منذ سنوات عديدة لم يعد التهديد الذي تواجهه العديد من دول الشرق الأوسط يقتصر على الجيوش النظامية أو النزاعات التقليدية، بل برز تحدٍ أكثر تعقيدًا يتمثل في المليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، وتحمل ولاءات تتجاوز الحدود الوطنية، وقد أصبحت هذه الجماعات المدعومة من إيران لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح المشهد الأمني، الأمر الذي جعل استقرار المنطقة رهينة لقرارات لا تصدر عن حكومات مسؤولة، بل جعلها رهينة لتنظيمات تمتلك السلاح وتتحرك وفق حسابات سياسية وعسكرية خاصة بها.
لا شك أن سياسة الاعتماد على الوكلاء ليست ظاهرة جديدة، لكنها بلغت في السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق على صعيد الإمكانات العسكرية التي تملكها تلك المليشيات وعلى نطاق العمليات العسكرية التي تخوضها، فالصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد حكرًا على الجيوش، بل أصبحت في متناول جماعات مسلحة قادرة على استهداف منشآت حيوية، وتهديد المدن، وإرباك حركة الملاحة، والتأثير في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
وتبرز خطورة هذا الواقع عندما تتحول أراضي بعض الدول إلى منصات تنطلق منها الهجمات ضد دول الجوار، فمثل هذا المشهد لا يمثل اعتداءً على الدولة المستهدفة فحسب، بل يضع الدولة التي تنطلق منها تلك العمليات أمام اختبار حقيقي يتعلق بسيادتها وقدرتها على فرض القانون، وخلال الأعوام الماضية واجهت المملكة العربية السعودية سلسلة من التهديدات التي استهدفت أمنها ومنشآتها الحيوية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، ولم يكن الهدف من هذه الاعتداءات تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما كان سعياً إلى زعزعة الاستقرار وإرسال رسائل سياسية عبر استهداف الاقتصاد وأمن الطاقة، ومع ذلك أثبتت المملكة قدرة كبيرة على تطوير منظوماتها الدفاعية، وتعزيز جاهزيتها الأمنية، والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين للحفاظ على استقرار المنطقة.
لا يقتصر أثر هذه الاعتداءات على السعودية وحدها، فاستهداف المنشآت النفطية أو الممرات البحرية ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ككل، فالمنطقة تمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس على الأسواق الدولية، ويؤثر في سلاسل الإمداد، ويرفع مستوى القلق لدى المستثمرين، ولهذا فإن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
من جهة أخرى يفرض استمرار نشاط المليشيات أثمانًا باهظة على الدول التي تنشط داخلها، فوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة يضعف هيبتها، ويحد من قدرتها على اتخاذ قراراتها السيادية، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويعرقل جهود التنمية والإعمار، كما أن المواطن العادي هو أول من يدفع ثمن هذه الفوضى، عندما تتراجع الخدمات، وتتقلص فرص العمل، وتصبح الأولوية للصراع بدلًا من البناء، وقد أثبتت العديد من التجارب الإقليمية أن المليشيات قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تبني دولًا مستقرة، ولا تصنع اقتصادًا قويًا، ولا توفر مستقبلًا آمنًا للأجيال القادمة، فالاستثمار يحتاج إلى استقرار، والدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد مراكز القرار العسكري.
كما أن استمرار استخدام هذه الجماعات كأدوات في الصراعات الإقليمية يزيد من احتمالات سوء التقدير، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للتحول إلى أزمة واسعة يصعب احتواؤها، ولذلك فإن ضبط هذا المسار يمثل مصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة لأن الأمن لا يتجزأ، وأي اضطراب في دولة سينعكس عاجلًا أو آجلًا على جيرانها، ولذلك فإن مستقبل الأمن الإقليمي يرتبط بمدى نجاح دول المنطقة في دعم مفهوم الدولة الوطنية، وتعزيز مؤسساتها، وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة، إلى جانب ترسيخ الحوار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول.
تقف المنطقة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منطق المليشيات الذي يبدّد فرص التنمية ويغذي الصراعات، وإما ترسيخ منطق الدولة الذي يفتح أبواب الاستقرار والازدهار، وبين هذين الخيارين تبدو الحقيقة واضحة؛ فلا أمن دائم ولا مستقبل مزدهر إلا بدولة قوية تحتكر السلاح، وتحكمها المؤسسات، وتحترم سيادتها وسيادة جيرانها، وعندما تنتصر الدولة على الميليشيا، ينتصر الأمن على الفوضى، وينتصر المستقبل على حسابات الصراع المهلكة للحرث والنسل.


