منذ سيطر الحوثيون على صنعاء قبل أكثر من عقد، بُني جانب كبير من حساباتهم على فكرة محددة؛ خصومهم سيتعبون قبلهم، والمنطقة ستتغير، وإيران ستظل قادرة على توفير ما يكفي من الدعم لإبقائهم في موقع المساوم، لا المهزوم.


لكن اليمن يدخل الآن مرحلة مختلفة. استئناف القتال، واتساع الضغط العسكري، وتراجع هامش الحركة الإيرانية، كلها تطرح سؤالاً غير سؤال المعركة نفسها؛ كيف يفكر الحوثي حين يصبح ظهره أقل اتساعاً مما كان؟


المؤشرات الأخيرة توحي بأن الجماعة تحاول تعويض تراجع العمق الإيراني بتوسيع قيمة أوراقها هي. باب المندب، والبحر الأحمر، وتهديد المصالح السعودية والدولية، باتت أوراق تفاوض يريد الحوثي أن يجعل التخلي عنها مكلفاً.


وربما هنا تكمن عقدة الصراع. فالمسألة تبدو أن المليشيا تحاول رفع كلفة هزيمتها إلى مستوى يجعل خصومها يفكرون في التفاوض معها بدلاً من استئصالها. فكلما ارتفعت كلفة الحرب، ارتفعت، في حسابها، قيمة المقعد على طاولة التسوية.


لكن التاريخ اليمني يقول شيئاً آخر. خلال سبعة عقود، أثبت السلاح قدرته على فرض اتفاق، لكنه لم يثبت قدرته على بناء دولة. فمنذ قيام الجمهورية، مروراً بحروب ما بعد الوحدة والتحوّلات السياسية الكبرى، وصولاً إلى هدنة 2022، ظلت الاتفاقات تعالج ميزان القوة أكثر مما تعالج مسألة الدولة. حتى الحوار الوطني، الذي انتهى إلى تصور اتحادي من ستة أقاليم، لم يحسم قضية الجنوب ولا معضلة توزيع السلطة والثروة. ثم جاء سقوط صنعاء بيد الحوثيين ليطيح بالمرحلة الانتقالية كلها، ويفتح الباب لحرب جديدة، أعقبتها سلسلة من الهدن. وما ثبت مراراً أن خفض التصعيد ممكن، أما تحويل الهدن إلى تسوية سياسية شاملة فشيء آخر. واليوم تبدو هشاشة المعادلة أكثر وضوحاً مع اتساع رقعة القتال.


في المنطقة تجارب أخرى تستحق التأمل، رغم اختلاف الجغرافيا والهويات والظروف. اتفاق الطائف أنهى الحرب اللبنانية؛ لأنه نقل جوهر الصراع من الميدان إلى المشاركة السياسية، لكنه ترك، مع مرور الوقت، اختلالات في بنية الدولة حين بقي السلاح خارج احتكارها الكامل. وفي العراق، أظهرت التجربة أن ترتيب تقاسم النفوذ، ودمج القوى المسلحة في النظام السياسي، لا يكفي إذا ظل القرار الأمني موزعاً بين الدولة وقوى أخرى. وفي سوريا، أظهرت سنوات التفاوض أن وقف النار، من دون حسم سؤال مستقبل السلطة، يمكن أن يتحول إلى مجرد فاصلة بين معركتين.


والحوثي يعرف هذه التجارب جيداً. لذلك يصعب عليه تصور سلام يعيده إلى كهوف صعدة. قد يريد تثبيت موقعه الذي صنعته الحرب؛ اعتراف سياسي بحجم قوته العسكرية، وضمانات اقتصادية تتيح لجماعته البقاء، وترتيب أمني يحفظ نفوذها، وربما مساحة من الاستقلال عن المركز في صنعاء.


لكن في المقابل، لا تستطيع المملكة أن تنظر إلى يمن يتحوّل إلى منصة صواريخ، أو إلى ذراع إيرانية على حدودها، بوصفه تسوية مقبولة. وإيران، حتى تحت الضغط، لا تتخلى بسهولة عن ورقة اكتسبت بواسطتها موطئ قدم على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع ذلك، فإن النفوذ الإيراني في اليمن والبحر الأحمر ليس قدراً أبدياً. فحين تصبح كلفة إسناد الجماعة أعلى من العائد السياسي والاستراتيجي الذي تحققه، قد يجد الحوثي نفسه أمام ضرورة إعادة تعريف علاقته بإيران. ليس بالضرورة قطعها، وإنما إعادة ضبطها بما يتناسب مع ميزان جديد للقوة والمصلحة.


فكيف يفكر العقل الحوثي تحت الضغط؟


ربما يكون الطريق الوحيد القابل للحياة هو تسوية على مراحل؛ وقف إطلاق نار قابل للرقابة، وفتح الطرق والموانئ والمطارات، ومعالجة أزمة الرواتب، وتبادل الأسرى، ثم الانتقال إلى حوار سياسي يضع الأسئلة المؤجلة كلها على الطاولة: شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، ومصير السلاح. لكن هل تقبل المليشيا بذلك؟


صفقات كثيرة جُربت وفشلت في اليمن؛ لأنها وصلت إلى الطاولة قبل أن تنضج الدولة، أو لأنها تعاملت مع كل حرب باعتبارها نزاعاً بين طرفين، بينما اليمن أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. إنه بلد متعدد الهويات والمصالح، حتى داخل الأسرة الواحدة أو مشيخة القبيلة نفسها. أحياناً تكون الانقسامات فيهما أكثر تعقيداً من حدود خطوط القتال، التي تبدو واضحة على الخريطة.


ولذا، قبل أن تحين ساعتها، فمليشيا الحوثي أمام معادلة واضحة؛ إما أن تجعل من قوتها العسكرية جسراً إلى السياسة، أو أن تجعل السياسة رهينة لقوتها العسكرية. في الحالة الأولى، يمكن أن تتحوّل القوة إلى موقع داخل يمن جديد. أما في الثانية، فقد تحصل على مزيد من الحرب والنفوذ الموقت وأوراق الضغط، لكن ليس بالضرورة مزيداً من اليمن.