في الشرق الأوسط لا تمارس الحياة باعتبارها روتيناً عادياً، بل تحدياً يومياً، وكذلك هي السياسة في هذا «الشرق»، صعبة ووعرة ولا يمكن التنبؤ بمفاجآتها، وعليك أن تكون متيقظاً وحذراً ألف مرة قبل أن تقدم على أي تحرّك.

بدو الجزيرة العربية «الخُلص»، يعرفون ذلك، فقد عاشوا طوال 5,000 سنة بين صحارى قاحلة ووديان سحيقة وتضاريس جبلية صعبة، فكان بالنسبة لهم كل غريب غامض هو مصدر خطر ما لم يثبت حسن نيته، وكل سراب هو مصدر للماء ما لم يثبت العكس؛ ولذلك تراهم لا ينجرفون وراء أوهام السياسة، ولا يتعلّقون ببطولات من ورق، تعلّموا من الصحراء أن من لا يفهمها ولا يحترمها فإنها قاتلته لا محالة.

في السابعة صباحاً من يوم 15 مارس 2011م، انطلقت قوات درع الجزيرة من معسكراتها في الأراضي السعودية متجهة إلى مملكة البحرين، تناقلت وكالات الأنباء العالمية الخبر الذي أيقظ العالم ومعه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، بالمناسبة كانت الساعة الثانية فجراً بتوقيت واشنطن.

أعلنت هيلاري في كثير من المقابلات أنها فوجئت هي وإدارتها بالتحرك، واعتبرته سلوكاً خارج السياق السعودي الذي تصوّرته عنها.

لكن هيلاري -وغيرها كُثر- لم تعد للوراء قليلاً لتفهم أن السلوك السعودي الذي وصفته بالمفاجئ هو جزء من العقيدة السعودية التي تتحرّك بسرعة وحسم متى ما وجدت أن هناك تهديداً وجودياً لها أو لحلفائها.

في حرب الوديعة عندما حاولت قوات يمنية بدعم سوفيتي اختراق المنفذ السعودي، جاء التجاوب السعودي سريعاً، إذ كانت القوات الجوية، والبرية السعودية تقمع محاولات تقدّم «الجيش الشعبي» في اليمن الجنوبي، بل وتنتصر، لم تتلكأ الرياض بل حسمت الأمر في 48 ساعة.

وفي أكتوبر 1973م، استخدمت السعودية سلاح النفط لإيقاف الانحياز الغربي غير المبرر في الصراع العربي الإسرائيلي، ولأن الموقف السياسي الغربي كان في حاجة إلى صدمة تعيد إليه توازنه الذي فقده في تعامله مع العالم العربي، فكان لا بد من تحرّك سعودي مفاجئ.

لم تتوقف الرياض عن اتخاذ مواقف حاسمة في حوادث سياسية أو أمنية مرات عدة، قلبت موازين المُخطّطين وأربكت المنتظرين، ففي 25 ديسمبر 1979م، اقترب الشيوعيون السوفييت من البحار الدافئة -وهو مصطلح يقصد به دول الخليج العربية النفطية-، فهمت السعودية أن وجودها كحامية للحرمين الشريفين في خطر داهم، فالسوفييت يريدون نشر العقيدة الشيوعية، وقضم العالم الإسلامي دولة وراء دولة.

لقد أصبحت معركة مصير مع حفدة الإسلام، وأصبح السوفييت قاب قوسين أو أدنى من قلب العالم الإسلامي وأقدس مقدساته، كان الخطرُ وجودياً، فانخرطت السعودية انطلاقاً من دورها الإسلامي في دعم تحرير أفغانستان، وهو ما تحقّق.

في العام 1990 غزا صدام الكويت وبالرغم من إبرامه اتفاقية عدم اعتداء -سابقة- مع المملكة ظناً منه أنه بتلك الاتفاقية قادر على خديعة الرياض ومنعها من التدخل لتحرير بلد خليجي شقيق، لكن الملك فهد بن عبدالعزيز، أطلق عبارةً كانت تُعبّر عن موقف خالد غيّر مجرى التاريخ، عندما قال: «يا السعودية والكويت يبقون يا يروحون سوا».

الموقف السعودي في عاصفة الحزم كان مبادراً، وجاء من منطلق استراتيجي. وحازماً من موقف أخلاقي، ومفاجئاً لمن ركن إلى «الصبر الاستراتيجي السعودي»، وهو صبر له حدوده ومواصفاته، إذا وصل مداه انقلب إلى تحركات سياسية واقتصادية وعسكرية حاسمة، قد لا يفهمها المراقب في السياق السياسي السعودي المعتاد.

ففي فجر يوم الخميس 26 مارس 2015م، قوّضت الرياض مشروعاً كان يعد منذ عقود -عبر عاصفة الحزم-، فالأعداء (إقليميون، دوليون، منظمات) هيأوا اليمن ليكون الأرض الرخوة للانقضاض على الحدود السعودية، لكن الرياض باغتتهم ودمّرت مخازن السلاح ومعسكرات المليشيات التي بنيت لسنوات طويلة داخل حدود التماس مع اليمن، كان الحوثي مجرد الفتيل والواجهة لكنّ الأعداء المختبئين كثر.

هكذا يمكن وصف السياسة السعودية بأنها هادئة مستقرة، لكنها تتحوّل إلى عصيّة على من يعاديها حينما يبلغ التحدّي منتهاه، تعلّمت من الصحراء انفتاحها وصفاءها، وفي الوقت نفسه دهاءها وصبرها وانقضاضها على أعدائها بعدما تجبرهم بمسالكها الدبلوماسية على التيه في دروبها دون أن يهزموها.