نصادف في المطارات أشياءً كثيرةً دون أن ننتبه لها، نعبرها سريعاً؛ لأنها جزء من روتين إجراءات السفر، لكن لو تأملناها قليلاً سنجد أنها تحمل معاني كثيرة.

أحد هذه الأشياء الممر الذي يصل بوابة المغادرة بالطائرة، ويسميه البعض «ممر السعادة»، وفي لغة المطارات Jetway.

المفارقة أن هذا الممر، الذي يبدو اليوم جزءاً بديهياً من المطار، لم يكن موجوداً بهذه الصورة في بدايات السفر الجوي. كان المسافر يخرج من مبنى المطار مشياً على الأقدام إلى ساحة الطائرات، ثم يصعد سلماً إلى باب الطائرة، تحت الشمس والمطر والبرد، وبين ضجيج المحركات وحركة المركبات.

مع دخول الطائرات النفاثة واتساع السفر الجوي في الخمسينيات، ظهرت الحاجة إلى طريقة أكثر راحة وأماناً وسرعة لنقل الركاب مباشرة من مبنى المطار إلى الطائرة، وكان من أبرز من عملوا على تطوير الفكرة مهندس الطيران فرانك دير يوين، الذي طوّر تصوراً لممر مغلق ومتحرك يستطيع التكيف مع اختلاف أنواع الطائرات وارتفاع أبوابها.

في 28 مارس 1958 ظهر في مطار أوهير بشيكاغو أحد أوائل جسور الصعود المغلقة تجارياً، وعُرف باسم Aero-Gangplank واستخدمته الخطوط المتحدة، وفي 14 يوليو 1959 أدخلت الخطوط الأمريكية في مطار سان فرانسيسكو أول نظام حديث متكامل التشغيل لجسور صعود الركاب، وكان هناك جسران مختلفان، أحدهما حمل اسم Jet Airwalk والآخر Jetway، وهو الاسم الذي تجاوز لاحقاً كونه اسماً تجارياً ليصبح عند كثير من الناس اسماً لهذا الممر.

لم يكن الجسر هو الحل الوحيد الذي تخيلته المطارات في ذلك الوقت، فقد ظهرت فكرة أخرى ربما كانت أكثر غرابة وإثارة.

عند افتتاح مطار دالاس في واشنطن عام 1962، لم تكن الطائرات تقترب من المبنى، وإنما كانت هناك مركبات ضخمة تسمى Mobile Lounges، أشبه بصالات انتظار تسير على عجلات، يدخل إليها المسافر من مبنى المطار فتنقله عبر ساحة الطائرات حتى طائرته دون أن يضطر للخروج إلى الخارج.

كانت الفكرة أن تذهب البوابة إلى الطائرة بدلاً من أن تأتي الطائرة إلى البوابة.

صمّمت المركبات شركة كرايسلر بالتعاون مع شركة Budd، وكانت الواحدة منها بطول يقارب 16 متراً وتتسع لأكثر من مئة مسافر. ثم تطورت الفكرة لاحقاً إلى مركبات Plane Mate التي يمكنها أن ترتفع إلى مستوى باب الطائرة، وكأنها مصعد ضخم قرر أن يسير.

كلا الفكرتين جاءتا لحل مشكلة حقيقية؛ حماية المسافر من المطر والحر والبرد، وإبعاده عن ضجيج المحركات ومخاطر الحركة في ساحة الطائرات، وجعل الصعود والنزول أكثر راحة وانسيابية.

لكن الزمن اختار في النهاية الجسر، حيث انتشر الـJetway في مطارات العالم، وتراجعت فكرة الصالات المتحركة، وإن بقي بعضها حتى اليوم في مطار دالاس شاهداً على مرحلة كانت المطارات فيها تبحث عن أفضل طريقة لعبور تلك الأمتار القليلة بين الصالة والطائرة.

والفارق بين الفكرتين لافت؛ في الأولى كانت بوابة المطار تذهب بالمسافرين إلى الطائرة، وفي الثانية مدّ المطار ذراعه ليعانق الطائرة المقتربة.

لا يُعرف من أطلق تسمية «ممر السعادة» أول مرة، لكن يبدو لي أنه كان مسافراً يعرف شعور الإنسان وهو يخطو داخله متجهاً إلى الطائرة. هناك شيء يتغير في تلك اللحظة، كأن السفر يبدأ مع أول خطوة على هذا الممر.

قبل دخوله نحن في المطار، وبعد الخروج منه نكون داخل الطائرة.. ممر قصير لكنه يفصل بين عالمين وكأنه عمر.

خلفك صالة المغادرة بكل ما فيها من انتظار ومقاعد وشاشات ومواعيد، وأمامك باب ضيق يفضي إلى السماء، بينهما تمشي خطوات قليلة حاملاً حقيبتك وربما أشواقك.

يبدو لي «ممر السعادة» أكبر من مجرد جسر معدني يصل مبنى المطار بالطائرة.

إنه عتبة.. والعتبات دائماً لها معنى مختلف؛ لأن الإنسان يقف عندها بين ما كان وما سيكون.

السفر يمنح الإنسان فرصة قصيرة للخروج من نسخته اليومية؛ لذلك أحب الناس تسمية «ممر السعادة»، رغم أنه ليس كل من يعبره سعيداً، لكن جمال الاسم يكمن هنا؛ فالسعادة ليست دائماً في الوجهة، أحياناً تكون في اللحظة، في القدرة على الذهاب، في أن تظل أمامك أماكن لم ترها وأشخاص تشتاق إليهم وطرق لم تمشها.

تبدو الطائرة في نهاية الممر وكأنها احتمال؛ احتمال اكتشاف، وبدايات، وأحلام.

بعض السعادة ليست في الوصول، إنها تزهر في ذلك الممر القصير الذي يهمس في قلبك.. أمامك عالم آخر.