لم تكن زيارتي لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية زيارة إلى مؤسسة ثقافية فحسب؛ كانت اقترابًا من مشروع وطني كبير يرى العربية كما ينبغي أن تُرى: هويةً وسيادةً، وأداة معرفة، وقوةً حضارية قادرة على العبور إلى العالم. هناك لا تُعامل اللغة بوصفها ميراثًا نخشى عليه، وإنما مستقبلًا نخطط له، ونبني أدواته، ونقيس أثره.
لقد أبدع المجمع في تقديم العربية إلى العالم؛ فانتقل بها من الاحتفاء العاطفي إلى العمل المؤسسي، وفتح أمامها آفاقًا داخل المملكة وخارجها، عبر تعليمها للناطقين بغيرها، وتأهيل معلميها، وإعداد مناهجها، وتطوير منصاتها الرقمية، وبناء اختبار «همزة» لقياس الكفاية فيها. ومن مركز «أبجد» إلى البرامج الدولية والشراكات الثقافية، بدت العربية لغةً واثقة تخاطب العالم بأدوات العصر، وتدعوه إلى اكتشافها وما تحمله من ثقافة وذاكرة إنسانية.
غير أن هذا النجاح العالمي يوقظ سؤالًا محليًا ملحًا: إذا استطعنا أن نعلّم العربية للأجنبي بطريقة حديثة وجاذبة، فكيف نعيدها إلى بعض أبنائها الذين ابتعدوا عنها وهم يعيشون بيننا؟
في المدارس العالمية خصوصًا، نلتقي طلابًا وطالبات يتفوقون في لغات أخرى، لكنهم يعانون ضعفًا واضحًا في القراءة والكتابة والتعبير بالعربية. وتبدو المشكلة أكثر حضورًا لدى بعض أبناء المبتعثين الذين وُلدوا خارج المملكة، أو أمضوا سنوات تكوينهم الأولى في مدارس أجنبية، ثم عادوا وهم يحملون هوية عربية وانتماءً وطنيًا صادقًا، لكن صلتهم اللغوية بالعربية أضعف من أعمارهم وقدراتهم. هؤلاء لا ينقصهم الذكاء ولا الرغبة؛ إنما يحتاجون إلى مناهج تراعي تجربتهم، ومسارات تأسيس لا تشعرهم بالعجز، ومعلمين يعرفون كيف يعيدون بناء الجسر بينهم وبين لغتهم.
ولعل التحدي في هذه الفئة أنها لا تنتمي تمامًا إلى برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، ولا تستفيد دائمًا من مناهج صُممت لمن يتقنها منذ طفولته؛ فتقع في منطقة تعليمية بين المسارين. وهذا يستدعي إطارًا خاصًا يحدد مستوياتها واحتياجاتها، ويجمع بين التأسيس اللغوي والمحتوى الوطني والثقافي، ويمنح المدرسة أدوات مرنة للتدخل. فالطالب الذي يتعثر في لغته لا يخسر درجة فقط؛ قد يخسر شيئًا من قدرته على التواصل مع أسرته، وقراءة تاريخه، والتعبير عن انتمائه.
ومن هنا تتضاعف أهمية «السياسة الوطنية للغة العربية»، التي أقرها مجلس الوزراء، وعمل المجمع على بناء إطارها العام وصياغة مبادئها، وأُنيط به متابعة تنفيذها. فالسياسة ليست وثيقة للاحتفاء؛ إنها انتقال من المبادرات المتفرقة إلى عمل وطني منظم، تصبح فيه العربية مسؤولية مشتركة في التعليم والإعلام والأعمال والفضاء الرقمي، وتتحول مكانتها من أمنية ثقافية إلى أهداف ومؤشرات ونتائج قابلة للقياس.
وهنا، أرى مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية أملًا منتظرًا لمدارسنا؛ بما يملكه من مرجعية وخبرة وكفاءات تستطيع الإسهام في تطوير مناهج اللغة العربية، بالتنسيق والتكامل مع وزارة التعليم والمركز الوطني للمناهج، المسؤول عن حوكمة منظومة المناهج وتطوير محتواها. فهذا التكامل قادر على الجمع بين الخبرة اللغوية المتخصصة، والرؤية التربوية، ومتطلبات المدرسة، واحتياجات الأجيال الجديدة.
كما نحتاج إلى تدريب نوعي للمعلمين والمعلمات، وبناء أدوات تشخيص وقياس تكشف مواضع الضعف مبكرًا، وإطلاق برنامج وطني مخصص لطلاب المدارس العالمية وأبناء المبتعثين العائدين، ينظر إلى العربية لديهم بوصفها لغة تحتاج إلى استعادة وتمكين، لا مادة دراسية أخرى يُطالبون بحفظ قواعدها.
لا تحتاج مدارسنا إلى مزيد من القواعد المنفصلة عن الحياة؛ حاجتها الحقيقية إلى طالب يقرأ بفهم، ويكتب بوضوح، ويتحدث بثقة، ويعبّر عن نفسه بلغة سليمة وجميلة. نريد العربية في القصة والمسرح والمناظرة والإذاعة والمحتوى الرقمي، وألا تبقى محصورة في سؤال إعراب وورقة اختبار. فاللغة لا تُبنى بالحفظ وحده، وإنما بالممارسة والدهشة والشعور بأنها نافذة الإنسان إلى نفسه والعالم.
ولا يعني ذلك أن يحل المجمع محل المؤسسات التعليمية، فالمطلوب أن يقود معها شراكة وطنية واسعة تصل إلى المدرسة والمعلم والطالب والأسرة. فالعربية التي حقق لها المجمع حضورًا عالميًا تستحق أن تحظى بالحضور نفسه في يوم أبنائنا، وأن يشعر الطالب بأنها ليست عبئًا في جدوله؛ إنها صوته وهويته وأداته لفهم ذاته وبلاده.
خرجت من المجمع أكثر يقينًا بأن العربية وجدت بيتها الكبير، وأن هذا البيت قادر على أن يفتح أبوابه لمدارسنا. فمستقبل اللغة لا يبدأ من الخطب التي نلقيها دفاعًا عنها؛ يبدأ من طفل يقرأها بمحبة، ويكتبها بثقة، ويكتشف أن أجمل ما يستطيع أن يقول به نفسه... لغته.


