تأثرت الهوية العربية بالغرب مع حملة نابليون (1798)، ثم حركة التنوير العربية (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي). وفي مطلع القرن العشرين، عانت الهوية العربية كثيراً من استبطان السردية الغربية، حيث تم نقل كافة المشاكل والعناصر التي عانى منها الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحربين العالميتين. وهكذا تم تصدير فكرة القومية والطائفية والمذهبية إلى العالم العربي الذي خرج من تحت الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الأوروبي.
إذ إن العديد من النخب العربية في مرحلة النهضة تأثرت بشكل عميق بالصراعات الأوروبية (كالصراع بين الكنيسة والدولة، والصراعات القومية)، وترجمت تلك الإشكاليات إلى واقع عربي لم يكن يعاني منها بنفس الدرجة، مما خلق حالة من «الاغتراب الهوياتي». كما أن الحدود الوطنية التي رسمتها اتفاقيات سايكس-بيكو، إلى جانب توظيف الطائفية كأداة للسيطرة، حوّلت التنوع الطبيعي في المنطقة إلى صراعات حادة، بينما كانت الهوية العربية التقليدية تقوم على وحدة اللغة والدين والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.
المأزق المعاصر يكمن في صعوبة الخروج من هذه السردية المستوردة، ومن التأصيل؛ لأن إعادة بناء الهوية اليوم تتطلب نقداً ذاتياً للخطاب العربي دون الوقوع في فخ «التبعية» أو «الرفض المطلق»، ونخباً سياسية تنويرية تؤمن بالحاجة الماسة لهذا المشروع الهام.
لذا من الضروري استعادة المنظومة القيمية التي كانت تميّز المجتمعات العربية وتحديثها، وإنتاج خطاب تاريخي عربي ينطلق من خصوصيته دون تجاهل إنجازات الغرب أو صراعاته. من المهم ألا نقع في «مقابل سردي» يختزل المشكلات العربية كلها في المؤامرة الخارجية، فهناك عوامل داخلية (كالفقر، والاستبداد، وضعف المؤسسات) ساهمت في تعميق تلك الأزمات. أزمة التأصيل ليست فشلاً في ترجمة الماضي فقط، بل فشلاً في امتلاك مفاهيمنا الخاصة للمستقبل. فعندما نقول «كيف نوحّد العرب؟» نحن نطرح سؤالاً غربياً (أمة-دولة)، بينما السؤال الأعمق: «كيف نكون عرباً في عالم متعدد الأقطاب؟». الحل ليس في إعادة تدوير التراث، بل في «تأصيل الحداثة»، أي جعل الحداثة تنبع من سياقنا، لا أن نستوردها كمنتج جاهز.
التعليم أحد الركائز المهمة لرسم الهوية العربية، حيث يجب إعادة كتابة المناهج التاريخية بحيث تُعرض الصراعات القديمة (كالفتنة الكبرى) كـ«دروس في إدارة الخلاف» لا كـ«ملاحم بطولية». وعلى الإعلام إنتاج دراما تاريخية تعكس التعايش اليومي لا البطولات الحربية فقط (مثل مسلسلات عن الأسواق القديمة، والرحلات العلمية بين المذاهب). وفي الفقه السياسي، يتعيّن أن نحيي مبدأ «المصالح المرسلة» كآلية لتوليد أحكام جديدة تناسب العصر، بدلاً من الجمود على النصوص أو استيراد قوانين غربية بحذافيرها.
هذه الظلمة أو الدلامة التي تعاني منها الهوية العربية تتعدى ما تمر به من «أزمة ترجمة» حقيقية، حيث تُرجمت مفاهيم غربية في سياقات مختلفة تماماً، إلى أزمة تأصيل. نعم، الهوية العربية لا تعاني من «أزمة ترجمة» فقط، بل من «أزمة تأصيل»؛ أي فشل في ترجمة الماضي إلى لسان الحاضر. الحل ليس في رفض الغرب أو تقليده، بل في امتلاك جرأة الاجتهاد، بأن نطرح أسئلتنا الخاصة (كيف نوحّد العرب؟ كيف نوزع الثروة؟ كيف ندير التنوع؟) ثم نبحث عن أجوبة في تراثنا وتجارب الآخرين معاً، دون عقدة نقص أو شعور بالتفوق. هذا هو الطريق إلى هوية مرنة، لا منغلقة ولا مذابة.
الهوية ليست كنزاً نحميه، بل مشروعاً نبنيه كل يوم. وهذا المشروع يحتاج إلى معماريين (مفكرين)، لا حراس (أيديولوجيين).


