قبل نحو ثمانية عشر عامًا، وُلدت واحدة من أكبر الأفكار في تاريخ التعليم السعودي الحديث: تأسيس شركة حكومية تستطيع أن تفعل ما قد تتأخر الوزارة في إنجازه بسبب طول الإجراءات وبيروقراطية الجهاز الحكومي. هكذا تأسست شركة تطوير التعليم القابضة عام 2008، لتكون ذراعًا أكثر مرونة لتنفيذ المبادرات والمشاريع الإستراتيجية، واستقطاب الكفاءات، وتسريع التحول، وتحسين جودة المنظومة التعليمية وكفاءتها.

كانت الفكرة ذكية وطموحة؛ فالوزارة تضع السياسات والتشريعات، وشركة متخصصة تتحرك بمرونة أكبر، وتستقطب الخبرات، وتبرم العقود، وتبني الشراكات، وتنجز ما يحتاج إليه الميدان بسرعة تتناسب مع حاجة المدرسة، لا مع زمن المعاملة الإدارية.

في بدايات الشركة، كان حضور التربويين ومنسوبي الوزارة واضحًا في قياداتها ومشروعاتها. وربما كان لذلك ما يبرره؛ فالشركة لم تُنشأ لتعمل في أي سوق، وإنما في أكثر القطاعات حساسية وتعقيدًا: التعليم. ومن يعمل فيه يحتاج إلى أن يعرف المدرسة من الداخل، وأن يفهم المعلم والطالب والمنهج، وأن يدرك أن بعض القرارات التي تبدو مثالية في قاعة الاجتماعات قد لا تصمد خمس دقائق أمام فصل يضم ثلاثين طالبًا.

ومع مرور السنوات، توسعت «تطوير»، وأنشأت شركات وأذرعًا متخصصة في المباني والنقل والخدمات والتقنيات التعليمية، ودخلت في مشروعات كبيرة ومتعددة. ولا يمكن إنكار أن كثيرًا من الخدمات والمشروعات التعليمية مرّ عبر هذه المنظومة. لكن مرور ثمانية عشر عامًا يجعل السؤال عن الأثر مشروعًا، بل واجبًا: ماذا قدمت «تطوير التعليم» فعلًا؟ وما الذي أصبح في مدارسنا أفضل بسبب وجودها؟

الأثر التعليمي لا يُقاس بعدد الشركات التي أُنشئت، ولا بعدد العقود الموقعة أو صور حفلات التدشين. يُقاس بما تغير داخل المدرسة: هل أصبح المعلم أكثر قدرة على أداء مهمته؟ هل تحسنت تجربة الطالب؟ هل وجد قائد المدرسة حلولًا أسرع لمشكلاته؟ وهل ارتفعت جودة المبنى والنقل والتقنية والتدريب؟ ما المشروع الذي يستطيع المعلم أو ولي الأمر أن يشير إليه ويقول بثقة: هنا أحدثت «تطوير التعليم» الفرق؟

ومن سؤال الأثر نصل إلى سؤال الشركات التابعة. فمن حق أي شركة قابضة أن تعيد هيكلة أعمالها، وأن تدمج كيانًا أو تنهيه إذا تغيرت الحاجة إليه؛ وقد يكون ذلك دليلًا على المرونة. لكن حين تُنشأ شركة للعمل في التعليم ثم يُغلق نشاطها أو تُدمج أو يتغير اسمها ودورها، فمن حق الميدان أن يعرف ما الحاجة التي استدعت إنشاءها، وما الذي أنجزته، ولماذا انتهى دورها، وأين ذهبت مشروعاتها وخبرتها المتراكمة.

المشكلة ليست أن تُغلق شركة، بل أن تُغلق قصتها معها. إذا كانت التجربة ناجحة، فمن حق المجتمع أن يعرف نتائجها؛ وإذا تعثرت، فمن المفيد إعلان ما تعلمته المجموعة منها، حتى لا تتكرر التجربة باسم جديد وشعار مختلف. هذا سؤال طبيعي لشركة حكومية تعمل في قطاع عام وتنفذ مشاريع تمس الطلاب والمعلمين، وليس تشكيكًا في كل قرار تنظيمي تتخذه.

ويزداد سؤال الأثر أهمية حين ننظر إلى من يصنع القرار داخل الشركة اليوم. تبدو «تطوير»، في صورتها الإدارية والتشغيلية، أقرب إلى شركات القطاع الخاص، وقد يكون هذا جزءًا من الغاية التي أُنشئت من أجلها. لكن هل بقي التعليم حاضرًا في قراراتها بالقدر نفسه؟ وأين التربويون في قيادة مشروعاتها؟

استقطاب خبرات الاقتصاد والتقنية وإدارة المشروعات مطلوب؛ فالتعليم يحتاج إلى من يعرف كيف يستثمر وينجز ويرفع الكفاءة. لكنه يحتاج أيضًا إلى من يدرك لماذا قد ينجح المشروع إداريًا ويفشل تربويًا، ولماذا لا يمكن أخذ حل جاهز وإسقاطه على المدرسة السعودية. ليس المطلوب أن يأتي جميع موظفي الشركة من الوزارة، وإنما أن يجتمع في قرارها الفهم الاقتصادي والكفاءة التشغيلية والخبرة التربوية. حين يغيب أحدها، قد تكتمل المشروعات على الورق دون أن يتغير ما يحدث في الفصل.

ثم يأتي اليوم اختبار أكبر مع نظام التعليم العام الجديد، وما يتيحه من مشاركة للقطاعين الخاص وغير الربحي في إدارة المدارس وتشغيلها. وهنا تبدو «تطوير التعليم»، بحكم صلتها بالوزارة وخبرتها في خدمات المدارس، من أبرز الجهات التي يمكن أن تتقدم لهذه المهمة. لكنها فرصة لا تمنحها الخبرة السابقة أهلية تلقائية؛ فإدارة عقود النقل أو المباني أو التقنية تختلف عن تحمل مسؤولية يوم دراسي كامل وما يترتب عليه من تعلم ورعاية ومساءلة.

هل تستطيع «تطوير»، أن تقدم نموذجًا تشغيليًا وتربويًا يلمس أثره الطالب والمعلم والأسرة؟ وهل تملك قيادات مدرسية وكفاءات تعليمية قادرة على اتخاذ القرار قريبًا من الفصل، لا في مكاتب الشركة وحدها؟ إذا دخلت هذا المجال، فلن يكون معيار النجاح عدد المدارس التي تتولى تشغيلها، بل مستوى التعلم فيها، واستقرار كوادرها، وقدرتها على حل المشكلات اليومية، مع وضوح دور الوزارة في الإشراف والتقويم.

لهذا نحتاج، بعد ثمانية عشر عامًا، إلى تقرير أثر لا تقرير نشاط: ماذا حققت كل شركة تابعة؟ من استفاد من مشروعاتها؟ ما الذي تغير قبل التنفيذ وبعده؟ ولماذا دُمجت بعض الكيانات أو انتهت أدوارها؟ وما المشروعات التي لم تحقق أهدافها، وما الدروس التي خرجت بها المجموعة؟ هذه الإجابات لا تخدم مساءلة الماضي وحده؛ إنها تساعد أيضًا على تقدير جاهزية الشركة لما قد يُسند إليها في المرحلة المقبلة.

لقد كانت «تطوير التعليم» أمنية كبيرة: أن تمتلك الوزارة ذراعًا مرنة تفعل ما تعجز الإجراءات التقليدية عن فعله. وبعد قرابة ثمانية عشر عامًا، لا نسأل لنقلل من عملها، بل لأن الفكرة كانت أكبر من أن تُختصر في شركات وعقود ومشروعات لا يعرف الميدان حصيلتها بوضوح. ومع اتساع فرص تشغيل المدارس، يصبح السؤال أشد إلحاحًا: هل حققت «تطوير» الأمنية التي أُنشئت من أجلها، وهل تستطيع أن تثبت أثرها حين تنتقل من خدمة المدرسة إلى مسؤولية إدارتها؟