ذات يوم سألت: هل بالإمكان إخراج مبدعٍ من خلال التجارب المختبرية التي تُجرى عليه لتحسّن موهبته الناقصة، أو المعدومة؟

ومهما كانت الإجابة نفياً أو إثباتاً، فأنا ميّال إلى تصديق، المثل الشعبي الشهير: «الديك الفصيح من البيضة يصيح»، أي إن الديك ليس بحاجة إلى تعليمه الصياح.

إزاء هذا القول، تداخلت مع بعض المعنيين بالشأن الأدبي، بين مؤيد، ومعارض لفحواه، وقد اجتمع الكل على أهمية وجود الموهبة في الأساس، ومن هناك تبدأ مسؤولية المبدع في صقل موهبته، وتثبيت أقدامه في الساحة الثقافية كمبدع حقيقي.. أحد الأصدقاء (من أدباء البلد) بعث إليّ برأيه، طالباً عدم ذكر اسمه، ومعللاً بأن الساحة لم تصل إلى مرحلة تقبّل النقد، وحاججته، بأن عمر الساحة ليس صغيراً أو مراهقاً، فكانت إجابته على طرف لسانه، بل هي في حالة مراهقة كون جل الشباب يكتبون ولم يصلوا إلى ما وصلنا إليه من حصانة ضد النقد، ولم يصلوا إلى اقتناع بأن لكلِّ إنسانٍ رأياً خاصاً به لا يعمّم، ورأيه لا يُلغي أحداً.. وكانت رسالة هذا الصديق الأديب جديرة بالوقوف عليها، وتحويلها إلى قضية أدبية في الملاحق أو في المنتديات الثقافية.

وهذا نص رسالة الصديق الأديب، إذ بدأ بقوله: «وفق ذائقتي أعترف أن مستوى الإبداع الروائي المقدّم حالياً متدنٍّ للغاية».

وأكمل: «وإن عمّقت اعترافي سأجمع الأغنية، والشعر، واللحن في هذا التصنيف، وأرى أن المتسبّب في هذا التدني، هو حدوث فصل، أو قطيعة بين ما تم إنتاجه سابقاً، ولاحقاً..

وليس في هذا لوم، وإنما تقرير حالة، والتأكيد إن لكل زمن إبداعه الخاص به، سواء أكان له خصوبة الاكتمال، أو شح أرض (تملحت)».

وهنا انتهت رسالة صديقنا الأديب، ومطالبته بعدم ذكر اسمه هي حالة نكوص، وتجرد من المسؤولية الأدبية.

ومع ذلك لنضع سؤالاً كبيراً حملته الرسالة، لماذا لا تتم مناقشة ضعف المنتج الإبداعي، وهو سؤال مقيّد بالذائقة، واختلافها، ويصبح السؤال الأكثر تحرراً بأن الذائقة تتغيّر بتغيّر الزمن وأدواته، وللزمن أناسه الذين يعبّرون عن حياتهم وتجاربهم بما يليق بهم وليس بما يليق برجال الزمن السابق، وهذه عقدة تنشأ من هذه الجدلية، تؤكد أن الأدب الرفيع يظل رفيعاً بالاستشهاد بأن الأدب الجاد الرفيع ظل عابراً للزمن، خالداً لا ينسى، وهذا الرأي في جدلية الحوار يسقط بالتذكير أن الأدب الخالد لم يكن في زمن أو فترة زمنية واحدة، فكل فترة تنتج أدبها، ومن يأتي لاحقاً هو من يثبت الرفعة أو الانحطاط.. كل هذه الأسئلة وإجاباتها جديرة بحوارٍ بين الشباب أنفسهم.