تقلق شركات الطيران من أشياء كثيرة: الرحلات المتأخرة، والمنافسين، واضطراب المسارات، وغير ذلك، لكن شيئاً واحداً يستطيع أن يقلب حساباتها بسرعة أكبر من كل هذه الأشياء، هو الوقود.

مع عودة التوترات في المنطقة، عاد النفط للصعود، وتجاوز سعر برنت 100 دولار للبرميل، بينما ارتفع متوسط سعر وقود الطائرات عالمياً الأسبوع الماضي إلى أكثر من 181 دولاراً للبرميل، بزيادة 6.1% خلال أسبوع واحد.

الرقم هنا لا يعني شركات الطيران وحدها؛ لأنه في النهاية سيصل جزء من فاتورته إلى المسافر.

وقود الطائرات أحد أكبر تكاليف التشغيل لدى الناقلات الجوية، وفي الأحوال الطبيعية يشكّل تقريباً ربع تكاليفها، لكن عندما ترتفع الأسعار بهذه السرعة تتغيّر المعادلة، فشركات الطيران لا تستطيع إيقاف طائراتها وانتظار انخفاض النفط، ولا تستطيع دائماً رفع أسعار التذاكر بالنسبة نفسها، خاصةً في الأسواق شديدة المنافسة.

في 2025، شكّل الوقود 25.4% من مصروفات تشغيل شركات الطيران، بينما تتوقع تقديرات «إياتا» أن تقفز هذه النسبة إلى 31.4% خلال العام الحالي، وهو فارق ضخم في صناعة تعمل أساساً بهوامش ربح محدودة.

في صيف 2008م، عاش القطاع واحدة من أقسى موجات ارتفاع أسعار الوقود، عندما اقترب سعر البرميل من 182 دولاراً، وقفزت حصة الوقود إلى 38% من تكاليف شركات الطيران، ثم جاءت أزمة 2022م بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ووصل السعر في بعض الأسواق إلى 200 دولار للبرميل، وها هو عام 2026 يعيد كتابة الأرقام، ففي ذروة الاضطرابات خلال الربيع تجاوز وقود الطائرات في بعض الأسواق حاجز 200 دولار للبرميل.

الإشكالية أن وقود الطائرات لا يتحرك دائماً بنفس سرعة النفط، فقد يرتفع النفط عشرة دولارات بينما يقفز وقود الطائرات أكثر، بسبب تكلفة التكرير ونقص الإمدادات، لهذا يراقب الاقتصاديون ما يسمى بالفارق بين سعر النفط الخام ووقود الطائرات، أو Jet Fuel Crack Spread؛ لأنه يكشف مقدار الضغط الحقيقي على شركات الطيران.

ويتوقّع الاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» أن يبلغ متوسط هذا الفارق خلال 2026 نحو 57 دولاراً للبرميل، وهو مستوى تاريخي مرتفع، ويعني ببساطة أن المشكلة بالنسبة لشركات الطيران لا تتوقف عند ارتفاع النفط نفسه، بل تمتد إلى تكلفة تحويله إلى الوقود الذي تحتاجه الطائرات.

ماذا سيحدث إذا استمرت الأسعار مرتفعة؟

أول ما سيُلاحظ هو الضغط على أرباح شركات الطيران، خاصةً الشركات الصغيرة والناقلات التي تعمل بهوامش ربح محدودة. هناك شركات تحمي نفسها بعقود التحوّط، لكنها حماية مؤقتة وغير متساوية، وتشير تقديرات «إياتا» إلى أن شركات الطيران تحوّطت لنحو ثلث استهلاكها المتوقع من الوقود خلال هذا العام.

أيضاً، يتوقع «اتحاد النقل الجوي الدولي» أن يصل متوسط سعر وقود الطائرات خلال 2026 إلى 152 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 70% عن متوسط 2025، وهي قفزة كافية لتغيير حسابات الصناعة، ودفعت بالفعل إلى خفض توقعات أرباح شركات الطيران العالمية لهذا العام.

وتكشف الأرقام حجم التأثير بصورة أوضح، إذ توقع «إياتا» أن تنخفض الأرباح الصافية لصناعة الطيران العالمية من 45 مليار دولار في 2025 إلى 23 مليار دولار في 2026، وأن يتراجع هامش الربح من 4.2% إلى 2%.

بعد ذلك تبدأ الحسابات الأصعب، فقد ترتفع أسعار التذاكر وتعود رسوم الوقود بصورة أوسع، وتصبح بعض الرحلات الهامشية أقل جدوى فتتوقف، خصوصاً الخطوط الطويلة أو الوجهات الموسمية ضعيفة الطلب. وقد تعيد الشركات النظر في التوسع وافتتاح وجهات جديدة، وتضغط أكثر على التكاليف وتسرّع عملية إخراج الطائرات القديمة التي تستهلك وقوداً أكبر.

هنا تظهر قيمة الطائرات الحديثة، فكل نسبة توفرها طائرة جديدة في استهلاك الوقود تتحوّل عند هذه الأسعار من رقم صغير في الشركة المصنعة إلى ملايين الدولارات في حسابات الناقل.

أما المسافر فقد لا يرى كلمة «وقود» مكتوبة على تذكرته، لكنه سيدفع ثمنه بطريقة أو بأخرى، سواءً في سعر أعلى، أو عروض أقل، أو نقص الرحلات إلى بعض الوجهات.

الطيران صناعة غريبة، تحمل الطائرة مئات الركاب، لكن أثقل راكب فيها قد لا يجلس على أي مقعد.. إنه «الوقود».

حين يصبح البرميل بهذا الثقل، تبدأ شركات الطيران بحساب كل كيلوغرام، وكل ميل، وكل مقعد فارغ.