نعيش زمناً صار فيه الصمت تهمة، والتأخر في الرد ضعفاً، والامتناع عن التعليق ارتباكاً، حتى بدا كأن الدول مطالبة بأن تفتح هاتفها كل صباح، لتثبت للجمهور أنها ما زالت تعرف ماذا تفعل.
خبرٌ ينتشر، فيُقال: لماذا لم ترد الدولة؟
إشاعةٌ تُطلق، فيُقال: أين البيان؟
خصمٌ يستفز، فيُقال: لماذا الصمت؟
ثم يقع حدثٌ أمني أو سياسي، فتسبق الأسئلة تفاصيله: ماذا ستفعل الدولة، ومتى، وأين، وكيف، وبأي حجم؟
كأن إدارة الدول مؤتمر صحفي مفتوح، وكأن السيادة مطالبة بأن تشرح خطتها قبل أن تنفذها.
السؤال ليس المشكلة، فمن حق المواطن أن يعرف ما يمس أمنه، ورزقه، ومستقبله، لكن الخلل يبدأ حين نخلط بين أمرين مختلفين تماماً: حق المواطن في أن يعرف ما وقع، ورغبة الجمهور في أن يعرف ما سيقع..
فالأول حق.. والثاني ليس حقاً لأحد.
والسبب بسيط، لكنه يضيع في ضجيج المنصات: البيان لا يُكتب لقارئ واحد.
الجملة التي تطمئن بها الدولة مواطنها، يقرؤها خصمها في اللحظة نفسها، ويبني عليها حساباته، فكل نيةٍ تُعلن تتحول إلى معلومةٍ مجانية، وكل ردٍ يُشرح قبل وقوعه ينتقل من دائرة المفاجأة إلى موعد يستطيع الخصم الاستعداد له.
لهذا، فالصمت السيادي ليس فراغاً في الموقف، بل قد يكون جزءاً منه، وفرقٌ كبير بين دولةٍ لا تعرف ماذا تقول، ودولةٍ تعرف تماماً لماذا لا تقول، الأولى مرتبكة، والثانية تدير كلماتها كما تدير أدوات قوتها.
ويُروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه»، وهي حكمة تصدق على الدول أضعاف ما تصدق على الأفراد، لأن الكلمة في السياسة ليست صوتاً يخرج ثم ينتهي، بل موقفٌ قد يضيّق مساحة الحركة، ويكشف بعض الخيارات، ويرسم للخصم خريطةً يتحرك عليها.
ولعل أكبر أوهام عصر المنصات وهم السرعة، إذ صرنا نقيس المؤسسات بالثواني، ونطالب السياسة بإيقاع «الترند»، ونريد من غرف القرار أن تتحرك بسرعة غرف الدردشة.
لكن الدول لا تُدار بهذه الطريقة..
ما يصل إلى المواطن خبر، وما يصل إلى الدولة ملف، وما نراه حادثةً منفردة قد تراه مؤسساتها حلقةً في سلسلة، وما يبدو لنا مستحقاً لردٍ فوري، قد تكون قيمته الحقيقية في اختيار اللحظة التي يصبح فيها الرد أبلغ أثراً، وأقل كلفة.
وهنا يظهر الفارق بين الانفعال والقرار، الانفعال يريد أن يُسمع صوته الآن، والقرار يريد أن تتحقق نتيجته، ولو تأخر صوته.
وفي التاريخ شاهدٌ اختصر هذه الفكرة قبل قرون، حين كتب نقفور، ملك الروم، إلى هارون الرشيد متحدياً، لم يدخل الرشيد معه في سجال طويل، بل كتب إليه: «والجواب ما تراه دون أن تسمعه»، ثم سار بجيشه.
عبارةٌ قصيرة بقيت في الذاكرة، لأن قيمتها لم تكن في بلاغتها وحدها، بل في أن الفعل جاء بعدها يحمل معناها.
ولهذا لا تُقاس هيبة الدول بارتفاع نبرة بياناتها، ولا بعدد السجالات التي تدخلها، فالهيبة أن يعرف الآخر حدودك قبل أن تشرحها له، وأن يقرأ ردك قبل أن تعلنه.
وفي التجربة السعودية، لا تحتاج الدولة في كل مرة إلى رفع صوتها كي يُسمع موقفها، فالسياسة السعودية بنت عبر تاريخها لغةً لا تفصل الكلمة عن حسابها، ولا تجعل الضجيج بديلاً عن الفعل، وحين تتطلب المصلحة الكلام تتكلم، وحين تتطلب المصلحة أن يبقى القرار في غرفته، لا تستدرجها ضوضاء الخارج إلى كشفه.
وليست هذه دعوةً إلى الصمت الدائم، فالصمت ليس فضيلةً في ذاته، كما أن الكلام ليس ضعفاً في ذاته.
الضابط أبسط من ذلك وأدق: ما يمس حياة الناس، وأمنهم، وأرزاقهم تُشرح وقائعه، وما يمس حسابات الخصم تُحفظ نواياه.
الدولة الرشيدة تكشف الوقائع، وتكتم النوايا،
بهذا المعنى لا يكون الصمت نقيضاً للشفافية، فالشفافية أن يرى المواطن ما يعنيه، لا أن يرى الخصم ما ينتظره.
والمؤسسات الواثقة لا تتكلم لأنها استُفزت، بل لأنها قررت أن الكلام في تلك اللحظة يخدم المصلحة.
والقاعدة ليست سياسيةً وحدها، ففي حياتنا الشخصية، أكثر الناس حاجةً إلى شرح أنفسهم هم الذين جعلوا رضا الآخرين ميزاناً لصواب مواقفهم، أما من يعرف نفسه فلا يحمل ملف دفاعه معه أينما ذهب.
فكيف بدولة؟
الدولة التي تعرف قوتها، ومصالحها، وخصومها، وحلفاءها ليست مضطرةً إلى تحويل غرفة عملياتها إلى غرفة زجاجية، ولا إلى كشف أوراقها لتطمئن جمهوراً استعجل النتيجة، أو خصماً يستدرجها إلى التوقيت الذي يناسبه.
أحياناً يكون الرد بياناً.
وأحياناً يكون قراراً.
وأحياناً يكون تغييراً في معادلة كاملة، لا تعرف أن الدولة ردّت إلا حين يكتشف الطرف الآخر أن الأشياء لم تعد كما كانت.
فالسيادة ليست عرضاً يومياً على المنصات، وليس كل ما لم نسمعه لم يحدث.
نقطة آخر السطر:
الدول التي تعرف قدرها لا تُهدر هيبتها في شرح ما ستفعل، تقول حين يكون القول فعلاً، وتصمت حين يكون الصمت فعلاً، فإذا جاء الرد، كان الجواب ما تراه، لا ما تسمعه.


