كان طبيب الصحة المدرسيّة قبل ثلاثة عقود صديقاً ومستشاراً لي، بحكم كيمياء الروح، والثقة المتبادلة بيننا، ولما توطّد من وشائج معرفيّة، وما أتحناه لبعضنا من مساحة حرّة لنقاشات، غايتها «الاكتشاف» ووقودها ما نزوّد به بعضنا من مقالات ودراسات، وما يهديني من كتب ومجلات، يعود بها من بلده عقب إجازاته الصيفية.

صادف في أحد اللقاءات، خارج محيط العمل، أن رويتُ له قصة شعبيّة، عن تأكيد جداتنا وأمهاتنا علينا منذ طفولتنا أن نردف اسم «الفقها» بعبارة «الله يذكرهم بالخير»، حينها سألتُ: «ليش»، فأقنعونا أنهم «أولياء الله،» وعناداً أو احتجاجاً قررتُ ما أقول «الله يذكرهم بالخير»، وكان رد الفعل على كلامي غاضباً، وقالت الجدة (رحمها الله): «سيعرف أنك ما قلتها وينتقم منك!»، وكان أحد إخوتي ذا نزعات تمرديّة، فقال: تعال نردد اسم «الفقيه» ونكرره أنا وأنت ونتعمد ما نقول «الله يذكره بالخير»، ونشوف ايش يسوي فينا؟!، وقد كان، ولم تغرب شمس ذلك اليوم، إلا وجبارة الكسور تحيط ذراعي، والميكركوم الأحمر فوق براطمي المشقوقة، لأني ترديت من سطح بيتنا المسلّح.

تركتْ الحادثة في نفسي أثراً، وتلازم في ذهني العقاب الفوري مع كل تطاول على جناب «الصالحين»، وكان من الأحاديث المعززة «من عادى لي وليّاً آذنته بالحرب»، وحاولتُ أن أكفّر عن خطيئتي بالاستغفار والدعاء لهم.

وفي زمن الصحوة واعتناقي لخطابها، كان الصحويون يطلقون على المُعالجين الشعبيين «الشركيين»، فهذاك ساحر، وذاك مشعوذ، والثالث دجّال، وأنا أهزّ رأسي وداخلي يردد «الله يذكرهم بالخير»، لأن الذين يهاجمون لم يستوعبوا الدرس الذي استوعبت بسبب تطاولي على «أولياء الله».

فعلتْ القصة الآنفة فعلها في صديقي الطبيب، وأثارت شجونه، فقال: «بُصّ يا عِلْوة، أنا كنت في كلية الطبّ، ورسبت في مادة الصيدلة ثلاثة مرات، وفي عام التخرج، أصابتني نوبة هلع، ولاحظت أُمي ذلك، وحاولت جهدها، أن أزور مسجد أحد «الأولياء» وأصلي ركعتين، وأمسح على الضريح لأخذ بركاته، وسوف أنجح». وأضاف: «لكني بحكم التخصص رفضتُ، حتى جاء يوم امتحان مادة الصيدلة المنحوسة، فقررتُ الأخذَ بوصيّة أُمي، فاخترتُ وقتاً يكون الناس فيه نائمين، كي لا يراني أحد من أصدقائي»، وأكد أن المفاجأة أنه رأى وسمع وشارك نُخباً من شخصيات البلد الطواف بالضريح والاستغاثة، ثم صلّى الفجر، وذهب إلى الجامعة ليمتحن، فأجاب عن الأسئلة بثقة، ونال أعلى درجة بين زملائه وزميلاته! ذكر الله الدكتور الرياشي بالخير حيّاً وميّتاً، وما أعادني للقصة أن برنامجاً استضاف راقياً، ففند كثيراً من ادعاءات الرقاة، وهاجت وماجت عليه «ردود الأفعال»، خصوصاً من يرون في نشاطهم هذا باب رزق، وأنا لستُ ضدّ رزقهم، لكني لستُ مع تحويل الطب النبوي إلى دراميات تراجيدية بائسة، تشيع في الأوساط المتعلمة الشكوك في العلم والطب الموثّق بالبرهان والتجارب المختبرية.

وزاد الطين بلّة ما جاء عن نظام الطيبات، وتعلّق البعض به، علماً بأن ديننا أكد أن حفظ النفس البشرية من الضرورات، ومن أسباب الحفظ الأخذ بقول الطبيب الثقة، والطبيب الثقة لا يخالف العِلم، ولا يشيع الخرافات، ولا يصادم أقوال الثقات، وأنا بين العِلم والخرافة، ما زلتُ لم أنزع يدي كليّاً من الموروث، ولم أُسلّم أمري مُطلقاً للعلم الحديث، ولذا لا يستغرب أحدكم، لو شافني في محلات العِطارة، أو لمحني مراجعاً لعيادة أحد الرقاة، لينفث عليّ ويخنقني ليردّ لي عقلي الضائع، الذي من يوم عرفت نفسي وأنا أبحث عنه، وأجمل دعوة أسمعها من مُحبّ «الله يرد لك عقلك».

يظل الإنسان ضعيفاً أمام حوادث الزمان، وفي حالة الضعف يثق بكل شيء بما في ذلك خيوط بيت العنكبوت، الذي هو أوهنُ البيوت، وصدق القائل «يقصى على المرء في أيام محنته، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن»، وأعرف أناساً خسروا صحتهم أو حياتهم أو أزواجهم، بسبب راقٍ لا يخاف الله، أو مفسّر أحلام «مفرنش». تكفون الله يذكركم بالخير خفّوا على عباد الله، وكفاية تدخّل في تفاصيل حياة الغلابة والبسطاء، فالبيوت أسرار، ولو توقف نشاطكم ونشاطكن الله يذكركم بالخير لن يختل نظام الكون، الذي فيه من «المغزّلة» أكثر من الصُحاح وما زال ماشي حاله، دخيلكم «الله يذكركم بالخير».