يعد فقط حول ما يمكن للعالم أن يقدمه للمملكة في رحلة تحوّلها، بل ماذا تستطيع السعودية أن تقدّمه للعالم. فرنسا كما غيرها من كبريات الدول، تدرك أن حضورها المؤثر في المنطقة لا يكتمل إلا عبر بوابة المملكة.