في بعض المهن، لا يكون التقاعد نهاية العطاء، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من العطاء الأكثر نضجًا وتأثيرًا. فالخبرة التي تتشكّل عبر عقود من العمل، وتُصقل بالتجربة والمواقف والتحديات، ليست مجرد سنوات تُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما رصيد معرفي ومهني يصعب تعويضه.


ومن هنا، فإن الاستفادة من خبرات أصحاب الكفاءة في مجالات حيوية، كالطب والإعلام وغيرهما، متى تعذر التمديد لخدماتهم، ينبغي أن تكون خيارًا مؤسسيًا مدروسًا، لا استثناءً عابرًا. فالعالم من حولنا لا يتعامل مع الخبرة باعتبارها عمرًا وظيفيًا انتهى، بل باعتبارها قيمة يمكن استثمارها بعقود واستشارات ومهام نوعية، وبمقابل مجزٍ يتناسب مع حجم المعرفة التي يقدمها صاحبها.


كثير من الدول والمؤسسات الكبرى تدرك أن بعض الخبرات لا يمكن الاستغناء عنها لمجرد بلوغ سن التقاعد؛ فتسعى إلى الاحتفاظ بأصحابها، ولو بصفة مستشارين أو خبراء أو شركاء في نقل المعرفة. والسبب بسيط: هناك فارق كبير بين من قرأ التجربة، ومن عاشها، وبين من يعرف المعلومة، ومن يعرف كيف يتعامل معها حين تتحول إلى أزمة أو قرار أو تحدٍ حقيقي.


وفي المجال الإعلامي تحديدًا، تتضاعف قيمة الخبرة؛ لأن الإعلام ليس أدوات وتقنيات فحسب، بل ذاكرة، وبصيرة، وفهم لطبيعة المجتمع، وقدرة على قراءة المشهد وتقدير اللحظة وصناعة الرسالة المناسبة. وهذه أمور لا تُكتسب في قاعة تدريب، ولا تختصرها شهادة، وإنما تبنيها سنوات طويلة من الممارسة والاحتكاك والعمل.


ولهذا، فإن المبادرات التي تفتح الباب أمام استمرار الاستفادة من هذه الطاقات تمثل وعيًا حقيقيًا بأهمية رأس المال البشري. وفي هذا السياق، أُشيد بمبادرات وزير الإعلام الصديق سلمان الدوسري، التي تعكس إدراكًا لقيمة الخبرة وضرورة عدم خسارة الكفاءات لمجرد انتهاء ارتباطها الوظيفي. وقد أكد لي هذا التوجه، كما أكد لي رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون أهمية الاستفادة من أصحاب الخبرات المتراكمة.


إن الوفاء لمن خدموا مؤسساتهم ووطنهم لعقود لا يكون فقط بتكريمهم عند نهاية الخدمة، وإنما بإتاحة المجال لهم لمواصلة العطاء، ونقل تجاربهم إلى الأجيال الجديدة، والاستفادة من رؤيتهم في تطوير العمل.


فالخبرة ثروة وطنية، وإهدارها خسارة، واستثمارها مكسب.


والأجمل أن ندرك مبكرًا أن التقاعد قد ينهي الوظيفة، لكنه لا ينبغي أن ينهي الخبرة؛ فهناك دائمًا مساحة لمن يستطيع أن يضيف، وأن يعلم، وأن يستشير، وأن يختصر على الآخرين سنوات طويلة من التجربة.


وفي زمن تتسابق فيه الدول على استقطاب العقول والكفاءات، فإن الحفاظ على خبراتنا والاستفادة منها ليس ترفًا إداريًا، بل استثمار في المعرفة، ووفاء للعطاء، وحماية لذاكرة المؤسسات، وصناعة للمستقبل بخبرة الماضي.