ليست كل الخسائر ممكنة التعويض أو سهلة التعويض كالخسائر المادية والاقتصادية، فبعض تلك الخسائر تمس الذاكرة والهوية والوجدان والتاريخ. وحين ينهار أثر تاريخي عريق أو يتعرّض للإهمال حتى يفقد أصالته، فإن ما يضيع ليس حجارةً وطيناً فحسب، بل جزء من قصة المكان وسيرة الإنسان وذاكرة الوطن.

وفي منطقة الجوف تقف قلعة مارد شامخة منذ قرون طويلة، شاهدة على تعاقب الحضارات والأمم والقوافل والجيوش. إنها واحدة من أقدم القلاع والحصون في الجزيرة العربية، وواحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبط اسمها بتاريخ شمال الجزيرة العربية منذ عصور سحيقة.

إن الخطر الذي يواجه المواقع التاريخية والآثار ليست الحروب والكوارث الطبيعية فحسب، بل ذلك التآكل البطيء الذي يحدث بصمت عاماً بعد عام، عندئذ تصبح عملية الإنقاذ أمراً بالغ الصعوبة والكُلفة. قلعة مارد وأسوارها وحصونها تحتاج إلى تدخل احترافي عاجل وفق أعلى معايير المحافظة على التراث، قبل أن تتفاقم الأضرار أو نفقد أجزاء من هذا المعلم الذي لا يمكن تعويضه إذا انهار أو تشوهت ملامحه الأصلية.

أهيب بوزارة الثقافة الحفاظ على المواقع الأثرية القائمة ذات القيمة التاريخية العالية وصيانتها وترميمها ببالغ الأهمية، خاصة عندما يكون الموقع بعراقة حصن مارد وقيمة مسجد عمر بن الخطاب ومئذنته الأقدم في الإسلام.

كما أنني أتمنى أن تتآكل الفجوة التنموية والإدارية والإجرائية بين القطاعين العام والخاص ليصار إلى تأسيس متحف الخليفة عمر بن الخطاب بجوار مسجد عمر بن الخطاب في الجوف وضمن الواحة التي تضم قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع، فذلك أهم تكريم في نظري لهذا الخليفة، لأسبقية إنجازاته وتعددها وأهميتها وتأثيرها في العالم.

إن التعامل مع هذه المواقع بوصفها آثاراً صامتة فقط يمثل هدراً لفرصة تنموية وسياحية وثقافية كبيرة. يجب أن تتحوّل القلاع والحصون والأحياء التاريخية إلى محركات اقتصادية تدر دخلاً مستداماً، فما ينقصنا ليس التاريخ، بل الاستثمار الذكي في التاريخ.

إن مشروعاً متكاملاً لتأهيل قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع يمكن أن يحوّل المنطقة إلى واحدة من أهم الوجهات التراثية السياحية في المملكة والمنطقة العربية. ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء مسارات سياحية تفاعلية، ومراكز للزوّار، ومتاحف رقمية، وعروضاً ضوئية وصوتية تحكي تاريخ الجوف، ومهرجانات ثقافية موسمية، وأسواقاً للحرِف التقليدية، ومقاهي ومطاعم ذات طابع تراثي، إضافة إلى برامج تعليمية وبحثية تستقطب الباحثين بالآثار والمهتمين بها.

تمتلك المنطقة ميزة تنافسية عالية تتمثل في العديد من القلاع والحصون والمواقع الاستيطانية الأقدم، ومنها قلعة زعبل في سكاكا، وموقع الرجاجيل، وموقع الشويحطية الذي تشير التنقيبات أنه أقدم استيطان بشري في آسيا، بالإضافة إلى جبل الجمل الذي يعد الوحيد في العالم من حيث التكنيك المستخدم لنحت الجمل بالكامل على الجبل. كما أن عدداً من البعثات الأجنبية تعمل على اكتشاف المزيد من المواقع الأثرية الكامنة التي تزخر بها منطقة الجوف نظراً لموقعها الإستراتيجي وتعاقب العديد من الحضارات والجيوش عليها منذ آلاف السنين. لكن ذلك كله للأسف لم يقنع إدارة جامعة الجوف بفتح كلية أو قسم للآثار والسياحة في الجامعة مثلما أن الهوية الاقتصادية الزراعية لمنطقة الجوف لم تقنع إدارة جامعة الجوف حتى الآن بفتح كلية زراعة في جامعة الجوف.

إنني أحيي جهود التنقيب والبحث عن الآثار التي تزخر بها كافة مناطق المملكة التي تقوم بها بعثات التنقيب بإشراف ومتابعة من الجهات الحكومية وفي مقدمتها وزارة الثقافة، لكن ترميم المواقع الأثرية والآثار القائمة وصيانتها يجب ألا يقل أهمية عن جهود التنقيب.

إن السؤال الذي يجب أن يوجه لوزارة الثقافة ليس: كم ستكلف أعمال الترميم؟ بل: كم سيكلفنا التأخر في الترميم؟ فكل عام يمضي دون معالجة شاملة يزيد من احتمالات التدهور ويرفع فاتورة الإنقاذ المستقبلية، وقد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها مهما أنفقنا بعدها من أموال.

كما أن المواقع الأثرية يجب أن تكون مجالاً سياحياً من خلال تذليل كل الصعوبات التي تحول دون استثمار تلك المواقع من قبل روّاد الأعمال بالمطاعم والكافيهات وغيرها من وسائل الثقافة المصاحبة.

إنني لا أعرف معنى لإغلاق موقع مارد أو مسجد عمر وغيرهما في وجه الزوّار والسيّاح، مثلما أنني لا أجد سبباً يحول دون صيانة وترميم هذه المواقع دائماً وباستمرار. إننا يجب ألا نكتفي بكتابة التاريخ، بل أن نحوّل إرث الماضي إلى فرص في الحاضر.