في زمن أصبحت المعلومة تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لم يعد مقبولاً أن تتعامل بعض الجهات الرسمية مع التواصل بوصفه ترفاً إعلامياً أو نشاطاً هامشياً يمكن تركه لحسابات مجهولة أو مؤثرين أو تسريبات غير رسمية.


فحين يتعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التوظيف أو تحديث البيانات أو القرارات التنظيمية التي تمس ملايين الأفراد، فإن الصمت الرسمي لا يصنع الهيبة، ولكن يفتح الباب للفوضى والقلق والتأويلات.


المثير للتأمل أن بعض الجهات تمتلك متحدثين رسميين، وإدارات اتصال مؤسسي، ومنصات إعلامية متكاملة، لكنها لا تتحرك إلا بعد تصاعد الغضب المجتمعي أو انتشار وسم غاضب أو تداول خبر أربك الناس. حينها فقط يظهر النفي السريع، وتبدأ لغة «لا صحة لما يتم تداوله»، وكأن تلك الحسابات التي سبقت الجميع بالمعلومة قد اخترعت الأخبار من فراغ، لا من فراغ الاتصال الرسمي ذاته.


المشكلة ليست في وجود حسابات تنقل الأخبار، فالمجتمع بطبيعته يبحث عن المعلومة أينما وجدها، لكن الأزمة الحقيقية أن بعض الجهات تركت المجال فارغاً حتى أصبحت الحسابات غير الرسمية أكثر حضوراً وتأثيراً وثقة لدى الناس من القنوات الرسمية نفسها. وهذا مؤشر خطير على فجوة الاتصال، لا على قوة تلك الحسابات.


والأغرب أن بعض الجهات، بدل أن تعزز خطابها المؤسسي المباشر، تلجأ إلى المؤثرين لتسويق قراراتها أو تحسين صورتها أو تمرير رسائلها المجتمعية، وكأنها علامة تجارية تبحث عن انتشار، لا مؤسسة عامة يفترض أن تبني ثقتها عبر الوضوح والشفافية والمصارحة.


لا أحد يعترض على الاستفادة من الإعلام الجديد أو الشخصيات المؤثرة، لكن حين يصبح المؤثر أسبق من المتحدث الرسمي، وأكثر اطلاعاً من المواطن نفسه، فهنا يجب أن نتساءل: من يدير المشهد الاتصالي فعلاً؟


المجتمع اليوم أكثر وعياً، ولم يعد يبحث فقط عن «الخبر»، أصبح يبحث عن الجهة التي تحترم عقله وتصارحه وتشرح له وتتحمل مسؤولية قراراتها. فالتواصل المؤسسي الحقيقي ليس حملة دعائية، هو جزء من المسؤولية العامة. والجهة التي تخاف من المواجهة أو تتأخر عن توضيح الحقائق، تترك الناس فرائس للشائعات والتوتر وفقدان الثقة.


ولعل الأهم أن بعض الجهات لا تدرك أن الشفافية لم تعد خياراً تجميلياً، إنما هي ضرورة إدارية ووطنية. فكلما كان الخطاب الرسمي حاضراً وواضحاً وسريعاً، تقلصت مساحة الشائعة، وتراجع نفوذ الحسابات المجهولة، وشعر المواطن أن هناك من يخاطبه بوضوح لا عبر التسريبات أو «جس النبض» أو حملات المؤثرين.


وربما أحد أسباب هذا الارتباك الاتصالي أننا فقدنا كثيراً من أثر الصحافة الورقية المهنية، تلك الصحافة التي كانت تبحث عن الخبر، ثم تذهب إلى المسؤول مباشرة، وتسأله بوضوح، وتفتح الملفات الشائكة، وتطالب بالمعلومة والتبرير والتفسير دون خوف أو مواربة.


كانت الصحيفة آنذاك، ليست مجرد ناقل خبر، كانت سلطة رقابية ناعمة تخلق توازناً بين المؤسسة والمجتمع، وتجبر الجهات على الحديث لا الاختباء خلف البيانات المقتضبة أو الصمت الطويل.


أما اليوم، فقد ملأت الحسابات السريعة والمؤثرون جزءاً من هذا الفراغ، لكن الفرق كبير بين صحافة تملك أدوات السؤال والمعرفة والمسؤولية، وبين محتوى يبحث غالباً عن التفاعل والسبق والانتشار.


المؤسسات الكبرى لا تُقاس فقط بما تنجزه، تقاس بقدرتها على الحديث بثقة ووضوح مع المجتمع. لأن الصمت الطويل، ثم الظهور المتأخر تحت ضغط الغضب، لا يصنع هيبة.. بقدر ما يكشف ارتباكاً كان يمكن تجنبه منذ البداية.


وهنا يبرز سؤال مهم حول دور هيئة تنظيم الإعلام ومركز التواصل الحكومي في إعادة ضبط العلاقة بين الجهات الرسمية والمجتمع إعلامياً.


فالمشهد اليوم لا يحتاج فقط إلى حملات ترويجية أو حضور رقمي كثيف، يحتاج إلى بناء ثقافة تواصل مؤسسي واضحة، تجعل المعلومة الرسمية حاضرة قبل الشائعة، والمتحدث الرسمي أقرب من الحسابات المجهولة، والشفافية ممارسة يومية لا رد فعل مؤقتاً عند الأزمات.


كما أن من أدوار التنظيم الإعلامي حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، وفي المقابل دفع الجهات إلى احترام حق الناس في المعرفة والتفسير والتوضيح، لأن غياب المعلومة الدقيقة لا يخلق فراغاً.. ولكنه يخلق روايات متعددة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.


وفي النهاية، لا يمكن لأي مؤسسة أن تبني ثقة المجتمع وهي تخجل من قراراتها، أو تبحث دائماً عمّن ينوب عنها في شرحها وتبريرها وتمريرها.


فالمؤسسات الواثقة تتحدث بنفسها، وتواجه النقد بشفافية، وتحترم الناس بالمعلومة الواضحة لا بالتسريبات ولا بحملات المؤثرين.


ومتى تدرك بعض الجهات أن الصراحة المؤسسية ليست مخاطرة.. هي جزء أصيل من احترام المجتمع ووعيه!