منذ أن دخل إلى منظومتنا التعليمية كقيادات أو أعضاء لجان ومديري مشاريع، جيل من خريجي الجامعات الأجنبية، حمل معه علمًا مهمًا، وأدوات بحث متقدمة، وقدرة على قراءة التجارب العالمية. وهذه إضافة لا يمكن إنكارها.
لكن المشكلة بدأت حين تحول بعض هذا العلم من نافذة نطل منها على العالم إلى مرآة لا نرى فيها إلا العالم وننسى أنفسنا !
امتلأت لغتنا التعليمية بالمصطلحات: الحوكمة، والتمكين، والاستدامة، والتحول، والنماذج التشغيلية، ومؤشرات الأداء، ومجتمعات الممارسة. وكلها قد تكون مهمة، لكن السؤال الأبسط ظل مؤجلًا: ماذا تغير داخل الفصل؟ هل أصبح الطالب أفضل قراءة وكتابة وتفكيرًا؟ هل أصبح المعلم أكثر قدرة على التعليم؟ وهل أصبحت المدرسة أفضل فعلًا؟
مشكلتنا لم تكن يومًا في نقص الأفكار، وربما كانت في فائض الأفكار ونقص الإنصات للميدان. والأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا مما نقدمه اليوم بوصفه مشروعًا جديدًا أو تحولًا نوعيًا، نجد له أصلًا في خطط ووثائق تعليمية قبل ثلاثين أو أربعين عامًا !
الفكرة موجودة، والتشخيص موجود، وأحيانًا الحل موجود؛ لكنه لم ينفذ، أو بدأ ثم توقف، أو تغيرت القيادات والأولويات فضاع في الطريق. ثم نعود إليه بعد سنوات بثوب جديد، ومصطلح أجنبي جديد، وعرض أكثر أناقة، ونقدمه وكأنه وُلد اليوم.
جزء كبير مما نسميه تطويرًا يدور حول ثلاث عمليات: تجميع ما سبق، واستنساخ ما نجح لدى غيرنا، وتطوير ما هو قائم. وكل ذلك مفيد، لكنه ليس ابتكارًا بالضرورة. الابتكار أن نصنع حلًا نابعًا من مشكلتنا، مناسبًا لبيئتنا، وقادرًا على فرض واقع تعليمي جديد.
نحن أحيانًا نتعامل مع التعليم وكأننا نسير في طريق دولي مستقيم، بينما واقعنا طريق فيه منخفضات جوية ومطبات صناعية وتحويلات؛ مدارس في مدن وقرى، ومعلمون متفاوتون في الخبرة، وأسر مختلفة في ظروفها، وطلاب لا يمكن اختصارهم في متوسط إحصائي داخل تقرير.
ولهذا أقولها بشيء من المبالغة المقصودة: قد يكون خريج معهد أو كلية معلمين أمضى ثلاثين عامًا في المدرسة أكثر قدرة على تشخيص بعض مشكلات تعليمنا من أستاذ تخرج في هارفارد، وحضر ألف مؤتمر، وشارك بمئة ورقة علمية. ليس لأن الأول أعلم من الثاني، وإنما لأنه يعرف المريض الذي نتحدث عنه.
يعرف لماذا لا يقرأ بعض الطلاب جيدًا رغم نجاحهم عامًا بعد عام، وكيف يمكن لمعلم واحد أن يغير مدرسة، وكيف يمكن لمدير ضعيف أن يطفئ حماس عشرات المعلمين. ويعرف أن القرار الذي يبدو رائعًا في قاعة الاجتماعات قد يتحول إلى عبء عندما يصل صباحًا إلى المدرسة !
وهنا تكمن المشكلة: من يعرف كيف يكتب عن المشكلة أصبح أحيانًا أعلى صوتًا ممن يعرف كيف يحلها. الباحث يجيد توصيف الظاهرة، والاستشاري يبني النموذج، لكن المعلم هو الذي سيقف في النهاية أمام ثلاثين وأربعين طالبًا ويسأل: ماذا أفعل بهم الآن؟
لا نريد أن نغلق أبوابنا أمام العالم؛ نريد هارفارد وأكسفورد وغيرها، ونريد الباحث والخبير والتجربة الدولية، لكننا نريد إلى جوارهم معلمًا من الميدان يستطيع أن يقول: هذه الفكرة جميلة، لكنها لن تعمل هنا بهذه الطريقة.
في المثل الشعبي حكمة تختصر القضية: «ما يحك جلدك مثل ظفرك».
فلنتعلم من العالم كله، لكن بعيوننا نحن. ولنتوقف عن البحث عن فكرة جديدة كل عام، ونبدأ بسؤال أكثر شجاعة: ماذا عرفنا منذ عقود ولم ننفذه حتى اليوم، ولماذا؟
فالتعليم السعودي لن يصنعه مؤتمر دولي ولا تقرير استشاري. هذه كلها تساعدنا، أما تعليمنا الحقيقي فيجب أن نصنعه نحن، من واقعنا، ولأبنائنا..


