لعلّ أفضل ما يميّز اتفاق الهدنة الذي وقّع بين لبنان وإسرائيل عام ١٩٤٩، أنه وقّع في فترة زمنية كان لبنان فيها لا يزال دولة فتيّة مستقلة. فلا حزب عقائديّ يحكم ويتحكم بمفاصل وقرارات الدولة، ولا فساد تمدّد إلى قلب المؤسسات حتى تحوّل إلى آلية حكم بحدّ ذاتها.
وعندما وقعت النكبة عام ١٩٤٨، تحوّل لبنان بحكم الجغرافيا إلى ملجأ لعدد كبير من الفلسطينيين الهاربين من عمليات القتل والتهجير الإسرائيليين، كما إلى منطلق للفدائيين في عملياتهم ضد القوات والعصابات الإسرائيلية. على الأثر، ارتكبت إسرائيل مجزرة حولا في جنوب لبنان، وبدأت سلسلة من الاعتداءات بذريعة محاربة الفدائيين، فسارع لبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة.
وبالفعل، استقرّت الأوضاع نسبيّا في الجنوب في الفترة الممتدة بين ١٩٤٩ و١٩٦٧، قبل أن تتهّم إسرائيل الدولة اللبنانية بمخالفة شروط اتفاقية، لا سيّما ما نصّت عليه المادة الأولى بشأن عدم تشكيل تهديد للطرف الآخر وعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لتسوية القضية الفلسطينية. ورغم نفي لبنان تلك الاتهامات، يمكن القول إن الاتفاقية سقطت عمليّا مع توقيع لبنان لاتفاق القاهرة عام ١٩٦٩. فآنذاك، كان تآكل الدولة قد بدأ مع انقسام أركانها في صراع المحاور الإقليمية، وخضوع الحكم لضغوط عربية، وتحديدا مصرية بقيادة جمال عبد الناصر، لتشريع العمل الفلسطيني المسلّح انطلاقا من لبنان. ثمّ جاءت الضربة الأخرى تحت عنوان «تنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح» مع توقيع اتفاق مالكارت عام ١٩٧٣، والذي يعتبر ملحقا لاتفاق القاهرة.
رغم ذلك، بقيت الاتفاقية إطارا قانونيّا معترفا به في الأمم المتحدة، ومرجعية للاتفاقيات والترتيبات التي تلت بين لبنان وإسرائيل وصولا إلى القرار ١٧٠١ بنسخته المعدّلة.
تكتسب بنود الاتفاقية أهمية للبنان، فهي تعترف بالحدود الدولية التاريخية بين لبنان وإسرائيل (المادة ٥)، وهو ما يحتاجه لبنان في مفاوضاته اليوم في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوبه. كما تمنع استخدام الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل، سواء من القوات النظامية أو المجموعات المسلّحة، وتمنع استخدام الأراضي الإسرائيلية ضد لبنان (المادة ٧). كذلك تحدّد مهام القوات العسكرية وعديدها وعتادها على جانبيّ الحدود ضمن طبيعة دفاعية وبأسلحة خفيفة ومحدودة (ملحق قوات الدفاع).
دوليّا، يثير المطالبة بإحياء اتفاقية الهدنة الآن إشكالية، إذ إن الوقائع تشير إلى رغبة الولايات المتحدة، وهي الوسيط التاريخي والراعي لكل الاتفاقيات المرتبطة بالصراع اللبناني-الإسرائيلي، في فصل الملف عن الأمم المتحدة، والدفع، تحت النار، نحو اتفاق جديد ينهي الصراع بين لبنان وإسرائيل بدل الاكتفاء بضبطه كما نصّت الهدنة.
أما لبنانيّا، فتبرز مفارقة ترتبط بالسردية الجديدة لحزب الله وبعض حلفائه والمتقاطعين معه. فجوهر اتفاقية الهدنة يتضمّن تحديدا ما أعلن هؤلاء رفضه مرارا، واستخدموه لاتهام الدولة بالعمل «كشرطي» لدى إسرائيل، لا سيّما في ما يتعلّق بمسألة منع استخدام الأراضي اللبنانية ضدها، ومهام وعتاد الجيش.
من هنا، يثير التمسّك المستجد بإحياء اتفاقية الهدنة، بعد رفض القرار ١٧٠١ ثمّ التمسّك به للتهرّب من اتفاق الإطار، سؤالا يتجاوز موضوع الاتفاقيات نفسها إلى السلوك اللبناني في التعامل معها، وهو يقوم على سياسة الالتفاف والتهرّب الدائم من تنفيذ الالتزامات تحت ذرائع مختلفة، فيما جوهر الصراع الداخلي هو حول من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان، الدولة أم قوى الأمر الواقع.
بعد الفشل في تطبيق القرار ١٧٠١ الذي ينصّ على نزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، هل يشكّل إعادة إحياء اتفاقية الهدنة أساسا واقعيّا للحلّ، أم مناورة للالتفاف على الفشل؟


