أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1885.jpg?v=1772116948&w=220&q=100&f=webp

خالد الباتلي

حين كان الإعلام طريقًا إلى الحل...!

كان للصحافة الورقية، ومعها البرامج التلفزيونية التي انشغلت بقضايا الناس، دور يتجاوز صناعة الخبر إلى صناعة الانتباه. كانت عيناً ترى الخلل قبل أن يتسع، وصوتاً يصل إلى المسؤول قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة، ومنبراً يشعر المواطن من خلاله أن شكواه لا تضيع بين المكاتب، وأن هناك من يسأل نيابة عنه: لماذا حدث هذا؟ ومن المسؤول؟ ومتى يكون الحل؟


لسنوات، حملت الصحف الورقية قضايا الصحة والتعليم والإسكان والمرور والبلديات والاتصالات والخدمات العامة. لم تكن كل المعالجات مثالية، ولم يكن كل نقد مصيباً، لكن الفارق أن القضية حين تدخل إلى صحيفة محترفة تمر بمحرر، وتوثيق، واتصال بالجهة المعنية، ومحاولة للحصول على إجابة، ثم تصبح مادة منشورة تتحمل الصحيفة مسؤوليتها المهنية. ولذلك كان المسؤول يقرأ، والوزارة تتابع، والمواطن يشعر بأن هناك نافذة يستطيع من خلالها إيصال صوته.


وعندما انتقلت هذه الروح إلى التلفزيون، صنعت برامج الرأي العام مرحلة إعلامية لا تُنسى، كبرامج داود الشريان، وعلي العلياني، وخالد العقيلي، ومفرح الشقيقي وغيرهم، لم تكن مجرد برامج تبحث عن الإثارة؛ كان أفضلها يذهب إلى قلب المشكلة، يستضيف المواطن، ويضع المسؤول أمام السؤال، ويتابع القضية حتى تصبح جزءاً من النقاش العام. وتجبر المتحدث الرسمي للقطاع أن يخرج ويدافع ويقدم حضوراً إعلامياً يليق بمنصبه.


وقد عُرف برنامج «الثامنة» مثلاً باشتغاله المكثف على قضايا المجتمع وهموم الناس، كما عُرفت برامج أخرى كـ«الشارع السعودي» و«يا هلا» بروتانا بتناول القضايا الاجتماعية اليومية وإيصالها إلى المسؤول.


اليوم لدينا فضاء أوسع بكثير. يستطيع أي مواطن أن يكتب تغريدة، أو ينشر مقطعاً، أو يفتح «مساحة» ويتحدث إلى الآلاف خلال دقائق. وهذه مكاسب مهمة لا يمكن التقليل منها، لكنها لم تصنع حتى الآن بديلاً كاملاً لذلك الدور المهني.


فالمنصات سريعة، لكنها سريعة أيضاً في النسيان. والقضية التي تتصدر اليوم قد تختفي غداً أمام قضية أكثر إثارة، وقد يتحول الاهتمام من البحث عن الحل إلى البحث عن «الترند»، ومن مساءلة الخلل إلى مساءلة الأشخاص، ومن التوثيق إلى الانطباعات. وهنا تكمن المشكلة: ليس كل ما يصنع رأياً عاماً يصنع إصلاحاً.


لذلك تبرز مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، تقع على أقسام الإعلام في الجامعات وعلى المؤسسات والشركات الإعلامية: أن نعيد صناعة الصحفي المستقصي الشامل، لا الصحفي الذي ينتظر أن تكتمل حوله فرق العمل. صحفي اليوم يجب أن يحمل أدواته معه؛ يلتقط القضية، ويتحقق من معلوماتها، ويكتب قصتها، ويجري المقابلة، ويسجل الصوت والصورة، ويصور، ويمنتج، ويبث، ويرسل مادته إلى المنصة المناسبة، ثم يتابع أثرها وما انتهت إليه.


نحتاج إلى جيل من الصحفيين يجمع بين عقل المحقق، وحسّ الكاتب، ومهارة المصور، وسرعة المنتج الرقمي، ومسؤولية الإعلامي الذي يعرف أن غايته ليست صناعة ضجة عابرة، وإنما كشف الخلل والمساهمة في إصلاحه. فلقد تغيرت أدوات المهنة، ولذلك يجب أن تتغير طريقة إعداد الصحفي؛ فبدلاً من انتظار عودة غرف الأخبار الكبيرة كما كانت، علينا أن نصنع صحفياً يستطيع أن يكون غرفة أخبار متحركة، يصل إلى الميدان ومعه كل ما يحتاجه لتحويل مشكلة المواطن من شكوى عابرة إلى قضية موثقة تستحق أن تصل إلى المسؤول.


نحن لا نفتقد الورق بوصفه ورقاً، ولا نطالب باستعادة زمن مضى كما كان؛ نحن نفتقد «وظيفة» كانت تؤديها الصحافة وبرامج الرأي العام: التقاط المشكلة، والتحقق منها، ومنح أطرافها حق الحديث، ومواجهة المسؤول بها، ثم متابعتها حتى نعرف ماذا حدث.


والأهم أن هذه الصحافة لم تكن صوت المواطن ضد المسؤول، كما قد يُفهم، فقد كانت في كثير من الأحيان صوت المواطن للمسؤول الأكبر. فمن يدير جهازاً ضخماً لا يستطيع أن يرى كل مدرسة ومستشفى وشارع وبلدية ومكتب خدمة، والإعلام المهني كان يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الرسمية.


البديل المطلوب إذن ليس إعادة الصحيفة الورقية إلى أبواب المنازل، ولا استنساخ برامج الأمس، وإنما إعادة بناء صحافة قضايا الناس بأدوات اليوم: منصات رقمية، وبرامج حوارية وتحقيقات ميدانية، وصحفيون يمتلكون الجرأة والمسؤولية معاً.


فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يخبره بما حدث، بل إلى من يسأل: لماذا حدث؟ وكيف نعالجه؟ ومن يتابع الحل؟


ذلك هو الفراغ الذي تركته الصحافة وبرامج الرأي العام، ولا تزال تغريدة مهما انتشرت، أو مساحة مهما ازدحم مستمعوها، عاجزة وحدها عن ملئه.

00:59 | 30-08-2026

ما يحك جلد التعليم مثل ظفره !

منذ أن دخل إلى منظومتنا التعليمية كقيادات أو أعضاء لجان ومديري مشاريع، جيل من خريجي الجامعات الأجنبية، حمل معه علمًا مهمًا، وأدوات بحث متقدمة، وقدرة على قراءة التجارب العالمية. وهذه إضافة لا يمكن إنكارها.

لكن المشكلة بدأت حين تحول بعض هذا العلم من نافذة نطل منها على العالم إلى مرآة لا نرى فيها إلا العالم وننسى أنفسنا !

امتلأت لغتنا التعليمية بالمصطلحات: الحوكمة، والتمكين، والاستدامة، والتحول، والنماذج التشغيلية، ومؤشرات الأداء، ومجتمعات الممارسة. وكلها قد تكون مهمة، لكن السؤال الأبسط ظل مؤجلًا: ماذا تغير داخل الفصل؟ هل أصبح الطالب أفضل قراءة وكتابة وتفكيرًا؟ هل أصبح المعلم أكثر قدرة على التعليم؟ وهل أصبحت المدرسة أفضل فعلًا؟

مشكلتنا لم تكن يومًا في نقص الأفكار، وربما كانت في فائض الأفكار ونقص الإنصات للميدان. والأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا مما نقدمه اليوم بوصفه مشروعًا جديدًا أو تحولًا نوعيًا، نجد له أصلًا في خطط ووثائق تعليمية قبل ثلاثين أو أربعين عامًا !

الفكرة موجودة، والتشخيص موجود، وأحيانًا الحل موجود؛ لكنه لم ينفذ، أو بدأ ثم توقف، أو تغيرت القيادات والأولويات فضاع في الطريق. ثم نعود إليه بعد سنوات بثوب جديد، ومصطلح أجنبي جديد، وعرض أكثر أناقة، ونقدمه وكأنه وُلد اليوم.

جزء كبير مما نسميه تطويرًا يدور حول ثلاث عمليات: تجميع ما سبق، واستنساخ ما نجح لدى غيرنا، وتطوير ما هو قائم. وكل ذلك مفيد، لكنه ليس ابتكارًا بالضرورة. الابتكار أن نصنع حلًا نابعًا من مشكلتنا، مناسبًا لبيئتنا، وقادرًا على فرض واقع تعليمي جديد.

نحن أحيانًا نتعامل مع التعليم وكأننا نسير في طريق دولي مستقيم، بينما واقعنا طريق فيه منخفضات جوية ومطبات صناعية وتحويلات؛ مدارس في مدن وقرى، ومعلمون متفاوتون في الخبرة، وأسر مختلفة في ظروفها، وطلاب لا يمكن اختصارهم في متوسط إحصائي داخل تقرير.

ولهذا أقولها بشيء من المبالغة المقصودة: قد يكون خريج معهد أو كلية معلمين أمضى ثلاثين عامًا في المدرسة أكثر قدرة على تشخيص بعض مشكلات تعليمنا من أستاذ تخرج في هارفارد، وحضر ألف مؤتمر، وشارك بمئة ورقة علمية. ليس لأن الأول أعلم من الثاني، وإنما لأنه يعرف المريض الذي نتحدث عنه.

يعرف لماذا لا يقرأ بعض الطلاب جيدًا رغم نجاحهم عامًا بعد عام، وكيف يمكن لمعلم واحد أن يغير مدرسة، وكيف يمكن لمدير ضعيف أن يطفئ حماس عشرات المعلمين. ويعرف أن القرار الذي يبدو رائعًا في قاعة الاجتماعات قد يتحول إلى عبء عندما يصل صباحًا إلى المدرسة !

وهنا تكمن المشكلة: من يعرف كيف يكتب عن المشكلة أصبح أحيانًا أعلى صوتًا ممن يعرف كيف يحلها. الباحث يجيد توصيف الظاهرة، والاستشاري يبني النموذج، لكن المعلم هو الذي سيقف في النهاية أمام ثلاثين وأربعين طالبًا ويسأل: ماذا أفعل بهم الآن؟

لا نريد أن نغلق أبوابنا أمام العالم؛ نريد هارفارد وأكسفورد وغيرها، ونريد الباحث والخبير والتجربة الدولية، لكننا نريد إلى جوارهم معلمًا من الميدان يستطيع أن يقول: هذه الفكرة جميلة، لكنها لن تعمل هنا بهذه الطريقة.

في المثل الشعبي حكمة تختصر القضية: «ما يحك جلدك مثل ظفرك».

فلنتعلم من العالم كله، لكن بعيوننا نحن. ولنتوقف عن البحث عن فكرة جديدة كل عام، ونبدأ بسؤال أكثر شجاعة: ماذا عرفنا منذ عقود ولم ننفذه حتى اليوم، ولماذا؟

فالتعليم السعودي لن يصنعه مؤتمر دولي ولا تقرير استشاري. هذه كلها تساعدنا، أما تعليمنا الحقيقي فيجب أن نصنعه نحن، من واقعنا، ولأبنائنا..

00:00 | 23-08-2026

لدينا الحكاية.. فأين الفيلم الكبير؟

العمل الفني الكبير ليس ذلك الذي تشاهده في الصالات أو عبر الشاشات ثم تغادره، هو الذي يغادرك إلى البيت، ويجلس معك أيامًا، ويجبرك بعد زمن على العودة إليه؛ لأنك تشعر أن شيئًا ما فاتك في المرة الأولى.


لهذا بقيت الأوديسة، وتطورت الإلياذة، وحضرت الكوميديا الإلهية؛ لأنها لم تُبنَ على حكاية واحدة مغلقة، وإنما على طبقات من الإنسان والخوف والحب والبطولة والموت والخطيئة والعودة والبحث عن المعنى.


وكل قراءة جديدة لها تفتح بابًا لم يكن ظاهرًا من قبل.


وحين تستطيع السينما التقاط عمل كهذا، فإنها لا تصنع فيلمًا فقط، بقدر ما تعيد إنتاج ذاكرة أمة بلغة العالم.


وهنا يأتي السؤال الذي يستحق أن نسأله عن السينما السعودية اليوم:


لماذا، رغم كل ما تحقق لها من تطور ودعم ومهرجانات وتجارب ومواهب، لم نصنع بعد الفيلم السعودي الملحمي الذي يحكي حكايتنا للعالم؟


المشكلة بالتأكيد ليست في نقص الحكايات.


لدينا من التاريخ ما يكفي لعشرات الأفلام الكبرى. لدينا حكاية التأسيس بما فيها من تحولات وتحالفات وصراعات وشخصيات وأمكنة..


ولدينا ملحمة توحيد المملكة، وهي في ذاتها رحلة سينمائية مذهلة؛ رجل يبدأ بحلم، ويسترد الرياض، ثم تمتد رحلته سنوات بين الصحراء والمدن والقبائل والمعارك والسياسة والانتصار والانكسار، حتى تتشكل دولة بحجم قارة.


ولدينا معارك وأبطال ورحلات وقضايا ومواقف إنسانية لم تقترب منها الكاميرا بعد.


إذن لماذا لا نملك «أوديسّتنا» السينمائية؟


ربما لأننا ما زلنا نخاف من التاريخ أكثر مما نحبه فنيًا..!


نتعامل معه بوصفه مادة ينبغي المحافظة عليها، لا عالمًا ينبغي اقتحامه.!


نريد من الفيلم التاريخي أن يكون صحيحًا ومحترمًا وآمنًا، وهذه شروط ضرورية، لكنها لا تصنع وحدها فنًا عظيمًا.!


الفيلم الكبير يحتاج فوق دقة الرواية إلى خيال، وشخصيات من لحم ودم، وصراع، وضعف، وانتظار، وخوف، وانتصار له ثمن.


هوليوود حين تعود إلى أساطيرها وتاريخها لا تصور الحدث فقط؛ إنها تبني حوله عالمًا. تستدعي الموسيقى والملابس والجغرافيا واللغة والصمت والضوء، وتنفق على التفاصيل الصغيرة لأنها تعرف أن العالمية لا تبدأ من محاولة إرضاء العالم، ولكن من الإيمان العميق بالحكاية المحلية.


وهذه ربما مفارقتنا الأهم. فنحن نملك المال، والمواقع الطبيعية المذهلة، والتقنيات، والدعم، وجيلًا سعوديًا جديدًا من المخرجين والممثلين والكتّاب، ونملك قبل ذلك كله حكايات لم تُستهلك بعد.


لكن الفيلم الملحمي لا يولد بمجرد اجتماع هذه العناصر؛ يحتاج إلى كاتب يرى التاريخ إنسانًا قبل أن يراه تاريخًا، ومخرج يمتلك خيالًا يتجاوز إعادة تمثيل الوقائع إلى خلق عالم كامل، ومنتج يؤمن بأن بعض الأفلام لا تُصنع لشباك التذاكر وحده، إنما لتبقى خمسين عامًا وأكثر...


وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التي تحفظ ذاكرتنا الوطنية، وفي مقدمتها دارة الملك عبدالعزيز. فالدارة لا تختزن وثائق وصورًا ومخطوطات وروايات شفوية فحسب؛ إنها تحفظ المادة الخام لعشرات الأفلام التي لم تُصنع بعد.


وربما حان الوقت لأن تُفتح كنوز هذه الذاكرة بصورة أوسع أمام كتّاب السيناريو والمخرجين والمنتجين، وأن تنشأ جسور حقيقية بين المؤرخ والفنان؛ لأن الوثيقة التي تبقى في الأرشيف تحفظ التاريخ، لكن الوثيقة التي تقع في يد فنان عظيم قد تجعل العالم كله يراه.


ولا يعني ذلك أن تتحول الدارة إلى منتج سينمائي، ولا أن يتنازل المؤرخ عن دقة التاريخ لمصلحة خيال الفنان، وإنما أن نخلق منطقة يلتقي فيها الاثنان: المؤرخ يمنح الحكاية جذورها، والفنان يمنحها أجنحتها.


وربما نحتاج مستقبلًا إلى مسارات بحثية مخصصة لصناع الأفلام، وملفات تاريخية درامية تُستخرج من الوثائق والسير والروايات الشفوية، وتقول للمبدع: هنا حكاية تستحق أن تُروى.


فذاكرة الوطن لا يكتمل دورها حين نحفظها فقط؛ يكتمل حين نجعل الأجيال تراها وتسمعها وتشعر بها. وإذا كانت دارة الملك عبدالعزيز هي إحدى أهم خزائن الذاكرة السعودية، فإن السينما قد تكون واحدة من أجمل النوافذ التي نطل بها من تلك الذاكرة على العالم.


نحن لا نحتاج فيلمًا تاريخيًا يشرح للعالم من نحن.


نحتاج فيلمًا عظيمًا يجعل العالم هو الذي يريد أن يعرف من نحن.


فالعالم لم يعرف طروادة لأنه قرأ تقريرًا عن حربها، ولم يبقَ أوديسيوس آلاف السنين لأنه انتصر في معركة؛ بقي لأن الإنسان وجد نفسه في رحلة عودته.


وحكايتنا السعودية تمتلك الإنسان والمكان والصراع والحلم والبطولة.


لدينا الملحمة كاملة.. ما ينقصنا فقط أن يأتي من يراها بعين السينما.

23:59 | 10-08-2026

أين اختفى مديرو الجامعات؟

في زحام الأخبار، مرّ خبر وفاة معالي الدكتور بكر عبدالله بن بكر، مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الأسبق، رحمه الله، بهدوء لا يليق برجل كان في زمنه أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في المملكة.


وما إن قرأت الخبر حتى وجدتني لا أستحضر سيرته وحدها، إنما أستحضر زمنًا كاملًا كان فيه مدير الجامعة شخصية وطنية معروفة، وصاحب حضور يتجاوز أسوار الحرم الجامعي إلى المجتمع بأسره.


من عاش مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، فقد استعاد اسمًا كان يمثل جيلًا كاملًا من القيادات الجامعية التي لم تكن تدير الجامعات فحسب، بل كانت جزءًا من المشهد الوطني والثقافي والاجتماعي.


ذلك الخبر أعاد إلى ذهني سؤالًا ظل يرافقني منذ سنوات: لماذا لم نعد نعرف رؤساء جامعاتنا كما كنا نعرفهم في الماضي؟


قبل ثلاثة أو أربعة عقود، لم يكن مدير الجامعة مجرد مسؤول إداري يوقع القرارات ويترأس المجالس. كان رمزًا علميًا، وصوتًا فكريًا، وقائدًا تربويًا، وشخصية عامة يعرفها الناس كما يعرفون الوزراء وكبار المسؤولين. كانت صورته مألوفة في الصحف، واسمه يتردد في نشرات الأخبار، وكلماته تحظى بالاهتمام، وحضوره في المناسبات العلمية والثقافية يحظى بالمتابعة والتقدير.


من عاش تلك المرحلة يتذكر بسهولة أسماء مديري الجامعات الكبرى في المملكة. جامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة أم القرى، وجامعة الملك فيصل، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. لم تكن تلك الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، كانت لكل واحدة منها شخصية وهوية، وكان مديرها جزءًا من هذه الهوية، وأحد أبرز من يمثلها أمام المجتمع.


أما اليوم، فقد تضاعف عدد الجامعات، وتوسعت إمكاناتها، وارتفعت ميزانياتها، وتقدمت في التصنيفات العالمية، وحققت منجزات بحثية وعلمية نفخر بها جميعًا. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المواطنين، وحتى بعض طلاب الجامعات أنفسهم، قد لا يعرفون اسم رئيس الجامعة التي يدرسون فيها، فضلًا عن صورته أو سيرته العلمية أو مشروعه القيادي.


ليس هذا انتقاصًا من رؤساء الجامعات الحاليين، فبينهم علماء مرموقون، وأكاديميون مشهود لهم بالكفاءة، وقيادات تمتلك خبرات دولية رفيعة. لكن القضية ليست في الأشخاص، ولكن في المكانة التي أصبح يشغلها رئيس الجامعة في الوعي العام.


فما الذي تغيّر؟


هل أصبحت الجامعات مؤسسات ضخمة تبتلع حضور قادتها؟ أم أن الإدارة اليومية وتعقيداتها استهلكت وقت رئيس الجامعة، فلم يعد قادرًا على ممارسة دوره الفكري والثقافي؟ أم أن الإعلام الجامعي انشغل بالأخبار والاتفاقيات والمذكرات، وأغفل التعريف بالإنسان الذي يقود هذه المؤسسة؟ أم أن المجتمع نفسه لم يعد يمنح القيادات الأكاديمية المساحة التي كان يمنحها في السابق؟


ربما اجتمعت هذه الأسباب كلها.


لكن المؤكد أن الجامعة لا تحتاج إلى إدارة ناجحة فقط، تحتاج أيضًا إلى قيادة ملهمة. فالجامعة ليست مباني وقاعات ومعامل ومؤشرات أداء، وإنما مشروع حضاري يقوده عقل يمتلك رؤية، ويستطيع أن يحاور المجتمع، وأن يلهم الشباب، وأن يقدم نموذجًا للعالم والمفكر والإداري في آنٍ واحد.


في الجامعات العالمية المرموقة، كثيرًا ما يكون رئيس الجامعة شخصية عامة، يُستضاف في وسائل الإعلام، ويكتب المقالات، ويشارك في النقاشات الوطنية، ويُسهم في تشكيل الرأي العام في القضايا التي تمس التعليم والبحث والابتكار ومستقبل الأجيال. لأن المجتمع لا يرى فيه موظفًا حكوميًا، يراه قائدًا فكريًا يقود إحدى أهم مؤسسات بناء الإنسان.


أما نحن، فقد أصبحنا للأسف نعرف أسماء بعض المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما نعرف أسماء من يقودون جامعاتنا. وهذا ليس تقليلًا من أحد، لكنه يعكس خللًا في ترتيب الاهتمام المجتمعي، وربما في طريقة تقديم هذه القيادات للرأي العام.


إن بناء الصورة الذهنية لرئيس الجامعة ليس ترفًا إعلاميًا، ولا بحثًا عن الشهرة، هو جزء من بناء الثقة بالمؤسسة نفسها. حين يعرف الطالب من يقود جامعته، وما إنجازاته، وما رؤيته، وما مسيرته العلمية، فإنه يشعر بانتماء أكبر، ويجد أمامه قدوة حقيقية صنعتها المعرفة والاجتهاد، لا الصدفة ولا الشهرة العابرة.


ولعلنا اليوم، ونحن نودع أسماء بحجم الدكتور بكر عبدالله بن بكر، لا نحتاج إلى استذكار إنجازاتهم فحسب، نحتاج إلى استعادة الفكرة التي كانوا يمثلونها. فكرة أن الجامعة كانت تمتلك وجهًا يعرفه الناس، وصوتًا يسمعونه، ورمزًا يثقون به.


لقد تغيرت الجامعات كثيرًا، وهذا أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن يكون ثمن هذا التطور غياب الشخصية الأكاديمية عن المشهد الوطني. فكل جامعة عظيمة تحتاج إلى قيادة عظيمة، وكل قيادة عظيمة تحتاج إلى حضور يليق بمكانتها ورسالتها.


ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة: هل المشكلة أن رؤساء الجامعات أصبحوا أقل حضورًا، أم أننا توقفنا عن تقديمهم للمجتمع بوصفهم قادة للفكر والعلم، لا مجرد مسؤولين في الهيكل الإداري؟


الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق لاستعادة واحدة من أهم صور القوة الناعمة التي امتلكتها الجامعات السعودية عبر تاريخها؛ يوم كان مدير الجامعة اسمًا يحفظه الناس، وصورةً يعرفونها، وقامةً علميةً يفخر بها المجتمع.

00:00 | 31-07-2026

اختطف الأكاديميون التعليم العام.. فمن يعيده إلى أهله؟!

من أكثر الأسئلة إيلاماً في التعليم السعودي سؤالٌ لم يجرؤ أحد على طرحه بالوضوح الكافي: ماذا استفاد التعليم العام من هيمنة بعض الأكاديميين على أهم قراراته طوال العقود الماضية؟ سؤال يبدو قاسياً، لكنه مشروع.


فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الخطط والمبادرات والاستراتيجيات والمشروعات التي تعاقبت على التعليم العام، يحق لنا أن نتساءل عن الحصيلة الحقيقية.


لقد تغيّرت المسميات أكثر مما تغيّرت النتائج، وتعاقبت الإدارات والقيادات الأكاديمية لها أكثر مما تعاقبت الإنجازات، بينما ظل المعلم في فصله، وقائد المدرسة في مدرسته، والمشرف المغضوب عليه في ميدانه، يراقبون مشهداً يتكرر بصورة تكاد تكون مملة!


لو كان النجاح التعليمي يُصنع بالنظريات وحدها، لكانت مدارسنا اليوم من بين الأفضل عالمياً، لكن ما حدث أن النظريات تبدلت، والمسميات تغيرت، والمشروعات تعاقبت، بينما بقي السؤال نفسه معلقاً: لماذا لا تنعكس كل هذه الجهود على واقع المدرسة بالقدر المأمول؟


لا أحد يعترض على العلم، ولا أحد يقلل من قيمة البحث العلمي، لكن التعليم العام ليس ورقة بحثية، وليس مؤتمراً أكاديمياً، وليس مشروعاً تجريبياً يمكن التراجع عنه عند الفشل. التعليم العام حياة يومية يعيشها ملايين الطلاب والمعلمين والأسر، وأي خطأ في قراره لا يبقى حبراً على ورق، بل يتحول إلى سنوات ضائعة يدفع ثمنها جيل كامل.


فالواقع لا يتغير بالقرارات وحدها، ولا تتحول المدارس إلى نماذج عالمية بمجرد إصدار الأدلة التنظيمية أو إطلاق المنصات أو تغيير المسميات ووضع المؤشرات. التعليم كائن حي ينمو على أرض الواقع، لا على أوراق الاجتماعات، وكل مشروع يُطلب من الميدان تطبيقه دون أن يُبنى معه تدريجياً، يشبه من يطلب من طفل أن يركض قبل أن يتعلم الوقوف.


المشكلة ليست في وجود بعض الأكاديميين، ولكن في هيمنة العقل الأكاديمي النظري على القرار الميداني. فكثير ممن تولوا قيادة مسارات التعليم العام خلال العقود الماضية، لم يعيشوا الحياة الحقيقية للمدرسة كما عاشها المعلم والمشرف وقائد المدرسة. لم يقفوا سنوات طويلة أمام الفصول الدراسية، ولم يواجهوا تفاصيل الواقع اليومية التي تصنع الفرق بين نجاح القرار وفشله، ومع ذلك كانوا في كثير من الأحيان هم من يحددون الاتجاه، بينما يُطلب من الميدان التنفيذ دون مشورته أحياناً!


وهكذا تحول التعليم العام، في فترات كثيرة، إلى ساحة تتزاحم فيها المبادرات أكثر مما تتراكم فيها الإنجازات.. يأتي فريق جديد محمّلاً بأفكار جديدة ومنصات جديدة ومصطلحات جديدة، ويبدأ بإعادة تشكيل المشهد وفق ما قرأه في الكتب أو شاهده في المؤتمرات أو طُبِّق في بعض الدول، ثم لا يلبث أن يغادر قبل أن تُقاس النتائج الحقيقية، ليأتي فريق آخر يبدأ من جديد وكأن السنوات السابقة لم تكن!


وفي كل مرة تُستنزف الطاقات، وتُستهلك الميزانيات، ويُطلب من المدارس أن تتكيف مع الاتجاه الجديد، فيما يبقى الطالب والمعلم الحلقة التي تتحمل كلفة التغيير المستمر. المفارقة المؤلمة هنا، أن أكثر الناس غياباً عن صناعة القرار هم أكثر الناس التصاقاً بالتعليم الحقيقي.


المعلم الذي أمضى عشر سنوات في فصل مكتظ، يعرف عن التعليم ما لا يمكن أن تمنحه عشرات الدراسات النظرية. ومديرة المدرسة التي تتعامل يومياً مع الطالبات والأسر والمعلمات، تدرك تفاصيل لا تظهر في أي تقرير. والمشرف الميداني الذي كان يجوب المدارس، يرى من الحقائق ما لا تصل إليه مكاتب الوزارة المكيفة.


لهذا فإن خبرة الميدان ليست أقل من الشهادات العليا، قد تكون في التعليم العام أكثر قيمة عند صناعة القرار.


إن معلماً ناجحاً في مدرسة حكومية، أو قائد مدرسة يدير مئات الطلاب، قد يفهم احتياجات التعليم العام أكثر من خريج أرقى الجامعات العالمية، إذا كان الأخير لم يعش يوماً واحداً داخل واقع المدارس الحقيقي.


ولو جمعنا تكلفة هذا العبث الإداري والفكري المتكرر عبر العقود، لوجدنا أننا دفعنا ثمناً باهظاً من المال والوقت والجهد والطاقة البشرية، بينما ظل السؤال الكبير بلا إجابة: لماذا لا نبدأ من أهل الميدان أنفسهم؟


الأكثر غرابة، أن هذا كله يحدث في الوقت الذي تزخر فيه منظومة التعليم بكفاءات ميدانية عالية التأهيل. ففي المدارس وإدارات التعليم آلاف المعلمين والمشرفين وقادة المدارس الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، ممن جمعوا بين المؤهل العلمي والخبرة العملية. هؤلاء عرفوا المدرسة قبل أن يكتبوا عنها، وعاشوا الفصل الدراسي قبل أن يدرسوا نظرياته، وواجهوا التحديات الحقيقية قبل أن يناقشوها في رسائلهم العلمية.


فلماذا يُنظر إلى أستاذ الجامعة بوصفه الخيار الطبيعي للقرار التعليمي، بينما يُهمش معلم أو مشرف أو قائد مدرسة يحمل المؤهل نفسه، ويملك فوقه عشرين عاماً من الخبرة الميدانية؟


أيُّهما أقدر على فهم التعليم العام: باحث يقرأ عن المدرسة أم معلم عاش المدرسة؟


وأيهما أصدق تشخيصاً للمشكلة: أكاديمي يدرس الظاهرة من خلال الاستبيانات، أم مشرف تربوي كان يراها كل يوم في عشرات المدارس؟


لقد ترسخت، من حيث لا نشعر، ثقافة إدارية تعطي وزناً أكبر للسيرة الأكاديمية من الخبرة الميدانية، وكأن سنوات الوقوف أمام الطلاب خبرة، أقل قيمة من سنوات الكتابة عنهم. وكأن المعرفة الحقيقية بالتعليم تُكتسب من الأوراق، أكثر مما تُكتسب من الواقع. وهنا تكمن المفارقة.


ففي معظم المهن الكبرى لا يُسمح بقيادة الميدان إلا لمن خبر تفاصيله، أما في التعليم العام، فقد أصبح من الطبيعي أحياناً أن يتصدر القرار من درس المدرسة أكثر مما عاشها، وأن يتراجع دور من أفنوا أعمارهم بين طلابها ومعلميها وقضاياها اليومية.


إن التعليم العام لا يحتاج إلى مزيد من المنظّرين، بقدر حاجته إلى من يجمعون بين العلم والخبرة، بين الشهادة والممارسة، وبين المعرفة والواقع. يحتاج إلى من يعرف رائحة الفصل، وضغط الحصة الأولى، وتحديات المدرسة، وتعقيدات الأسرة، والفجوة بين ما يُكتب في التقارير وما يحدث فعلاً على الأرض.


ولست أدعو إلى إقصاء الأكاديميين كما أُقصي أهل الميدان طويلاً، لكنني أدعو إلى إعادة التوازن المفقود. فمكان الأكاديمي الطبيعي أن يقود البحث العلمي، ويطور الجامعات، ويرتقي بمخرجاتها، بينما ينبغي أن يكون صوت أهل الميدان حاضراً في قلب القرار التعليمي العام، لا على هامشه.


وكما تحرص الدولة على كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر وتحقيق المستهدفات الوطنية، فإن من حقنا أن نسأل: ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار إلى الخبرة الميدانية؟ ألم يحن الوقت لأن يكون حامل الدكتوراه الذي خرج من الفصل الدراسي أولى بالقرار من حامل الدكتوراه الذي لم يعرف الفصل إلا من نافذة البحث العلمي؟


لقد اختُطف التعليم العام طويلاً باسم التطوير، وحان الوقت أن يعود إلى أهله.


وحين يصبح القرار بيد من عاشوا المدرسة لا من زاروها في تقاريرهم، سنكتشف أن كثيراً من الحلول التي بحثنا عنها في اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كانت تقف كل صباح أمام السبورة، لكنها لم تجد من يستمع إليها.


وعندما يعود القرار التعليمي إلى أهله الحقيقيين، سنكتشف أن كثيراً من المشكلات التي عجزت عن حلها اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كان يعرف حلها منذ البداية معلمٌ يقف في آخر الممر، أو قائدة مدرسة تبدأ يومها قبل الجميع وتغادر بعد الجميع.


لقد آن الأوان لأن يستعيد التعليم العام صوته المفقود، آن الأوان لأن ينتقل أهل الميدان من مقاعد التنفيذ إلى مقاعد القرار، آن الأوان لأن يكون المعلم الخبير، والمشرف المتمرس، وقائد المدرسة الناجح، شركاء في رسم السياسات لا مجرد متلقين لها.

00:16 | 8-07-2026

كل شيء في الجامعة لأجل الطالب.. إلا الطالب!

في كل جامعة تُرفع الشعارات عن جودة التعليم، وتمكين الشباب، وصناعة المستقبل، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة هو: أين يقف الطالب من كل ذلك؟


الطالب هو سبب وجود الجامعة أصلًا، وهو المبرر الأخلاقي والمهني والوطني لكل مبنى وقاعة ومكتب وميزانية. ومع ذلك، يشعر كثير من الطلاب أنهم الحلقة الأضعف في المنظومة، وأن أصواتهم لا تُسمع.!


لماذا لا نُعلّم الطالب حقوقه منذ يومه الأول في الجامعة؟ ولماذا نحفظه اللوائح المتعلقة بالغياب والاختبارات والعقوبات، بينما لا نعرّفه بالقدر نفسه بحقوقه الأكاديمية والإدارية؟ لماذا يعرف ما عليه أكثر مما يعرف ما له؟


إن الطالب الذي لا يعرف حقوقه لن يطالب بها، والطالب الذي يطالب بها دون معرفة دقيقة قد يُتهم بالمشاغبة أو سوء الأدب أو الخروج عن النص، بينما الحقيقة أن المطالبة بالحق ليست تمردًا، وإنما جزء من البيئة التعليمية السليمة التي يفترض أن تربي شخصية مستقلة وقادرة على الحوار.


ومن المؤسف أن بعض الطلاب يشعرون بأن مجرد مناقشة عضو هيئة التدريس قد تُفسر على أنها تحدٍ شخصي، وأن السؤال الإضافي أو الاعتراض العلمي قد ينعكس على العلاقة الأكاديمية أو حتى على التقييم. وهنا تتحول الجامعة من بيئة للحوار إلى بيئة للخوف، ومن مساحة للتفكير إلى مساحة للتلقي الصامت.


كيف نطلب من الطالب أن يكون باحثًا ومبدعًا وناقدًا وهو يتعلم منذ سنواته الأولى أن الصمت أكثر أمانًا من السؤال؟


ثم تأتي المعضلة الأخرى؛ الوصول إلى المسؤول. فكثير من الطلاب يعتقدون أن مقابلة العميد أو الوكيل أو المسؤول الأكاديمي مهمة شبه مستحيلة، ليس لأن المسؤول يرفض اللقاء بالضرورة، ولكن لأن هناك طبقات من الإجراءات والحواجز الإدارية تجعل الطالب يستسلم قبل أن يصل. وبعض موظفي مكاتب القيادات -للأسف- تتقن فن تقليل فرص اللقاء أكثر مما تتقن تسهيله، وكأن حماية المسؤول من الطالب أهم من خدمة الطالب نفسها.!


والسؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع: لماذا لا تتحرك بعض المشكلات إلا عندما تتحول إلى «ترند»؟ ولماذا يحتاج الطالب أحيانًا إلى مقطع مصور أو قضية متداولة حتى يجد من يسمعه؟ أليس من المفترض أن تكون قنوات الاستماع المؤسسية أكثر فاعلية من ضجيج وسائل التواصل؟


الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن كل شيء في الجامعة وُجد لأجل الطالب. المباني لأجله، والأنظمة لأجله، وأعضاء هيئة التدريس لأجله، والقيادات لأجله. فإذا أصبح الطالب يشعر أنه آخر من يُستشار وأول من يتحمل النتائج، فهناك خلل يستحق المراجعة.


وللأسف، كثير من الطلاب لا يختارون الكلية التي يحلمون بها، ولا التخصص الذي يرغبونه، بل تقودهم الأرقام والنسب والفرص المتاحة. ثم قد يجد أحدهم نفسه بعد سنوات من الجهد أمام معدل تأثر بمادة واحدة، أو تجربة تعليمية ضعيفة، أو عضو هيئة تدريس لم يقدم ما اؤتمن عليه كما ينبغي. وحينها لا يخسر درجة فقط، بل قد يخسر مسارًا مهنيًا كاملًا كان يحلم به.


لذا متى يأتي اليوم الذي يكون فيه القبول الجامعي بحثًا عن الشغف والموهبة والاستعداد الحقيقي، لا مجرد سباق أرقام ونسب مئوية؟ متى ندرك أن بعض العقول خُلقت للهندسة وللتقنية ولو عثرت في مادة لا تمت إليها بصلة، وأن بعض المبدعين كان يمكن أن يصبحوا علماء أو أطباء أو مهندسين لولا أن رقمًا واحدًا أغلق في وجوههم باب العمر كله؟


ومتى يعود الأستاذ الجامعي إلى دوره الأجمل؟ دور المعلم الذي يتبنى طلابه، ويكتشف مواهبهم، ويفتح لهم الأبواب، ويمنحهم الثقة، ويأخذ بأيديهم نحو النجاح. فالعالم كله يتذكر الأستاذ الذي صنع أثرًا في حياة طلابه أكثر مما يتذكر الأستاذ الذي وزع الدرجات والعقوبات.


الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، بل مصنع للإنسان. وأعظم ما يمكن أن يقدمه الدكتور لطلابه ليس محاضرة يحفظونها، بل إيمانًا بقدراتهم حين يشكون في أنفسهم، وفرصة حين تضيق الفرص، ونصيحة حين تتعثر الخطوات.


إن الطالب لا يحتاج إلى من يراقب أخطاءه بقدر حاجته إلى من يرى إمكاناته. ولا يحتاج إلى من يذكّره بعثراته بقدر حاجته إلى من يفتح أمامه نافذة للأمل. فكم من طالب تغيرت حياته لأن أستاذًا آمن به، وكم من موهبة انطفأت لأن أحدًا لم يلتفت إليها.


إن إعادة الطالب إلى مكانه الطبيعي لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى ثقافة جديدة. ثقافة تؤمن أن الطالب شريك لا متلقٍ، وأن الاستماع إليه ليس مجاملة إنما ضرورة، وأن الحوار معه ليس تنازلًا بقدر ما هو علامة نضج مؤسسي.


نحتاج إلى جامعات تُعرّف الطالب بحقوقه كما تُعرّفه بواجباته، وتفتح له أبواب المسؤولين قبل أن يطرق أبواب وسائل التواصل، وتحمي حقه في السؤال والمناقشة، وتستثمر طاقته وأفكاره، وتستطلع رأيه في القضايا التي تمس حياته الأكاديمية.


عندها فقط سيذهب الطالب إلى الجامعة وهو يشعر أنه ينتمي إليها، لا أنه مجرد رقم في سجلاتها. وعندها فقط ستتحول سنوات الدراسة من رحلة قلق ومطاردة للدرجات إلى رحلة بناء للإنسان الذي نريد أن نصنع به المستقبل.


إذا كانت الجامعات ومجلس شؤون الجامعات يؤمن فعلًا بأن الطالب هو محور العملية التعليمية، فلماذا يغيب عن طاولات صناعة القرار؟ لماذا تُناقش الخطط الدراسية، وتُراجع البرامج الأكاديمية، وتُصاغ السياسات التي تمس حياته اليومية دون أن يكون له فيها صوت حقيقي؟


إن تمثيل الطلاب لا ينبغي أن يكون نشاطًا شكليًا أو صورةً تذكارية في مناسبة سنوية، بل حضورًا مؤسسيًا مؤثرًا داخل مجالس الجامعات والكليات والأقسام العلمية. فالطالب هو الأكثر التصاقًا بالواقع الأكاديمي، والأقدر على وصف التحديات التي يعيشها يوميًا، وهو المستفيد الأول من القرارات والمتضرر الأول من أخطائها.


نحتاج إلى مقاعد مخصصة للطلاب في المجالس المختلفة، وإلى ممثلين منتخبين ينقلون آراء زملائهم، وإلى اجتماعات دورية تُستمع فيها أصوات الطلاب قبل صدور القرارات لا بعدها. كما نحتاج إلى أن يضاعف مجلس شؤون الجامعة من الحضور الفعلي للطلاب، لا الحضور الرمزي الذي لا يغيّر شيئًا في الواقع. فالجامعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تتحدث عن الطالب فقط، بل لأنها تسمح له بالمشاركة في رسم مستقبلها. والطالب الذي يُشارك في القرار يصبح أكثر انتماءً للمؤسسة وأكثر حرصًا على نجاحها، بينما الطالب الذي يُقصى عن كل شيء يشعر أنه مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليه من أعلى.


إن الجامعة ليست ملكًا للإدارة، ولا لأعضاء هيئة التدريس، ولا للمجالس واللجان وحدها؛ إنها مجتمع أكاديمي متكامل، والطالب أكبر مكوناته وأهمها. ومن غير المنطقي أن يكون الصوت الأكثر تأثرًا بالقرار هو الأقل حضورًا عند صناعته.


ربما آن الأوان أن ننتقل من شعار «الطالب أولًا» إلى مرحلة أكثر صدقًا تقول: «لا قرار يخص الطالب دون أن يكون للطالب مقعد على الطاولة». ولنتذكر أن الجامعات العظيمة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بحجم ميزانياتها، ولكن بعدد الطلاب الذين وجدوا فيها من يؤمن بهم قبل أن يؤمنوا بأنفسهم.

00:26 | 24-06-2026

عامٌ كامل من الهدم والبناء.. فماذا بقي في الفصل الدراسي؟

ينتهي هذا العام الدراسي، وقد شهد التعليم السعودي ما يمكن وصفه بأكبر عملية إعادة تشكيل إدارية وتنظيمية منذ سنوات طويلة. كما أُعيد رسم الخريطة الإدارية بالكامل لتتلاءم مع رؤية جديدة تسعى إلى رفع الكفاءة وتقليل التكرار الإداري وتسريع اتخاذ القرار، حيث أُغلقت مكاتب التعليم التي كانت تمثل عين الوزارة في الميدان، وتقلصت أدوار الإشراف التربوي التقليدية، وأُعيدت هيكلة إدارات التعليم، واختفت مسميات وظهرت أخرى، وتبدلت الصلاحيات والمرجعيات، وانتقل آلاف الموظفين بين مواقع مختلفة، وغادر آخرون المشهد تمامًا.!


لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كم إدارة أُغلقت؟ وكم قسمًا أُلغي؟


السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث للتعليم نفسه؟


فالميدان التربوي لا يعيش على الهياكل التنظيمية، بل يعيش على المعلم والطالب والمدرسة. وهذه هي الزاوية التي تستحق أن ننظر منها إلى عام كامل من التغيير.


بصراحة شديدة، لا تزال الصورة ضبابية. فحتى اللحظة لا توجد مؤشرات معلنة أقنعت المجتمع التعليمي بأن كل هذه التحولات الكبيرة انعكست بصورة واضحة على مستوى التحصيل الدراسي، أو إدارة الصف، أو الانضباط المدرسي، أو معالجة الفاقد التعليمي، حيث إن كثيرًا من العاملين في الميدان لا يزالون يبحثون عن الإجابة ذاتها: ما الذي تحسن فعلاً؟ ومن أكثر الملفات التي تستحق الوقوف عندها ملف الكفاءات التعليمية والإدارية التي غادرت المشهد.!


فخلف كل قرار إعادة هيكلة توجد أسماء وخبرات وتراكم معرفي امتد لعشرات السنين. كثير من القيادات والمشرفين والخبراء الذين صنعوا تجارب ناجحة في الميدان وجدوا أنفسهم فجأة خارج المعادلة الجديدة، أو في مواقع لا تستفيد من خبراتهم الحقيقية، أو أمام صلاحيات محدودة لا تتناسب مع تاريخهم المهني. وكانت النتيجة الطبيعية أن فضّل عدد منهم التقاعد المبكر أو المغادرة.


وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل استطعنا المحافظة على الخبرة المؤسسية التي تراكمت عبر عقود؟ أم أننا تعاملنا مع الخبرات كما نتعامل مع الأثاث الإداري القابل للاستبدال؟ وما نعرفه أن المؤسسات الناجحة لا تبني مستقبلها بإقصاء ذاكرتها.!


ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل حالة الارتباك التي صاحبت بعض القرارات التعليمية خلال الفترة الماضية، فهناك إدارات أعادت الصف الثالث الابتدائي للبنين، وأخرى تدرس أو تناقش نقل الصف الرابع للبنات. وتظهر بين الحين والآخر اجتهادات وتفسيرات مختلفة تجعل الميدان في حالة انتظار دائم لما سيأتي غدًا.


والمشكلة ليست في القرار نفسه، بل في غياب الوضوح والاستقرار، فالمدرسة لا تستطيع أن تخطط طويلًا وهي لا تعرف ما الذي ينتظرها بعد أشهر قليلة.


ولعل أكثر ما يثير القلق اليوم هو ما يتردد عن احتمالية ظهور سلم تعليمي جديد أو تعديلات جوهرية في المراحل الدراسية. قد يكون ذلك صحيحًا أو غير صحيح، لكن مجرد تداوله يكشف حجم القلق الذي يعيشه الميدان.


فالذاكرة التعليمية لا تزال تحتفظ بتجربة الفصول الدراسية الثلاثة التي دخلت إلى المدارس بسرعة كبيرة، ثم أمضينا سنوات في النقاش حولها، ثم بدأنا نتراجع عنها تدريجيًا. وبين البداية والنهاية كانت المدارس والمعلمون وأولياء الأمور والطلاب يتكيفون كل عام مع واقع جديد لم تكتمل صورته بعد.


ولهذا فإن أكبر مطلب للميدان اليوم ليس رفض التغيير، فالمعلمون والإداريون ليسوا ضد التطوير، لأنهم كانوا دائمًا جزءًا منه، لكنهم يريدون شيئًا بسيطًا: أن يكون التغيير مدروسًا، وأن يُشرح قبل تطبيقه، وأن تُعلن أهدافه ومؤشراته بوضوح، وأن يُمنح الوقت الكافي للحكم عليه.


أما ملف "حضوري"، فقد كشف هو الآخر فجوةً بين الإدارة والميدان، فلا أحد يعترض على الانضباط الوظيفي، لكن كثيرين تساءلوا: هل أصبحت البصمة الرقمية أهم من البصمة التعليمية؟ وهل سنقيس نجاح المدرسة بعدد مرات تسجيل الدخول والخروج، أم بجودة ما يحدث داخل الفصل؟، فالطالب لا يتذكر ساعة حضور معلمه، بل يتذكر أثر ذلك المعلم في حياته.


والحقيقة التي يجب أن تُقال اليوم إن التعليم لا يحتاج إلى مزيد من الأنظمة بقدر حاجته إلى مزيد من الثقة بالميدان، ومزيد من الاستقرار، ومزيد من الإنصات لمن يعملون يوميًا بين الجدران الأربعة للفصل الدراسي.


لقد كان هذا العام عامًا للتغيير بلا شك. لكن التغيير وحده ليس إنجازًا، فالإنجاز الحقيقي هو أن نستطيع بعد كل هذا الحراك أن نقول للناس بلغة الأرقام لا الشعارات: هذا ما تحسن، وهذا ما تحقق، وهذا ما كسبه الطالب، أما إذا انتهى العام وبقي السؤال كما هو: ماذا تغير فعلًا؟ فإن المراجعة تصبح ضرورة، لا ترفًا؛ لأن التعليم ليس حقل تجارب، وليس منصة لإطلاق الأفكار ثم اختبارها على أجيال كاملة.


التعليم مشروع وطن، وأعمار أبناء، ومستقبل مجتمع، ولهذا فإن أي قرار فيه يجب أن يُقاس بالأثر وليس بالنشاط.!


ونحن في الميدان وبعد عام من التغييرات الكبرى، لا نحتاج إلى معرفة عدد الإدارات التي أُغلقت، ولا عدد الأقسام التي دُمجت، ولا عدد المسميات التي استحدثت. ما نحتاجه حقًا هو الإجابة عن أسئلة أكثر بساطة وأكثر أهمية: هل أصبح الطالب يتعلم بصورة أفضل؟.. هل ارتفعت نتائج القراءة والرياضيات والعلوم؟.. هل انخفضت نسب التعثر والتسرب والغياب؟.. هل أصبحت المدرسة أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟.. هل شعر المعلم أن وقته أصبح للتعليم لا للإجراءات؟.. هل أصبح مدير المدرسة أكثر صلاحية وأقل انشغالًا بالمعاملات؟.. هل لمس ولي الأمر تحسنًا حقيقيًا يلمسه في ابنه أو ابنته؟.. وهل استطعنا المحافظة على الخبرات الوطنية المتراكمة أم خسرنا جزءًا منها في طريق التغيير؟ هذه هي المؤشرات التي تستحق أن تُعرض على المجتمع بشفافية كاملة.


أما الهياكل التنظيمية والقرارات الإدارية، فهي وسائل وليست غايات. فالتعليم لا يُقاس بعدد التعميمات، ولا بحجم الهيكلة، ولا بعدد مرات تسجيل الحضور والانصراف، يُقاس بالإنسان الذي يخرج من المدرسة أكثر علمًا وثقة وقدرة على الحياة.


وعندما نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام لا بالانطباعات، سنعرف حينها إن كان هذا العام قد كتب فصلًا جديدًا في نجاح التعليم، أم مجرد فصل جديد في سلسلة طويلة من التغييرات التي اعتدنا أن نعيشها قبل أن نعرف نتائجها.!


مع نهاية العام الدراسي، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: هل نجحت الهيكلة أم فشلت؟ بل: كيف سنقيس نجاحها؟ هل سنكتفي بالحديث عن التنظيمات الجديدة والمسميات المستحدثة؟ أم سننظر إلى الطالب الذي يجلس في آخر الفصل، ونرى إن كان قد تعلم أفضل مما كان يتعلم بالأمس؟ هناك فقط تكمن الإجابة.


فالتعليم في النهاية لا ينتصر بإلغاء إدارة أو إنشاء إدارة أخرى، ولا بزيادة الصلاحيات أو تقليصها، ولا بإغلاق مكتب أو افتتاح قسم جديد. التعليم ينتصر عندما يدخل الطالب إلى المدرسة أكثر شغفًا، ويخرج منها أكثر معرفة، ويشعر المعلم أن وقته يُصرف في التعليم لا في متابعة الإجراءات. وعندها فقط نستطيع أن نقول بثقة: نعم، كان هذا عام التغيير الكبير...

00:00 | 11-06-2026

هل يناسبنا تقويم العام الدراسي فعلاً؟

في كل عام دراسي يتكرر المشهد ذاته: بداية حماسية، ثم سلسلة من الإجازات والانقطاعات، ثم عودة متعثرة، ثم اختبارات تأتي بعد موسم عيد أو بعد فترة انقطاع طويلة، ثم أيام دراسية أخيرة يكاد الجميع يتعامل معها بوصفها أياماً شكلية أكثر من كونها أيام تعلم حقيقية.


ومع كل ذلك يبقى السؤال حاضراً: هل شكل العام الدراسي الحالي هو الأنسب فعلاً لواقعنا الاجتماعي والتعليمي؟ أم أننا أصبحنا أسرى لأرقام ومعايير عالمية لا تنسجم بالضرورة مع خصوصية المجتمع السعودي وطبيعة مواسمه؟


التعليم ليس عدّاداً للأيام. والتعليم الجيد لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الطالب داخل الفصل، بل بمقدار ما يتعلمه ويكتسبه من معرفة ومهارات وقيم. ولهذا فإن التركيز المستمر على استكمال حوالي 180 يوماً دراسياً قد يدفعنا أحياناً إلى الاهتمام بالكم أكثر من الكيف، وبإكمال التقويم أكثر من تحقيق التعلم.


من يتأمل تضاريس العام الدراسي لدينا سيجد أنه عام مليء بالتوقفات والانقطاعات. إجازات رسمية، وإجازات فصلية، ومواسم وطنية، وإجازات مطولة، ثم شهر رمضان، ثم موسم الحج وعيد الأضحى. وكل محطة من هذه المحطات تؤثر بطبيعتها في الإيقاع النفسي والاجتماعي للطالب والمعلم والأسرة.


نحن لسنا دولة تعيش عاماً دراسياً مستقيماً من سبتمبر إلى يونيو دون مؤثرات كبرى. لدينا رمضان بكل ما يحمله من خصوصية روحية واجتماعية، ولدينا الحج الذي يعد أكبر مناسبة دينية يشهدها العالم الإسلامي. وهاتان المحطتان ليستا مجرد إجازتين يمكن وضعهما في التقويم ثم تجاوز أثرهما؛ بل هما جزء من نمط الحياة ذاته.


ولهذا يبدو التساؤل مشروعاً: هل أخذ تصميم العام الدراسي الحالي هذه الخصوصية بعين الاعتبار بما يكفي؟


التجربة اليومية في المدارس تقول إن كثيراً من الفاقد التعليمي لا ينتج من قصر عدد الأيام، بل من تقطعها. فالطالب يحتاج إلى إيقاع تعليمي مستقر ومتصل حتى تتكون لديه العادات الدراسية والانضباط الذهني. أما حين يتحول العام إلى سلسلة من البدايات المتكررة بعد كل إجازة، فإن جزءاً من الجهد يضيع في إعادة التهيئة وإعادة استرجاع ما تم تعلمه سابقاً.


ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو ما يحدث قبل الإجازات وبعدها. فمعدلات الغياب ترتفع بصورة ملحوظة، وتضعف الدافعية، ويبدأ كثير من الطلاب وأسرهم في التعامل مع بعض الأيام الدراسية باعتبارها أياماً يمكن الاستغناء عنها دون أثر كبير. حتى أصبح يوم الخميس في بعض الفترات، وما يسبقه أو يعقبه من أيام، جزءاً من معادلة الغياب المتوقعة لدى الجميع.


وهنا يبرز سؤال تربوي مهم: هل المشكلة في الطلاب وأسرهم فقط؟ أم أن تصميم التقويم نفسه أصبح ينتج هذا السلوك بصورة غير مباشرة؟


كما أن الالتزام الصارم بالتقويم الميلادي في بناء العام الدراسي يثير تساؤلات أخرى. فالتقويم الميلادي أداة تنظيمية مهمة بلا شك، لكنه ليس نصاً مقدساً في التخطيط التعليمي. وما يصلح في بيئات أخرى قد لا يكون الأنسب في بيئة ترتبط حياتها الاجتماعية والدينية بدورات زمنية مختلفة ومواسم ذات تأثير عميق في المجتمع كله.


إن بناء عام دراسي أكثر انسجاماً مع واقعنا لا يعني تقليل التعليم أو التهاون في الجودة، بل ربما يكون العكس تماماً. فقد يكون من الأفضل إعادة النظر في توزيع الأيام، وتكثيف فاعليتها، وتقليل الانقطاعات المرهقة، بدلاً من مطاردة رقم محدد من الأيام لا ينعكس بالضرورة على جودة المخرجات.


ومن هنا يحق للميدان التعليمي أن يسأل: هل توجد دراسات منشورة أو نتائج قياس معلنة تثبت أن الشكل الحالي للعام الدراسي هو الأكثر فاعلية للطلاب والمعلمين والأسر؟ وهل تمت مقارنة أثره بأشكال تنظيمية أخرى أكثر انسجاماً مع خصوصية المجتمع السعودي؟


هذه الأسئلة لا تستهدف النقد من أجل النقد، ولا التقليل من جهود وزارة التعليم أو هيئة تقويم التعليم والتدريب، بل هي أسئلة يفرضها الواقع، ويطرحها أولياء الأمور والمعلمون ومديرو المدارس بصورة متزايدة.


فالتعليم قضية وطنية كبرى، وأي نظام تعليمي ناجح هو النظام القادر على التوازن بين المعايير العالمية والخصوصية المحلية، وبين الانضباط الإداري والواقع الاجتماعي، وبين عدد الأيام وجودة التعلم.


ولعل الجرأة التي يحتاجها الحوار التربوي اليوم لا تقتصر على مراجعة عدد الأيام الدراسية أو توزيع الإجازات، بل تمتد إلى إعادة التفكير في فلسفة التقويم الدراسي نفسها.


فمن قال إن العام الدراسي يجب أن يبدأ في أغسطس أو سبتمبر وينتهي في يونيو؟ وهل هناك نص تربوي أو علمي يلزمنا بهذا التوقيت تحديداً؟


الواقع أن كثيراً من دول العالم تبني تقاويمها الدراسية وفق ظروفها المناخية والاجتماعية والثقافية، لا وفق نموذج عالمي واحد. فدول شرق آسيا، على سبيل المثال، لا تبدأ أعوامها الدراسية جميعها في سبتمبر، كما أن دولاً أخرى تنطلق من يناير أو أبريل أو غيرها من الأشهر بحسب ما يناسب واقعها الوطني.


ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق الدراسة الجادة: ماذا لو أصبح العام الدراسي في المملكة مرتبطاً بالدورة الزمنية التي يعيشها المجتمع فعلاً، فيبدأ مع مطلع شهر محرم وينتهي بنهاية شعبان؟


عندها ستتحوّل أشهر رمضان وشوال وذي القعدة وذي الحجة إلى مساحة مختلفة للتعلم غير التقليدي؛ مساحة للبرامج الإثرائية، والمراكز الصيفية، والرحلات التعليمية، والتطوع، والأنشطة الثقافية والرياضية، واكتشاف المواهب، وتنمية المهارات الحياتية التي كثيراً ما تضيق عنها الجداول الدراسية المعتادة.


وقد يكون المكسب الأكبر في مثل هذا التصور هو بناء عام دراسي أكثر استقراراً وانسيابية، بعيداً عن الانقطاعات المتكررة التي تستهلك جزءاً من الطاقة التعليمية في إعادة التهيئة والاستعداد بعد كل إجازة أو موسم.


لسنا هنا بصدد الدعوة إلى نموذج بعينه، ولكننا ندعو إلى فتح باب النقاش حول المسلمات التي اعتدناها طويلاً. فربما كان السؤال الصحيح ليس: كيف نُكمل عدد الأيام المطلوبة؟ بل: كيف نبني عاماً دراسياً ينسجم مع مجتمعنا، ويحقق أفضل تعلم ممكن لأبنائنا الطلاب.


وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي يستحق أن نتحاور حوله بهدوء وشفافية: هل نريد عاماً دراسياً أطول على الورق؟ أم نريد عاماً دراسياً أكثر انسيابية وفاعلية وأثراً في حياة أبنائنا؟


فاليوم التعليمي الحقيقي ليس ذلك اليوم الذي يُضاف إلى الإحصاءات، بل ذلك اليوم الذي يضيف شيئاً لعقل الطالب وشخصيته ومستقبله.

00:16 | 1-06-2026

حين يغيب صوت المؤسسات الرسمية.. يحكم المؤثرون!

في زمن أصبحت المعلومة تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لم يعد مقبولاً أن تتعامل بعض الجهات الرسمية مع التواصل بوصفه ترفاً إعلامياً أو نشاطاً هامشياً يمكن تركه لحسابات مجهولة أو مؤثرين أو تسريبات غير رسمية.


فحين يتعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التوظيف أو تحديث البيانات أو القرارات التنظيمية التي تمس ملايين الأفراد، فإن الصمت الرسمي لا يصنع الهيبة، ولكن يفتح الباب للفوضى والقلق والتأويلات.


المثير للتأمل أن بعض الجهات تمتلك متحدثين رسميين، وإدارات اتصال مؤسسي، ومنصات إعلامية متكاملة، لكنها لا تتحرك إلا بعد تصاعد الغضب المجتمعي أو انتشار وسم غاضب أو تداول خبر أربك الناس. حينها فقط يظهر النفي السريع، وتبدأ لغة «لا صحة لما يتم تداوله»، وكأن تلك الحسابات التي سبقت الجميع بالمعلومة قد اخترعت الأخبار من فراغ، لا من فراغ الاتصال الرسمي ذاته.


المشكلة ليست في وجود حسابات تنقل الأخبار، فالمجتمع بطبيعته يبحث عن المعلومة أينما وجدها، لكن الأزمة الحقيقية أن بعض الجهات تركت المجال فارغاً حتى أصبحت الحسابات غير الرسمية أكثر حضوراً وتأثيراً وثقة لدى الناس من القنوات الرسمية نفسها. وهذا مؤشر خطير على فجوة الاتصال، لا على قوة تلك الحسابات.


والأغرب أن بعض الجهات، بدل أن تعزز خطابها المؤسسي المباشر، تلجأ إلى المؤثرين لتسويق قراراتها أو تحسين صورتها أو تمرير رسائلها المجتمعية، وكأنها علامة تجارية تبحث عن انتشار، لا مؤسسة عامة يفترض أن تبني ثقتها عبر الوضوح والشفافية والمصارحة.


لا أحد يعترض على الاستفادة من الإعلام الجديد أو الشخصيات المؤثرة، لكن حين يصبح المؤثر أسبق من المتحدث الرسمي، وأكثر اطلاعاً من المواطن نفسه، فهنا يجب أن نتساءل: من يدير المشهد الاتصالي فعلاً؟


المجتمع اليوم أكثر وعياً، ولم يعد يبحث فقط عن «الخبر»، أصبح يبحث عن الجهة التي تحترم عقله وتصارحه وتشرح له وتتحمل مسؤولية قراراتها. فالتواصل المؤسسي الحقيقي ليس حملة دعائية، هو جزء من المسؤولية العامة. والجهة التي تخاف من المواجهة أو تتأخر عن توضيح الحقائق، تترك الناس فرائس للشائعات والتوتر وفقدان الثقة.


ولعل الأهم أن بعض الجهات لا تدرك أن الشفافية لم تعد خياراً تجميلياً، إنما هي ضرورة إدارية ووطنية. فكلما كان الخطاب الرسمي حاضراً وواضحاً وسريعاً، تقلصت مساحة الشائعة، وتراجع نفوذ الحسابات المجهولة، وشعر المواطن أن هناك من يخاطبه بوضوح لا عبر التسريبات أو «جس النبض» أو حملات المؤثرين.


وربما أحد أسباب هذا الارتباك الاتصالي أننا فقدنا كثيراً من أثر الصحافة الورقية المهنية، تلك الصحافة التي كانت تبحث عن الخبر، ثم تذهب إلى المسؤول مباشرة، وتسأله بوضوح، وتفتح الملفات الشائكة، وتطالب بالمعلومة والتبرير والتفسير دون خوف أو مواربة.


كانت الصحيفة آنذاك، ليست مجرد ناقل خبر، كانت سلطة رقابية ناعمة تخلق توازناً بين المؤسسة والمجتمع، وتجبر الجهات على الحديث لا الاختباء خلف البيانات المقتضبة أو الصمت الطويل.


أما اليوم، فقد ملأت الحسابات السريعة والمؤثرون جزءاً من هذا الفراغ، لكن الفرق كبير بين صحافة تملك أدوات السؤال والمعرفة والمسؤولية، وبين محتوى يبحث غالباً عن التفاعل والسبق والانتشار.


المؤسسات الكبرى لا تُقاس فقط بما تنجزه، تقاس بقدرتها على الحديث بثقة ووضوح مع المجتمع. لأن الصمت الطويل، ثم الظهور المتأخر تحت ضغط الغضب، لا يصنع هيبة.. بقدر ما يكشف ارتباكاً كان يمكن تجنبه منذ البداية.


وهنا يبرز سؤال مهم حول دور هيئة تنظيم الإعلام ومركز التواصل الحكومي في إعادة ضبط العلاقة بين الجهات الرسمية والمجتمع إعلامياً.


فالمشهد اليوم لا يحتاج فقط إلى حملات ترويجية أو حضور رقمي كثيف، يحتاج إلى بناء ثقافة تواصل مؤسسي واضحة، تجعل المعلومة الرسمية حاضرة قبل الشائعة، والمتحدث الرسمي أقرب من الحسابات المجهولة، والشفافية ممارسة يومية لا رد فعل مؤقتاً عند الأزمات.


كما أن من أدوار التنظيم الإعلامي حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، وفي المقابل دفع الجهات إلى احترام حق الناس في المعرفة والتفسير والتوضيح، لأن غياب المعلومة الدقيقة لا يخلق فراغاً.. ولكنه يخلق روايات متعددة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.


وفي النهاية، لا يمكن لأي مؤسسة أن تبني ثقة المجتمع وهي تخجل من قراراتها، أو تبحث دائماً عمّن ينوب عنها في شرحها وتبريرها وتمريرها.


فالمؤسسات الواثقة تتحدث بنفسها، وتواجه النقد بشفافية، وتحترم الناس بالمعلومة الواضحة لا بالتسريبات ولا بحملات المؤثرين.


ومتى تدرك بعض الجهات أن الصراحة المؤسسية ليست مخاطرة.. هي جزء أصيل من احترام المجتمع ووعيه!

00:26 | 25-05-2026

في يومها العالمي.. حرية الصحافة أم فوضى اليوزرات؟

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يبدو الحديث عن الحرية ترفًا فكريًا بقدر ما هو ضرورة لإعادة تعريفها في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم وتبدّلت فيه موازين التأثير. فالحرية، في معناها الأصيل، ليست انفلاتًا من كل قيد، هي التزامٌ واعٍ بالحقيقة، وانحيازٌ مهنيّ لما يثبّت الوعي العام ويحميه من التشوّش.


هي ليست حقّ القول فحسب، إنما مسؤولية القول؛ وليست القدرة على النشر، بل القدرة على التحقّق، والجرأة على التصحيح، والالتزام بما يتجاوز اللحظة إلى ما يخدم المجتمع.


من هنا، تبدو الصحافة —في جوهرها— أحد أكثر المهن تعقيدًا في ممارسة الحرية، لأنها تتحرك دائمًا بين خطوط دقيقة: بين حق الجمهور في المعرفة، وواجب حماية الاستقرار بكل أنواعه، بين كشف الحقيقة، وتجنّب التسرّع أو التهويل. هذه المعادلة لم تكن يومًا سهلة، لكنها اليوم أصبحت أكثر هشاشة في ظل مشهد إعلامي عالمي تتقدّمه السرعة على حساب الدقة، والتفاعل على حساب المهنية.


لقد عانت الصحف، محليًا ودوليًا، من تحوّلات عميقة تجاوزت مسألة «الخطوط الحمراء» التقليدية إلى ما يمكن تسميته بـ«الخطوط الرقمية الطيّارة». لم تعد القيود تأتي فقط من أنظمة أو سياسات تحرير، ولكن من موجات رأي عام تتشكّل في لحظات عبر منصات التواصل، تفرض بدورها سقوفًا جديدة، وتعيد توجيه البوصلة الإعلامية نحو ما يطلبه الجمهور، لا ما يحتاجه. وهنا تحديدًا تبدأ معاناة الصحافة الحديثة: كيف تحافظ على استقلالها المهني في بيئة تُكافئ الإثارة أكثر مما تُكافئ التحقّق؟


في المشهد المحلي، نلحظ أن الصحف تسعى إلى مواكبة التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وتعمل ضمن إطار مسؤول يحفظ التوازن بين الانفتاح الإعلامي ومتطلبات الاستقرار. إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في «ما يُسمح بنشره»، التحدي في «ما يسبق النشر» خارج الأطر المهنية. فالحسابات الفردية —بقدرتها على التأثير السريع— باتت تفرض واقعًا إعلاميًا موازيًا، يتجاوز أحيانًا المؤسسات، ويضعها في موقف المتلقي بدل أن تكون صانعة للسرد.


أما دوليًا، فقد دخلت الصحافة في اختبار أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع حرية التعبير مع الاستقطاب السياسي، وتتحوّل المنصات إلى ساحات صراع معلوماتي، تختلط فيها الحقائق بالشائعات، وتُستثمر فيها الحرية أحيانًا كأداة للتأثير لا كقيمة إنسانية. وفي هذا السياق، لم تعد الصحف تواجه فقط ضغوط السلطة أو السوق، بل تواجه منافسة مفتوحة مع ملايين «الناشرين الأفراد» الذين لا تحكمهم ذات المعايير المهنية.


إن المفارقة الكبرى اليوم أن سقف التعبير لم ينخفض بقدر ما تغيّر موقعه. لم تعد الصحافة وحدها من تمارس حرية النشر، بل أصبح الأفراد —عبر حساباتهم— يمارسون تأثيرًا واسعًا دون ذات القدر من المساءلة. وهذا التحوّل أوجد حالة من «تضخم الصوت» مقابل «تراجع المعنى»، حيث يعلو الصخب على حساب العمق، ويُكافأ الانتشار أكثر من الدقة.


لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في هذا اليوم لا يقتصر على قياس مساحة الحرية، بل يتجاوزها إلى مساءلة جودتها: هل ما نملكه اليوم هو حرية تُنتج وعيًا، أم حرية تُغرقه في فوضى الانطباعات؟ وهل استطاعت الصحافة أن تحافظ على دورها كمرجعية موثوقة، أم أنها باتت تنافس على ذات أرضية التفاعل اللحظي؟


إن استعادة المعنى الحقيقي لحرية الصحافة لا تكون بمزيد من الأصوات، تكون بمزيد من المسؤولية. ولا تكون بإلغاء الحسابات، إنما بإعادة الاعتبار للمعايير التي تجعل من الكلمة قيمة، لا مجرد محتوى. ففي زمنٍ تتكاثر فيه المنصات، تظل الحاجة قائمة إلى صحافة تعرف أن الحرية ليست ما يُقال فقط، ولكن كيف يُقال، ولماذا، ولمن؟!

00:36 | 5-05-2026