يصعب النظر إلى بعض السجالات الجارية في منصات التواصل الاجتماعي بين سعوديين محسوبين على الليبرالية، وأصواتٍ نسوية، بوصفها مجرد خلافٍ حول حقوق المرأة، أو حدود الحرية الشخصية، لأن المتابعة تكشف أن الخطابين، على الرغم من اختلاف مفرداتهما، وجمهورهما، يلتقيان أحياناً عند فرضيةٍ واحدة، مفادها أن المجتمع السعودي لم يبلغ بعد درجة النضج التي تؤهله لتعريف نفسه، وترتيب أولوياته من داخله.

ولا بد من توضيحٍ مبكر.. فالقضية هنا ليست الليبرالية بوصفها فكرة، ولا النسوية بوصفها مطلباً، وإنما ما يُطرح باسميهما، حين يتحول الدفاع عن الحرية إلى ازدراء المجتمع، أو تتحول المطالبة بالعدالة إلى وصايةٍ جديدة على اختيارات الناس.

الليبرالي يقول، إنه يدافع عن حرية الفرد، وتقول النسوية، إنها تدافع عن حقوق المرأة، وكلا المطلبين مشروع من حيث الأصل، لكن المشكلة لا تكمن في العنوان، بل في اللحظة التي تتحول فيها حرية الفرد إلى معيارٍ لإدانة المجتمع، أو تتحول فيها حقوق المرأة إلى مشروعٍ يعيد تعريف الأسرة، والعلاقة بين الجنسين، من زاوية صراعٍ دائم.

هنا تظهر التوأمة بين الخطابين، لا بوصفها تحالفاً منظماً، ولا باعتبارها تنسيقاً مباشراً، بل باعتبارها التقاءً وظيفياً في النتيجة. فالطرفان قد يختلفان في اللغة، والأولويات، لكنهما يلتقيان عندما يصبح المجتمع نفسه موضع اتهام، لا بعض ممارساته فحسب.

بعض الليبراليين لم يعودوا ينظرون إلى الليبرالية باعتبارها آليةً لحماية الاختلاف، بل باعتبارها معياراً للحكم على المجتمع. فمن وافق رؤيتهم أصبح متقدماً، ومن خالفها وُضع في خانة التقليد، أو الانغلاق. وهكذا ينتقل الخطاب من الدفاع عن حق الفرد في الاختيار، إلى الطعن في حق المجتمع نفسه في أن يحتفظ بمنظومته الثقافية، والأخلاقية.

وبعض الأصوات النسوية تبدأ من مظالم حقيقية، أو اختلالاتٍ اجتماعية تستحق المعالجة، لكنها لا تتوقف دائماً عند معالجة الظلم، بل تتوسع أحياناً في تفسير العلاقة بين الرجل، والمرأة، باعتبارها صراعاً على السلطة، وتنظر إلى الأسرة بوصفها بيئةً محتملة للقمع، وإلى الأمومة باعتبارها وظيفةً فرضها المجتمع، وإلى الاختلاف بين الجنسين بوصفه صناعةً ثقافية ينبغي تفكيكها.

والمشكلة ليست في طرح هذه الأفكار، فالنقاش مشروع، بل في تحويلها إلى معيارٍ وحيد، يكاد يتهم المرأة التي تختار الأسرة، والأمومة، عن قناعة، بنقص الوعي، بينما يُحتفى بالاختيار المعاكس بوصفه الدليل الوحيد على التحرر. عندها يصبح الخلل في المعيار، لا في الاختيار.

فإذا كان المجتمع السعودي قد شهد خلال السنوات القليلة الماضية تحولاتٍ واسعة في تعليم المرأة، وعملها، وحضورها الاقتصادي، والإداري، والثقافي، وإذا كانت هذه التحولات قد جاءت من خلال مشروع الدولة، وبتأييدٍ اجتماعي متزايد، فلماذا يصر بعض الخطاب على قراءة المرأة السعودية بالمعجم القديم نفسه؟

الفجوة بين واقعٍ يتسع فيه حضور المرأة يوماً بعد يوم، وخطابٍ لا يزال يصفها بالصورة السابقة نفسها، تطرح سؤالاً مشروعاً.. هل ما زال هذا الخطاب يصف الواقع، أم أنه أصبح محتاجاً إلى صورته القديمة كي يحافظ على مبرراته؟

هذا السؤال لا يتهم النيات، لكنه يضع المجهر على وظيفة الخطاب. فكلما تغير الواقع، كان من الطبيعي أن تتغير أدوات قراءته، أما الإصرار على الصورة القديمة، رغم اتساع الفرص، وتغير البنية الاجتماعية، فيجعل الخطاب أقرب إلى الدفاع عن نفسه، منه إلى تفسير المجتمع.

من هنا يبدو التقاء بعض الليبراليين، وبعض النسويات، مفهوماً. فالطرف الأول يوفر الغطاء الفكري الذي يصور القيم الاجتماعية باعتبارها قيوداً على الفرد، والطرف الثاني يوفر الغطاء الحقوقي الذي يعيد تقديم الصراع مع المجتمع باعتباره دفاعاً عن المرأة، بينما تكون النتيجة المشتركة هي نزع حق المجتمع في تعريف الطبيعي، والمقبول، والمتوازن.

المفارقة، أن الخطابين اللذين يرفعان شعار الحرية لا يتسامحان دائماً مع المرأة التي تختار الأسرة، والأمومة، والمحافظة على قيمها، كما لا يتسامحان مع الرجل الذي يؤمن بالشراكة من داخل ثقافته، شراكة تقوم على المسؤولية، والرضا، والاحترام المتبادل، لا على الإكراه من أي طرف.

وهنا ينبغي تثبيت قاعدةٍ لا غنى عنها.. المجتمع ليس سلطةً مطلقة على الفرد، والفرد ليس وصياً مطلقاً على المجتمع. فلا الأغلبية تملك إهدار الحقوق باسم الهوية، ولا صاحب الفكرة يملك إعادة تعريف المجتمع كله باسم الحرية.

المجتمع السعودي ليس مثالياً، ولم يدّع يوماً أنه بلا أخطاء، لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإهانته، بل بفهمه، ولا ينجح باستيراد صراعاتٍ تاريخية نشأت في بيئاتٍ مختلفة، بل بقراءة الواقع المحلي، وتطويره من داخله، دون تحويل الهوية إلى تهمة، أو الفرد إلى ذريعةٍ لإلغاء المجتمع.

القضية إذاً ليست رفض الليبرالية، أو النسوية، لمجرد أسمائهما، بل مساءلة ما يُطرح باسميهما.. هل يسعى إلى توسيع العدالة، والخيارات، داخل المجتمع، أم إلى إعادة تشكيل المجتمع على صورة جماعةٍ ترى نفسها أكثر وعياً منه؟

نقطة آخر السطر:

حين يلتقي الليبرالي الذي يزدري المجتمع، مع النسوية التي تخاصمه، فهما لا يصنعان مشروع تحريرٍ جديداً، بل يعيدان إنتاج الوصاية القديمة.. بعد تغيير أسماء الأوصياء.