لا يمكن لأي مجتمع دولي يحترم القانون أن يقبل بتحول البحار إلى رهينة لجماعات أو أطراف تستخدم القوة خارج الأطر القانونية. فالممرات البحرية هي شرايين الاقتصاد العالمي، وغير مقبول أن تكون أداة للابتزاز أو وسيلة لفرض الواقع بالقوة وتعطيلها يطال الدول الكبرى كما الدول النامية دون استثناء.
وعطفاً على دورها الريادي والثقل السياسي والاقتصادي الذي تمثله المملكة وموقعها الاستراتيجي الرابط بين قارات العالم تقدمت الرياض بمبادرة لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية الممرات البحرية الدولية، والتصدي للتهديدات التي تستهدف الملاحة والتجارة العالمية وتعزز التعاون الدفاعي البحري بين الدول المشاركة ومواجهة التهديدات البحرية في مضيق باب المندب، البحر الأحمر، وخليج عدن.
ويدرك العالم أن التعامل مع هذا التهديد بمنطق ردود الأفعال يجعل الملاحة البحرية مرهونة بالخوف حينها ترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتتباطأ حركة التجارة، وتتفاقم الخسائر التي ستطال ملايين البشر الذين يدفعون الثمن في أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية.
لذلك رأت المملكة أن على المجتمع الدولي أن يدرك أن البحار إذا فقدت أمنها فقد العالم توازنه، ولن يكون هناك اقتصاد آمن ولا تجارة مستقرة ولا مستقبل مزدهر. وأن حماية الملاحة البحرية لم تعد خياراً سياسياً، بل أصبحت مسؤولية دولية تفرضها المصلحة الإنسانية،
وأن الصمت أمام هذا التهديد ليس حياداً، بل مخاطرة بمستقبل التجارة العالمية، والمشاركة في تحالف أمني لحماية الممرات البحرية لا يحتاج إلى دعوة، بل هو فرض للحكم المنضبط بالقانون الدولي لدحر الفوضى وإيقاف العابثين واستمرار البحار جسوراً للتبادل الحضاري والاقتصادي لا ساحات للصراع والابتزاز.
والمطلوب اليوم ليس تكرار البيانات، بل تحالف عالمي فاعل ورادع يؤكد أن القانون الدولي هو المرجعية الوحيدة، وأي اعتداءات عبثية ستواجه بإرادة جماعية تتصدى للانفلات، وتحفظ الأمن والاستقرار.
من هنا فإن المسؤولية دولية جماعية، ولم تعد تقع على عاتق دولة أو دولتين، بل على المجتمع الدولي التحرك سريعاً للانضمام إلى تحالف الردع، فحرية الملاحة ليست شعاراً سياسياً، وإنما مبدأ قانوني لا بد أن يصان. ومصالح اقتصادية لا بد من حمايتها وقاعدة أساسية لاستقرار العالم.
وقد أثبت التاريخ أن الفوضى لا تتوقف عند حدود من يصنعها، بل تمتد آثارها إلى الجميع، ويخطئ في قراءة طبيعة الاقتصاد العالمي من يظن أن قضية تهديد الممرات البحرية الحيوية تخص منطقة بعينها، بل تشمل عالماً يعيش على رقعة واحدة، فالمصالح العالمية متشابكة، ولا تتحمل تعطيل أحد شرايينها الحيوية.
وإن استمرار استهداف السفن التجارية وتهديد خطوط الإمداد العالمية يرسل رسالة خطيرة مفادها أن الفوضى يمكن أن تحل محل القانون، وإن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية يمثل انتهاكاً للقوانين الدولية.


