- الحياةُ بكل تفاصيلها جميلة، ونستطيع أن نعيشها ونلتذّ بجمالها في مختلف مراحل عمرنا متى ما تكيّفنا مع معطياتها. غير أن لكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، ولا يُتاح للإنسان أن يمتلك كل شيء في كل أوقات حياته.
- ففي مرحلة المراهقة، قد تمتلك الوقت والطاقة، لكنك تفتقر إلى المال.
- وفي مرحلة العمل، قد يلتئم لك المال والطاقة، لكن الوقت يصبح شحيحاً عزيزاً.
- أما في مرحلة التقدم في العمر، فقد يتوفر لديك المال والوقت، لكن الطاقة والصحة لن تعودا كما كانتا.
- وهذه سنة الله في خلقه؛ فحين يمنحك شيئاً، قد يسلب منك آخر، لتبقى الحياة قائمة على التوازن، ولندرك قيمة النعم التي بين أيدينا قبل أن نفقدها.
وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: ما الأهم في هذه الحياة.. الوقت، أم المال، أم الصحة؟
- إنها معادلة دقيقة؛ فكلا النِعم مهمة وذات قدر، غير أن الصحة تظل في مقدمة كل شيء لأنها لا تُقدّر بثمن. فالمال قد يذهب ويعود، ويخسره المرء ثم يعوضه، أما الصحة فإذا انفرط عقدها صَعُب استردادها.
- ومع ذلك، تجد من يُهمل صحته ونفسه، ويقضي سنوات عمره ركضاً في جمع المال، ثم يتركه خلفه ليستمتع به غيره. وهنا يبرز التحدي: كيف نوازن بين العمل والحياة؟ وكيف نستمتع بما نملك قبل أن تمضي بنا الحياة؟
- تقاعد أحد الأصدقاء بعد سنوات طويلة من العطاء، لكنه وجد نفسه بعد التقاعد وكأن وظيفته الجديدة غدت القيام بكل مستلزمات الأسرة وركوب المتاعب يومياً لقضاء طلبات المنزل.
- سألني يوماً بمرارة: ماذا أفعل بعد التقاعد؟
قلت له: لا تظلم نفسك؛ إن لنفسك عليك حقاً. لقد حان الوقت الذي تستريح فيه، وتمنح ذاتك ما تستحقه من عناية واهتمام. أديت رسالتك وعملت بكدٍّ لسنوات، وحان الوقت لِيُقدّر من حولك ما قدمته، وليتحمّل كل فرد مسؤولياته، دون أن تظل أنت المكلَف بكل صغيرة وكبيرة.
لا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، ولا تزاحم متاعب الحياة في مرحلة أنت أحوج ما تكون فيها إلى الهدوء. ولا تلتفت كثيراً لما يقوله الناس عن طريقة عيشك أو اختياراتك؛ فإرضاء الناس غاية لا تُدرك، ولن يعيش أحد حياتك نيابة عنك، ولن يمنحوك السعادة ما لم تلمسها أنت في وجدانك، واحذر أن تكون سائقاً، ويسرقك الوقت وأنت تقود مركبتك لإنهاء مشاوير ليست من ضمن اختصاصك في نهاية مشوارك.
- عِش حياتك بالطريقة التي تهبك راحة البال، واستمتع بما بقي من العمر، وكن أكثر تصالحاً مع ذاتك؛ فالزمان لا يعود إلى الوراء، وما مضى صار ذكريات، وما بقي هو فرصتك الحقيقية للحيـاة.
- حِكَمٌ ودروس
لا يعني البياضُ الجمالَ، ولا السوادُ القباحةَ؛ فالكفن أبيضٌ ومخيف، والكسوة السوداء كعبةٌ ومَهابة. والمرء بأخلاقه لا بمظهره.
لو كانت الرجولة بجهارة الصوت، لكان الحمار سيد الرجال! ولو كانت الأنوثة بالتكشّف والتعري، لكانت الكائنات المجردة أكثرها أنوثة! وقبل أن ترفع عينيك وتطلب من الله ما فقدت، خفضهما واشكره على ما هو بين يديك.
- فالحياة ليست بكثرة ما نملك، بل بقدرتنا على الاستمتاع بالنعم التي حُففنا بها، ومعرفة قدرها قبل أن تغدو مجرد ذكريات.


