أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

سعيد العنقري.. أكثر من حياة ثريّة

لو طرحنا سؤالاً يجول في خواطرنا بماذا تقاس الحياة؟ وما معيار الثراء؟ فالإجابة ستختلف باختلاف ثقافة ووعي من يتصدّر ويتصدّى لها؛ بحكم أن للحياة معنى وقيمة لا يدركهما كل أحد، وللأنفس ثراؤها، الذي لا يوازيه ثراء، ومن صفات إطراء الاستثنائي (كريم نَفْس) وحياة البشر ليست حياة بالمعنى الدِّلالي والجمال بالمُطلق بل تخضع للنسبيّة، فالبعض يعيش حياة كلاسيكية، يشارك غيره هموم الأكل والشرب والنوم والعمل، وحياته وقف على همّ نفسه، والبعض أكسير حياته في حياة وسعادة وسلامة من حوله؛ فتغدو حياته حيوات، بعدد من يضفي عليهم من نفسه الكريمة بما تمثّلته من القِيَم والمبادئ، المتجليّة في قناعاته وسلوكه وتصرفاته، ما أثرى أيامه بما تبناه من مواقف قلّ نظيرها، ولا يستطيعها إلا من ألجم الأنانية بلجام البذل والعطاء، وأشرك المجتمع في خيره، لا عن نظرياتٍ شكليّة، بل من اعتناق جوهريّ.

لا تعلّم أرقى الجامعات كيف يغدو الإنسان (نبيلاً كريماً شهماً)، فالنبلُ والكرم والشهامة (جين وراثي)، أو كروموسومات في نواة، يصطفي الله بها من علِم أزلاً في قلوبهم خيرا، ثم يُكفلهم مبكراً حضن ورعاية والدين أخيار؛ يُنمّون فيهم بذرة الإحسان، ومكارم الأخلاق، كما يهبهم من الذريّة صفوةً يعزّزون ويراعون السيرة والمسيرة بما يحبّه ويرضاه أهل السماء وأهل الأرض، وشتان بين تغدو بهم ومعهم الحياة، أنقى وأرق وأرقى بإكسابهم الثراء معاني من كرم سيرتهم وأخلاقهم، وبين من تغدو الحياة عليهم عبئا أو تغدو بهم عبثا، ومن يتحوّل الثراء على أيديهم إلى نقمة وإشقاء.

في حياتنا نرى من يكسو المال وقاراً، لأنه يشعر بأنه في الحياة قيمة غير مطروحة للسوم، وهناك من يهبهم المال سعراً أو ثمناً شأن سلع الأسواق القائمة على حظوظ (إن قام حظه باع له واشترى له، وإن نام حظه لا شرى له ولا باع)، والعطاء يختلف باختلاف ثقافة وصحة عقل ونفسية المُعطي، فهو ليس نتاج امتلاء وشبع، بل تعبير عن إرادة امتنان للرحمن وللأوطان، باعثها المحبة والرغبة في مد أواصر الخير، انطلاقاً من شعور بالمسؤولية دون طلبٍ من أحد أو توجيه، وتأسيساً على عمق الروابط الاجتماعية والإنسانية غير المتكلّفة، إضافة إلى طموح يستهدف تعميم الخير في المجتمع؛ ليعمّ ويتنامى، ما يعزّز التواصل الإيجابي مع الأجيال، ومن المُكلف جداً على الإنسان أن ينجح في التعبير عن امتنانه إن لم يُرِدْ ويُحبّ، يحُبّ نفسه، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه ويريد إسعاد البشرية جمعاء.

ليس المال هو الذي صنع شخصية رجل الأعمال سعيد العنقري، بل هو الذي صنع المال وأدبه وهذب نوازعه الطبيعية التي يستهجنها بتذكّر السنوات الشاقة، وتذكير من حوله بسيرته وسيرة أبيه رحمه الله، بما فيها من دروس صقلت جوهر الروح وكتب لها ذو العرش في الصدور قبولاً. ولذا كان من السهل عليه أن يتحكّم في شرَه الثروة وشرورها، بأدوات منطقيّة وإنسانية وثقافية نابعة من فلسفة لا تتوفر لأي موسر؛ فالعنقري وازن بين شخصيته المثقفة، النخبوية، وبين الشخصية الاجتماعية القريبة من الناس، وبين سيّد المال الذي خبر وعاش وعايش نماذج فتحت قلبه وثقافته ووعيه على تاريخ الأمم وسلوكيات الشعوب، عبر قراءته لهم باللغات والكلمات وبالعلاقات والصداقات، فاكتشف مبكّراً معنى الوجود أمام العدم، وقيمة الحضور إزاء الغياب، فكان التمدّن والتحضّر وكانت الأنسنة.

منذ وعيت على اسم (العنقري) وعيت على مشاريع تنموية، وخلال نصف قرن، لا يُذكر اسمه إلا مقترناً بمشروعٍ أو مبادرة أو عطاء، ما يؤكد على أن شخصه الكريم مُغرمٌ بالوفاء للمكان والإنسان، ولذا اتجه نحو مأسسة العمل الخيري الاجتماعي والثقافي والتطوعي لتحقيق الاستدامة، ولم تكن الاتفاقيات التي وقعتها مؤسسة سعيد العنقري، بالأمس القريب مع التجمع الصحي في الباحة لإنشاء مركز سعيد العنقري لغسيل الكلى وعلاج الأورام المجهز بأكثر من أربعين سريراً يستفيد منها 400 مريض، وما كراسي الزيتون واللوز التي أسّسها في جامعة الباحة، والجمعية التنموية التموينية، وإتمام مبنى النادي الأدبي، والشراكات مع جمعية أدبي الباحة وفرع جمعية الثقافة، وأعمال دون وفوق ذلك بمبالغ مليونية لا يعلمها إلا الله، إلا تأكيداً على أنه (واحدٌ كأَلْف) كما قال ابن دريد الأزدي (وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ، وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا؛ وَلِلفَتى مِن مالِهِ ما قَدَّمَتْ؛ يَداهُ بين أهله لا ما اِقتَنى، وَإِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ، فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى).

تلويحة: إذا كان تأثير الكثير من المثقفين في مجتمعاتهم بالأقوال، فإن أثر المثقف (أبو سامي) أفعال خالدة، وأعمال جليلة، ومواقف غاية في التهذيب معروفاً أو عِرفاناً، علماً بأن العنقري يفوق شرائح مثقفة؛ قراءةً وتحليلاً واستيعاب معطيات وتحوّلات وسلوكيات ومدّ يدّ. وإن قيل؛ تمدحه لأنه اختارك ضمن أصدقائه، قلتُ؛ تلك تهمةٌ أُثبتها، وذاك شرفٌ أدّعيه.

منذ 11 ساعة

يا بيتنا لا دخلك شامت

ما أسعفت الظروف (أبو عقيربان) ليغتني ويجمع من المال ما يسد عوزه ويحميه من شماتة جماعته به. جاود به عمّه في بيوت مكة وهو في مطلع مراهقته؛ وانتبهت له (كهلة الحضران)؛ فتيقنتْ أن (أبو عقيربان) اسم على مسمّى، فاختلتْ به وقالت؛ ما عاد لك نومة تحت الدرج، بس خليك في الدهليز قريب مني تزبّط لي شيشتي وتهفّ عليّه بالمروحة؛ ارتجفت عظامه، وتعالى صوتُ الغريزة؛ وظل يردد؛ أبشري، أدخلته دهليزها فكانت قفلة باب الرزق.

تعمّد (أبو عقيربان) أن يوهم مرته (مربوشة) وعياله (مدعوج الأعيان) و(منشّة الذبّان) أنه لقي له غلّه تسد فازع بيشه ليحفظ كرامته قدامهم؛ وصار يهبط الأسواق؛ يتسبّب في حراج وإلا سمسرة، وكلما عاد للبيت؛ ينبّش ويخرفش؛ وإن شافهم مقبلين عليه من مسراح أو مراح؛ يصك شنطته الحديد؛ ويعيدها إلى الحدّة؛ وكلما تأمل جدران العالية؛ يصمم على خلبها، ومرته تتساءل؛ تخلبها وهي ما بعد أمداها تنوض؛ وهو يردد مثلاً يشوفه أقدس ما ترك له أسلافه (السُّبله المصلوخة يطمع فيها الذيب).

شِرقْ (أبو عقيربان) وهو يشرب لبناً من بقرته جاره المشعوِذ؛ وكانت آخر شربة والشرقة اللي توَته؛ حِزنتْ عليه (مربوشة) وفي داخلها أمل أنه خذ الفقر معه في كفنه؛ وكلها ثقة بأن الله سيغنيها بعدما خلّصها من (قطّاع الساقة) وفي النفس تطلعات إن كان الله هدى ورعانها؛ فهي ما شبعت من الدنيا؛ ومدر ركيبها ما ينحرث من الظمأ وهي طامعة في بغرة؛ تعيد لوجهها صباحته؛ وكثيراً ما تشتغل وهي تقصّد (الله يسقيك يا جرف أم الأيتام بالسيل).

خرجت بعدما انتهت من حدادها؛ تصيح في أخوها (مربّش) ألحقني ياخه؛ فزع من صياحها، وكان يتشرّب في السفل استعداد لصلاة الجمعة؛ فشَرَطْ برطمه الأسفل بالموس، وهو يحلق سال دمه وقام يدور رمادة يضمّد جرحه؛ وخرج متسائلاً وهو متبازي وعمامته في حقوه؛ وشبك يا شعوَة اللي لا يعفي عنك! فقالت؛ ألحق مغزولنا أجهى البيت؛ وقلّع خشب الرصّ؛ وفكك حتى الرادي اللي يسلّيني؛ وبيتنا مخشّف من طافي الشِّرة الله لا يسامحه؛ فتساءل؛ وش يدوّر له صاح الله عليك وعليه؟ أجابت؛ يدوّر غلّة أبوه الله يرحمه؛ علّق؛ الله لا يرحمكم ولا يرحمه؛ صحنا من (أبو عقيربان) وجا له ولد.

سمع جارهم (المشعوذ) الغَلَبة؛ فمدّ رأسه من الخَلْف، شافها تقطف ريحان من التنكة عشان تغرّز عقال أخوها، فتنحنح ليلفت انتباهها فغلبته مؤخرته، وثار مدفعها، علّق؛ كُلّها من سامطة الفراش ما خلت الدجر ينجح؛ فانفرطت تضحك؛ استثمر الموقف، وقال؛ إن طعتِ شوري خليه لأم السكون؛ وبيتك والله عند اللي يعرف قدرك ويروي عِرقك، ومرقدك فوق ذا الصدر اللي كما البحر، ومعنزك على ركبتي، خليه يدوّر غلّة الصفاق اللفّاق ما معه إلا صكّة الركبة.

جفف أخوها جسمه؛ ودهن جروحه بالتنتريون؛ وأقبل عليهم منفعلاً؛ انتي وسفانك الفالتين من يوم قضم (أبو عقيربان) رباطه؛ ضميتكم تحت جناحي؛ وهم بعد كما السارحة اللي هبدها المطر لين هطّلت بروسها؛ ولو كان ماهب آنا أفيّا عليك وعليهم، كان قد أكلكم القمل. وأضاف (إن قلن يا الله في مطر تنفّخوا البدو، وإن قلنا يالله في صحا ضاقوا بني مهمّد)، الله يسويها من عنده ما يسويها إلا هو، واستحب (منشّة الذُّبان) باذنه؛ ونشده؛ وش تنقب عنه يا بو نقّبه، نقّبتك الحدادي؛ ودَبَر الوادي، ما تجي في نصّ أخوك (مدعوج الأعيان) اللي ما يفتون الجماعة به الذِكر؛ ردّ عليه؛ قطع الله ايدك يا خال، أبغي أنُتُج سواة الرجاجيل، ردّ بضيقة؛ إن نتجت لا عاد تركب حمارتكم أركب... علّق (منشّة الذبان)؛ مجار يا خال، أضاف؛ إلا وأنا حمارة؛ اعرف الرجاجيل يا ولدي اللي نُدّانك قد نتجوا وانته تدوّر غلّة واحد ما كان معه؛ إلا ربه وقامته وعلى الله سلامته، عوّد من مكة؛ واستلم أبو جرّة كما جرّة الثوعي؛ يدلى للنسوان روس الأبيار ويتفدى بطونهن؛ نافدا بطنك نافدا بطنك.

أوجعته الشماتة بأبيه فعصب العمامة على رأسه؛ وقام يتهدّد خاله ويقول برّعتك هذي الهبلاء علينا، وش نتلهّم منك من محاقر، وندري ما تحارف على آبي إلا أنت، وجارنا المشعوذ منسبة الفيران، ما كنتم تشبعون إلا في بيتنا لكن وين تغدون من ربي؟ قال الخال؛ هذا وجهي لاخلّي جنّك تسلم، وإلا تشخ عنزكم على لحية خالك، هجم عليه هجمة البعير ونيّبه في كتفه؛ وفتر عمره؛ وانطلق لسانه يستفزع بامه؛ وهي تحاول تفارع ولسانها يلهج؛ (منين ألقاها يا ربي؛ يا بيتنا لا دخلك شامت) ومنسبة الفيران؛ يتفرج عليهم ويشجع الخال؛ زده زده أبو عضاريط.

00:00 | 4-09-2026

الطماع الأعمى أصبح ولا أمسى

أبدت (راضية) لعمتها (مرضيّة) قلقها؛ من واهل يحكها في بطن أيدها الشمال، وعمتها (مرضيّة) خبيرة شعبية في الواهل، ورفة العين؛ فسرت لها الواهل بقدوم ضيفان، واحد ملايكة ومن عيال الحلال، والثاني بينه وبين عيال الحلال مثل ما بين أسفل الوادي وعلو الجبال؛ وما غربت شمس يومها وحلّ عليهن الليل؛ إلا وهي تتلوى من ما غص في بطنها، وعمتها تتنشدها وش قد كلتِ يا اللوقة؟ وتضيف متسائلة؛ يكون شربتِ شيء عند ابن حرام وإلا بنت حرام؟ والا حد نظرك؟ ثم ترفع مستوى العتب واللوم، قائلة؛ الله لا يعفي عنك إن كان بطنك قِرتك، وما تخلين سند!! فأقسمت لها إنها ما ذاقت الذوق، من أمسي إلا قرصها المفتوت وفنجال القشر! علّقت العمّة؛ عليّ عنّا منك ومن طفاستك، القشر اللي رحتِ به وانت عروس (مِدْوِد) مقضى آبوك الرخيص الله يرخصه باطن الدنيا وظاهرها، بغت تردّ عليها؛ ففزت قائمة؛ واستندت على الخصفة؛ وهي تصيح؛ خلاص يا عمّة جاني الطّلْق.

تعجبت (مرضيّة) من زوجة ابنها اللي ما زادت عن الحيلة إلا شبر ونص، كيف جابت اثنين، ولد وبنت، وهي تلف الولد في الحوكة تشاءمت منه وتصفه لنفسها وتقول منين قد ألتقطته ما هب كما ولدي؛ صندحته كما جباهة المسيد؛ ومهادله ما كنها الا مهادل جمل المحضّرة؛ وأضافت بشماتة؛ ومنين لها البطن اللي وسعهم، وشواكلها المزرية لاطية في ضلاعينها كما عنز المصارية، وبين حديث نفس مضحك، وشكوك شيطانية؛ انصرفت لما يقتضيه الواجب؛ و يبيّض وجهها مع زوجة ابنها التي فقدت أمها وهي طفلة رضيعة؛ ولم تتمكن من تمييز جسدي المواليد، فالاتريك يبقبق، وليلتهم أسود من قعر الجحل، وما أيست كهلة الرحمن يطلع نور النهار، فخرجتْ فوق الجناح ولعلعت بالغطاريف، وسرعان ما ضك البيت بالنسوان؛ اللي تهلل وتكبّر، واللي تتهول كيف لقّح (الشبّارة) زوجته باثنين وهو غصبن يزوع أرجوله من الحيلة.

أوصت (مرضيّة) زوجة ابنها، ما تحترك؛ وقالت؛ جارات، بيسدونك في نفسك وفي فروخك اللي كما فروخ الصعو، فضحكتْ وقالت؛ لا تتشمتين ما بيعوضك إلا فروخي، زفرت وعلّقت؛ يا الله في الحيا؛ ما يعوض إلا الله يا نسمة صدري، وتذكرت الفانين فانفرطت تبكي، ولكي تقطع عليها (راضية) حبل موال الحزن المألوف، طلبت منها تناولها الصغار من الميزب ترضعهم؛ سمّتْ بكل اسمٍ عظيم، ولفتها أن عيون الولد مغوّرة، وما برزت مثل عيون أخته؛ حلّت النفاس بنايق صدرها، فرضع الابن من ثدي، وناولت شقيقته الثدي الآخر فصار يزرم زريم الكلبة المجرية، علّقت الجدّة؛ حسودي، وما بيغدي بعميان إلا حُسده.

عاد ابن مرضيّة من غربته، خاطره متنكد، ولا هيا إنه لام نفسه، على بعض تجاوزات الماضي التي كانت شؤوماً عليه، بهذه البليّة، فالطفل الأعمى يحتاج من يصاليه، واستعاد ملامح مولودته اللي كن وجهها شقفه من البدر، فهان عليه وجعه، وعلّق؛ بهواها البنت المهبورة كما الأرض الممطورة، كلٌ وده يحترثها، والمعثورة ينفرون منها يخافون على اللومة تنكسر، وكلّف الفقيه يدرّس (الأعمى) القرآن، وله مع كل جزء يختمه مدّ حنطة ومثله ذرة، وما ختم ربع ياسين، إلا والفقيه ينذّر به ويدعي من ينذّر معه؛ ويدور في المساريب، ودميانه تعطي؛ وكل ما حد نشده؛ وش فقع راسك؟ يلتفت لا يكون الأعمى وراه؛ ثم يستأنف الشتم؛ قطع الله حدانه وجدانه هبدني بالشون سلمت مضاغتي والا يكون وسّدني قبري من ساعتي، سمع والد عميان الصياح فوطى اللي في ايده وأقبل؛ وخرع من دميان الفقيه وتيقن أن ابنه عُميّان الصّلف؛ ما بيخلي حد في حاله، فقام يمسح دمه بعمامته؛ ويقول؛ قطع الله ايد اللاش، وليتها في راسي عن راسك يا ولد عمتي، وأضاف؛ وش سنعه طقك؟ فقال الفقيه؛ كنت أردد عليه (في زجاجة) يقول (في قزازة) مرتين ثلاث ولا أمداني التفت للباقين إلا وهبدة عصاته اللي ظلّمت بالدنيا وانحن ظهيرة، أعجبت المذّن وان كان ما أبداها، وفي داخله يردد؛ خلك تستاهل ليته أشكل واهب فوقها ضفعة ثور حاسر.

كبر عميّان، الزاهد في النسوان، والمشفي للزاد والميلان، ومن يعترضه؛ أو يساومه؛ أمه دعت عليه؛ وصارت القرية تتعوذ منه صبح وعشيّة، يتخمخم من كل بيت ويناغش الذبان في جو السما؛ إن حس بجواره آدمي نغزه بعصاته؛ وإن شعر حوله بدابة نخسها، ويسري على أرجوله يسمر عند السحار، فغدا مرجعاً في الشعوذة، ولم تسلم منه لا ذرّة ولا جرّة ولا حُرمة ولا خُرمة، وما تخيّل الجماعة انه بيجي عليهم يوم ويتطاول على العريفة؛ أثر في قلبه حثمة عليه؛ يوم لقيه متوسد متكاه ومتمدد على جاعده، ومشغّل راديه، ورافع الصوت، ويغني مع (حسين جاسم حبيبي؛ شمعة الجلاس) فاستحبه باذنه ودفه من الدرجة وهو يقول؛ شمعة تشبّك وتشب أهلك يا الأعمى القِلح الطماع، وغصبى تلاحق عمره، وشالها له في قلبه؛ وما هلا غلقوا صلاة الجمعة، تقدم الصفوف؛ وقال؛ إن كان العريفة زافر؛ فأنا الفلكة اللي تشيل الجُوَز والسواري، سكتْ العريفة، وما علّق إلا بقول؛ ابشر بدسمة شاربك، وهو يدرك إنه ما بيريّحه، فاستدعى (شبيب الملغّب) ولزم بايده وقال؛ هبطنا، فردّ عليه ما نيب سامه؛ معي تنك بارود، ودي اشوف له مستودع آمن، فقال العريفة؛ ما دعيتك إلا من شأن البارود؛ وقبّضه عشرة ريالات فضيّة؛ وقال؛ هب لعميان منها ثلاثة وإلا نصها ورصّ التنك في سفله؛ وقل له؛ بنحطه في السفل ونكبس فوقه علف، ونأخذ منه قدر الحاجة؛ ميّس بها عميّان؛ وتالي ليل انتفضت القرية من نومها؛ على طقطقة النيران في بقايا عمران وخشب بيت عميّان؛ وما لقيوا له الأثر.

00:00 | 28-08-2026

الإيلاف وسِعة صدر السياسة السعودية

خصّ الله تعالى مكة المكرمة بخصائص ليست لغيرها من المُدن والبلدان؛ هي البلد الحرام الآمن الأمين، ومحضن سنوي لأكبر تجمّع إنساني، ومركز اقتصادي، وممر تجاري عتيقين، ومنها وإليها رحلات الشتاء والصيف، التي أمّنها تحالف الإيلاف مع قبائل العرب، وكان لهذا النشاط، مرجعية عدليّة، تجلت آثارها في حلف الفضول.

ولا خلاف على أن لمكة أولوية مكان، أوّل بيت وُضع للناس، وأول مهبط للوحي، وكل الأنبياء قدموا حجاجاً وزوّاراً إليها، بحسب الأثر (ما من نبيّ إلا حجّ البيت) وهي بلد مبارك ببركة كعبته (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين) وأم القرى استثناء، فهي استثناء بالمطلق، كون استثنائية غيرها نسبيّة.

وبالذهاب إلى الزمن، نجد أنّ أزمنةً تفوق غيرها من الأزمان، فالسَحَرُ مُفضّلٌ على سائر أوقات الليل والنهار، والجمعة على الأسبوع، ورمضان على الشهور، والحج على الأعوام، كما أن زمن مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من أعظم الأزمنة، ومبعثه من أخلد المناسبات، ومثلما شرّف الله مكةَ مكاناً ومنزلاً وقبلة، شرّف الزمان المرتبط بها، فقداسة الجغرافيا مرتبطة بقداسة التاريخ.

هذه التراكمية لا ريب أنها حاضرة في وجدان ووعي السياسة السعودية، التي هي استثناء بين السياسات، فمن قلّدهم الله أمانة المسؤولية عن قداسة الأمكنة والأزمنة؛ ليسوا عاديّين بل هم استثنائيون؛ ولا تصح المقارنة بين العادي والاستثنائي، كون الاستثنائي لا يستوعبه إطار، ولا تُجْمِلْهُ أخبار، فهو أقرب للمثاليّة والأسطرة؛ بحكم ما يقوم صُلبه عليه من أرومة كريمة، وتديّن عفويّ غير متكلّف، وعفة نفسٍ إلا عن العلياء والتفرد، وتسامح مع كبرياء هيبة مستحقة، فالضغائن والأحقاد وردود الأفعال والصغائر ليست من صفات الاستثنائيين.

ولا يكاد يحضر موقف سياسي للقيادات السعودية في أي زمن، إلا ويعيدنا إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيّب الله ثراه، إذ إنه الملك الباني للكيان الوطني، ومؤسس قِيَم ومبادئ وأخلاق، وكان موفّقاً في الحرص على البدء من جوار الكعبة المشرّفة؛ والتشديد على حضور أبنائه وأحفاده وأسباطه معه حجاً وعمرةً وزيارة، لتأكيد معاني القداسة والتشريف، لما لكل ذلك من أثر وبركة في القول والفعل وإعلاء الشأن والكلمة؛ وعرفنا بالتواتر أن أولاد الملك عبدالعزيز، كانوا أول من يحضر مجلسه؛ إضافةً إلى حُسن اختيار من يقوم على التنشئة والتربية والتعليم لتتضافر معلومات المدارس، ودروس وخبرات المجالس.

شخصيّة الملك عبدالعزيز، النموذجية، جمعت القلوب حوله، ولم تبايعه القبائل دفعة واحدة في مطلع حكمه؛ بل كانت قبيلة ما تتمهل لتنظر ما يفعل هذا الملك بشيوخ وأعيان القبيلة التي سبقت إلى البيعة، وكلما عادت قبيلة من عند (أخو نورة) تستعرض سجاياه ومناقبه لتنفرج الأسارير، وتتعاقب مسيرات وقوافل المُبايعين، وأفخم بيعة كانت بجوار البيت العتيق؛ فعاد (إيلاف قريش) متجدّداً بملحمة الوحدة والتوحيد، على يد نموذج فريد من الزعماء؛ توفرت فيه (الكاريزما والبساطة) ومما رواه عنه أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب (خفّ إلينا الملك عبدالعزيز وفي معيّته اثنان من حاشيته لا يمتازُ ظاهراً إلا بطوله؛ أين أُبهة المُلك وفخفخة السلطان، إنك لا تجدها، وإن أوّل ما يملكك منه ابتسامته؛ التي هي مغنطيس القلوب).

ومما أورده (إنّ في الملك عبدالعزيز ضميراً حيّاً كحلمه، وسرعة خاطر تقارن التيقظ في ذهنه، يبدد بكلمة واحدة غيوم الانقباض في مجلسه... وهو شديد الحافظة؛ ومتيقظ دائماً، ورجل كبير القلب والنفس والوجدان، عربيّ تجسمت فيه فضائل العرب إلى حدٍّ يندر في غيره من الملوك، ومما نقله عن مؤسس الدولة السعودية قوله «لا نسلّم بذرّة من حقوقنا، ولكننا لا نقول في أعدائنا ما يقولون فينا».

عمل الملك عبدالعزيز فور إتمام الوحدة الأقوى، على بث وبعث رسائل الطمأنة إلى القبائل والهجر والقرى والدول؛ وكانت (سعة الصدر) علامة فارقة في مقال ومقام الإمام القائد، إذ ليس في قاموسه انفعال ولا تطاول، فالنهج نهج المعاملة بالفضل حال السلام، وبالعدل إن رفعت الحرب الأعلام، ولذا قيّض الله لمشروعه النجاح والدوام، في حين أخفقت مشاريع ضيقي الصدور، وسيئ الأخلاق، ممن مُزّقوا كل ممزق، لأنها استنكفوا عن النبالة وبُعد النظر، والتعامل بالرفق والحُسنى مع شعوبهم، بل ضيّقوا على الناس فضيّق الله عليهم.

وإنسان الجزيرة العربية، الشرس بحكم ظروف وتضاريس أرضه؛ روّضتْ شراسته طيبة حكامه وحزمهم، ويظل في وجدان الملوك والقادة من آل سعود، إرثٌ من طيب أبيهم الأول، وفي جيناتهم وأخلاقهم الكثير، فهو رمز الاحتواء الأوسع في القرن العشرين، وتحت لوائه من الشعوب والقبائل والمذاهب والطوائف المُسالمة المنتمية، ما يثير التساؤل عن كيفية انصهار الجميع في بوتقة واحدة جعلت من الولاء لمن وحّدها بالحُبّ عنواناً.

تلويحة؛ البلد الذي اختاره قبلةً للمسلمين، ومحجّاً للناس؛ ومهوى أفئدة طاهرة، ومأرز إيمان حيّ وحيوي؛ هو امتداد لإرثٍ أخلاقي متجدّد، لا يُريدُ عُلوّا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.

00:01 | 21-08-2026

بالنيّة ما هي بالمظهريّة

صبّحتْ (شفيعة) على عمّتها (مشفوعة) بالخير، والعجوز مسرّحة، تحرك شفاهها بكلمات لا يتضح معناها، وكأنها ناقمة على حِلم شافته في منامها البارحة فنغص عليها، لم تسمع التصبيح؛ فقربت منها وقالت بصوت مرتفع «وش أصبحتِ يا عمّة» انتغزت وقالت؛ أخرعتيني الله يخشعك، وازدادت العجوز احتقاناً وهي تقول؛ يا غبيرة يا دبيرة، بغيتِ تأخذين عقلي اللي ماعاد معي منه ما يملا زبدية القهوة! احمرّتْ وجنات زوجة ابنها الودود، بسبب ردة فعل سيدة الدار، التي لا يجرؤ أحد على استفزازها، فقالت؛ باسرح إن كان لقيت حلفاء وإلا خشاش يابس للبقرة؛ لم تُعلّق كونها أعرف أهل القرية بالوادي المتشقق من اليباس، وكأنها فقوع كعوب أرجل القرويين زمن النجديّة.

اشتلت (شفيعة) قفتها واخترجت المحش من بين حجارة مندر الدرجة، ولفّت حوكتها على رأسها، وأدخلت قدميها في كنادر بلاستيك، إذا دخلها شيء الماء تصدر أصواتاً فاضحة، اجتهدت في مسح المكان، ولم تظفر بقبضة كف من عشب، والغدران تحوم الهمجة على ما بقي من نقيع آسن، وافتقدت أصوات العصافير؛ فذهب بها ظنها إلى أن القريّة أغضبت ربي وإلا ما كان قطع عنها المطر، ظهر عليها الفقيه من السند قائلاً (بعوه) فقبعته بخشبة المحش في المضاغة وعجرمت، فتلفت ليتأكد أن ما حد شافه؛ وانخرط من بين العقش.

يطيب للقحم (شردان)، الذي لم يبق من أنداده ولا مخلوق، أن يفرش جاعداً ويتمدد في ركن الساحة ليرصد السارحات والرايحات؛ وكلما لمحته كهلته استلمته؛ قم من عندك يا شيبة يا هلبة يا المخرّف ما تستحي تتلمح في نسوان خلق الله؛ ويردّ عليها؛ كُلي تراب أربني باكلهنه يا كهلة عثبر؛ ويضيف مُحل رشاي فوق محّالة بيرك، والفراص ينكب، والديك يوذّن مدنّي ما معه قدرة يرفع راسه، علّقت؛ استح على نفسك من ربي، ما تسدنا الشحاحة اللي انحن فيها، وطقت بأيمان؛ ما بقي في سحاريتها ما يرفع الميزان ولا يرخيه؛ ردّ عليها؛ ما تعرفين تدبّرين يا محوقة البركة واستلمها يقصّد (ومنهنّ من تسوى ثلاثين ناقة، ومنهن من تسوى فتيل قعود؛ ومنهن من تدني ويدني لها الغنى، ومنهن من تحدا الغنى بعمود) وكعادته إذا انفعل يشرع في عضعضة براطمه، ثم قال (يا ليت ما مضى من عمري يعود والله لاخلّي جنّك يسلمون)، فقالت؛ قم أطلب ربك يرحمنا خل عنك ما معك إلا كما ..... الديك؛ وأضافت؛ نسيت يوم كنت تتشرد مني في عُليّة أمك؟! ؛ فكّ مشبك حلق الثوب فاندلع؛ وبدا يندف صدره البارزة أضلاعه كعيدان زربه متهالكة ويقول؛ ليتني طاوعت أُمي الله يرحمها، فأوصلتها معه كيس التمباك يوم قالت؛ الله يجعلك لحوقتها، فدخل على السحارية ونثّرها ولفلف ما فيها وزقاب هتافيرها قدام الباب وطلّق من ظهرها ما تقعد فيه إلا ما قعدت.

مرّتْ بهم (شفيعة) وهي رايحة بقفتها الفاضية؛ ألقت عليهم تحيتها العذبة؛ (ولعون)، وهي منكسرة الخاطر، مسحت بطرف الحوكة رشحها الناضح من جبهتها، وصاحت باتلى نشغة في صوتها؛ يا الله في المزى، وشبك يا عمّ (شردان) انحن في وقت، ما لنا فيه إلا مرضاة ربي؛ وانته على ضعيفة الله سمّيتاها وهميتاها؛ وضع سبابته على شفتيه؛ في إشارة تحذير تعني؛ التزام الصمت، وبدع (وش معا زارع الثومة من الثوم فود؛ غير فتق المحاجي لا غمض نونها) فأدارت له ظهرها؛ وهي تحدث نفسها عن سوء الخاتمة مع أزواج ما يخافون الله ولا يتقونه؛ وتذكّرتْ شريك حياتها، ورفيق دربها المغترب في مكة من سنين، ولا تشوفه إلا مرة كل عام، مع رجعة الحجاج إلى أهاليهم.

عدّت من السُّدة، وعين عمتها على القُفّة؛ سبقتها بالهرجة؛ حالفةً إنها ما فرحت من الوادي لا بحشيشة ولا قشيشة، وأضافت؛ تقولين حد ولّع فيه بعود كبريت؛ عادت العمّة لاستحضار تفاصيل الحِلم؛ وما ينفهم منها إلا (صُفة أتلى الزمان) وجدت العمة الفُرصة مواتية لتفجير لُغم القلق المحتقن وتصفية الحسابات مع (شفيعة) وبدأت تلمّح لها أنها ما سرحت تتخلا للبقرة؛ بل لتتسلّى بحليس ومليس ونقّاب الكيس، لم تردْ عليها حشمة اللي في الحرم يدّعي به، وتذكّرت أن في آخر السفل بقية من قصيل الخريف، فاحتزمت بالشرشف، وندرت لتعلف البقرة، التي كادت تنطحها وكأنها تعاتبها لتأخرها عليها.

اقترح العريفة على الفقيه يسرح بهم يتسقون، وقال؛ بكرة الاثنين اسبقنا قبل شرقة الشمس، وطلب من المذّن؛ يشاور (مشفوعة) إن كان أعطتهم البقرة، يتسقون بها، ويتشركونها، حتى يفرجها عليهم، ويعطونها قيمتها، وبغت (مشفوعة) تنشبها في صفا، قالت لها؛ شفيعة أعطيهم يا عمة قبل ما تخرج في السفل؛ ردّت؛ أعطوك عُطة بقرتي والا بقرة أهلك يا ضرسه، تذكّرت حِلمها المُنذر بمخاوف، فقالت؛ يا ديكان البقرة باربعين ريال، وتراني ما اعرف إلا أنت، فقيهك ياكل مال الأيتام وينتزي في الحرام، وعريفتك بطنه أحمر الله ربنا وربه. افتكها من مربطها، فدمعت عين (شفيعة)؛ وخرج الصغار والكبار وراء البقرة مرددين؛ (يا الله ارحمنا وانظر فينا، يا والي ترحم وادينا، من قبل الغدرة تمسينا، والغبرة تحجب ناوينا).

تقدّم الفقيه ليُصلّي، فمغصه بطنه، وخشي يهرّه، فانسحب مدحدر على المجرّة؛ وصوت قربعة معدته تبلغ أسماعهم، فقال الشاعر ساخرا؛ (كريم يا راعد بطول المجرّة) فتضاحكوا، وطلب العريفة أحد يتقدم، يصلّي بهم ويستغيث، فاعتذروا، كونه لا أحد يجيد قراءة الفاتحة؛ فنشدهم؛ عندكم وإلا عندي؟ قالوا ؛ لا والله إلا عندك؛ فقال؛ سووا كما سواتي، فرمى عمامته في قبلة المسقّى، ورمى الحضور عمائمهم، وقال؛ هذي دخالتنا عليك تغيثنا، والله لو انك مكاننا وانحن مكانك ولك حاجة عندنا وطلبتنا ما نردك؛ فهبت شامية، وانقلب لون السماء، ومرّ عليهم أربعين ليلة لا يخرج خارج، ولا يدرج دارج، وغدت الدنيا سما وماء، وخرج العريفة صبيحة اليوم الحادي والأربعين، ولمح الركايب تنزي في بعضها؛ والغدران لها أزلة؛ والضفادع تؤنس الوادي بصوت قرقرتها؛ فرفع بصره إلى السماء مردداً؛ (بالنيّة ما هي بالمظهريّة).

00:07 | 14-08-2026

من التبكيت إلى التنكيت

كان أحد المعارف في زمن الدراسة؛ يعشق الضحك؛ وإن دون سبب؛ فهو كائن ضاحك؛ وإن تعرّض لمظلمة تعالت ضحكاته؛ ولو انضرب في المدرسة يعود إلى طاولته يقهقه؛ بل حتى وهو في سابع نومة ترى ملامح وجهه منفرجة الأسارير؛ وعندما تأتيه نصيحة من كبير أو كبيرة سِنّ؛ بأن كثرة الضحك تُميت القلب؛ يردّ ضاحكاً؛ قلبي ميّت من زمان، فيأتيه الردّ؛ الله يهنيك بقلبك.

وقديماً كان لحضور كبار السن الوقورين في حياة الناس هيبة؛ وكانوا سُلطة يبكّتون كل من يخرج عن النص في مجالسهم؛ ولا يغفرون لمن يتطاول بعبارة أو إشارة؛ وينعتونه، بأقبح الصفات؛ ولو ضحك دون سبب؛ يسمع (ما يضحك إلا الهائمات من النساء وإلا رجالٍ ما تداري العاقبة).

وشخصيات البشر كانت ولا زالت تتوزع بين تراجيدي، وكوميدي؛ وبهلول، والبهلول يوصف بأنه من العارفين؛ وله كرامات، ودعاؤه مُستجاب كما كنا نسمع. ومن الشخصيات الخالدة في الذاكرة (المسحور) وكان شاباً وسيماً افتتنت به بائعة متجولة، فسحرته ليتبعها؛ إلا أن أهله كانوا حريصين على مداواته لدى الفقهاء، ولكنه لم يُشفَ، واحتفظ بمهارة النقد الساخر. وعندما توفي والده تزوجت أمه بعمّه، فقال له أحد الملاقيف؛ مبروك زواج أمك، فردّ عليه؛ عقبال أُمّك.

ولم يكن يحتدّ كبار القرى، أشدّ الاحتداد إلا على خفيف الظلّ، ويعدونه خطراً على نسائهم وعلى قراراتهم. ويلقبونه؛ بمضحك الحريم، ولُبانة اللوطة؛ ويحذرون من دخوله لبيوتهم في غيابهم، وكانوا ينقمون على بعض المُدرسين العرب، الذين كانوا يعتنون بأبدانهم وشعورهم الطويلة، وكان أحد المعمرين متزوجاً بسيدة شابة وجميلة، وكلما لاحظ تحركات للمعلمين، يقطع شغله ويعود للبيت داعياً على من ابتلاهم بهاذولا الأوادم اللي كما التفاح، ويقول؛ بيوزوني ابتني لي محجاة سدة الباب.

وبالطبع كانت النكتة أو التعليق الساخر، يأتيان عفويين وغير متكلّفين، ويبقى الصدى يتردد ويستعاد، ويراعى فيه فنّ القول، وعدم الابتذال أو الإسفاف، والبعض ينكّت على نفسه. وكان قرويّاً ساخراً يستفز العريفة بتعليقاته ومرة سمع أن العريفة نوى السفر إلى مصر ليركّب أسنان، فقال له؛ صد لك قرد وركب رأسه محل رأسك أوفر لك من السفر، كما تصدر النكتة عن رئيس ومرؤوس؛ ولعل من قديم النكات الواردة على لسان حاكم؛ جاءت جواباً على حلاقه الثرثار، فعندما سأل الحلّاق الحاكم؛ كيف يريده يقص له شعره، أجابه: «في صمت».

ولم تغب النكتة السياسية عن الفضاء العربي، ومن ذلك؛ أنّ عربيّاً زار صديقه في بلد عربي؛ ولأن الضيف مهندس سدود، سأل صديقه؛ إيش أشهر سدّ عندكم؟ فأجابه؛ سدّ فمك. ومما يروى عن أحد المثقفين أن مسؤولاً طلب منه يقترح اسماً لأحد السدود، فقال له؛ سدّ الخير، وأحد الطلاب في بلد عربي تأخر في صالة الامتحان عن الوقت، وهو لم يُجب على أي سؤال، فسأله المراقب؛ عن سبب تأخره، فقال؛ أحاول فهم الأسئلة، فقال المراقب؛ ساعتين تحاول أن تفهم، فعلّق الطالب؛ استكثرت عليّ ساعتين والرئيس الذي حكمنا ربع قرن لم يفهمنا إلا في آخر نصف ساعة من عمره الرئاسي.

لا ينتقد المقال النكيتة، إلا أن بعضها مستهلك، وبعضها ثقيل دم، والبعض كلما لقط نكتةً من هنا أو هناك، أعاد بثها وهو يضحك ببلاهة. وليس طبيعياً أن نتحوّل جميعاً في عالمنا العربي إلى (نكتنجية) ومضحكاتية، وإن حدث فربما تكون هناك أسباب يرصدها علماء الاجتماع. والنكتةُ لا تعد بذاتها مستهجنة، بل يأتي الاستهجان من غثاثة روح الناقل أو القائل، وتاريخيّاً دوّن فقهاء كُتب المُلح، والقصص ذات الحكايات الطريفة التي كان يتسلى بها الناس في مسامراتهم، ولا غنى للنفس عن سماع ما يبهجها ويعزز مناعتها، شرط ألا تكون سبباً في أذيته؛ فأحد النخب الخليجية زار رئيس دولة (كثير حماقات)، بمناسبة انعقاد مؤتمر، وعندما انتقل مع السائق قاصدين خيمة الزعيم، مروا بسور طويل، فسأل السائق؛ ماذا خلف هذا السور؟ فأجابه؛ مصحة الأمراض النفسية، وبمجرد انتهى السلام على الرئيس، ابتدر الضيفَ بسؤال؛ ما أبرز ما لفت انتباهك في عاصمتنا؟ فأجاب بثقة وبنوع من المزاح المُبطّن؛ مصحة الأمراض النفسيّة، فنهض محتدّاً، وتبعته حاشيته؛ وظلّ الضيفُ وحيداً لساعات ينتظر مصيراً مجهولاً.

00:00 | 7-08-2026

أنا يا شُعّار ما جيت للقروش

جمعت الصعلكة بين صديقين وألّفتْ بين مشاعرهما؛ أحدهما شاعر، والثاني متذوّق ومُتسلّق؛ وفي منعطف الصُدف؛ لعب الحظ لصالح المتسلق، وتم اختياره مسؤولاً؛ فتنسّكَ، واجتهد لمحو صورة ماضيه الأسود؛ بالرسمنة والنفشة؛ والتشخيص واصطناع الوقار؛ فبلغ النبأ السار صديقه الشاعر، الذي كان قد وقّع معه الفقر عقد شراكة طويل الأمد؛ وضاقت عليه أبواب الرزق بما رَحُبتْ، فقال في نفسه؛ نوصل الرجال، منها تهنئة وتجديد عهد؛ ومنها نشرح له الحال؛ ولن يبخل بحكم العيش والملح، وبحكم سعة اطلاعه؛ اختار من عيون الأدب حكاية تتضمّن حواراً أدبياً دار بين أعرابي ومعن بن زائدة، فقال في نفسه لعلني ببركة ما ورد في الحكاية من أبيات أظفر من صاحبي بحق السفرة، فرتب نفسه، وأقبل مع غيره مهنئاً وشابراً كسوة، ولما توسط المجلس قال؛ أتذكر إذ لحافك جلد شاة، وإذ نعلاك من جلد البعير

فردّ عليه المسؤول؛ ما صدقت.

فقال؛ فسبحان الذي أعطاك بنكاً، وعلمك الجلوس على السرير.قال؛ ما يعطي إلا مستحق.

فقال؛ فلست مُسلّماً إن عشتُ دهراً، على شروى بتسليم وقور. علّق؛ جعلك ما تسلّم لين تقوم ناقة صالح.

فقال؛ سأرحل عن بلاد أنت فيها، ولو جار الزمان على الفقير. قال صاحبه؛ الساعة المباركة.

فعرف أن الرجال ما نوى يفرّحه، فسكت وقعد في آخر كرسي بالمجلس، وعندما خرج المهنئون وبقيا لوحدهما، اقترب منه وقال؛ في خاطرك تحرجني يا سرسري قدام الخلق؛ قم اقلب وجهك وخذ الباب معك، فخرج منكسراً وندم على الفكرة التي لم يكن ختامها أجمل من مبتدئها.

وفي منطقتنا استغل أحد شعراء المناسبات، ذهاب القرية لمعايدة شيخ قبيلة، ورافقهم لتهنئة الشيخ بالعيد، وكان مالي يده من الكسوة، أو الظفر في الحد الأدنى بـ (صحّ لسانك)؛ فارتجل قصيدة مئوية مطلعها؛ (يا الله لا تجعل لساني يكلكلي، ما دام بيري عِدّ تغتر ودلوي ممتلي)، ثم اختلطت عليه ونشب فأشفق عليه الشيخ، ورقّ له قلبه، وعطف على حالته فقال؛ ما قصّرت وإن شاء الله إذا ظهر في العائلة شاعر نجيك إلى بيتك، ونرد لك القصيدة بقصيدة، وعندما عاد لزوجته سألته؛ بشّر؟ فقال؛ الحمد لله إنه ما احتط مشلحي من فوق كتفي.

الشّعرُ وجه آخرٌ للكلام؛ لا يمنح مفاتحه إلا لمن أخلص له، ولم يُشرِك معه غيره، وأبلغ قول الشاعر الكلام الذي ليس مثل أي كلام، وأعلى مراتبه؛ الكلام الذي عليه الكلام؛ وذاك لا يُجيده إلا النوادر ممن هاجسهم حفر الأعماق للوصول إلى صفو النبع وإن كان وحيداً ونبعه على قدّ ظماه. ومن القصائد قصائد خالدة، إلا أنه ليس كل الشعراء يُشغلهم الخلود، فالبعضُ يكتفي بمقابل مالي يحسّن الوضع المعيشي، والبعضُ كما قال أمل دنقل (يعيشُ منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عمّا فقد، والبعض يمضي به العمر منحنياً باحثاً في الطريق عما يقيم الأَوَد).

ولم تكن تكتمل مناسبات الزواج في القُرى، إلا بفلكلور العرضة، وكانت لكسوة الشاعر أولوية من ميزانية العُرس، وعلى قدر ما يخمّن من كسوة ينبري للمديح والإطراء، ويستغرق في إطلاقه الأوصاف الحقيقية والمُبالغ فيها، وصاحب الحفلة يعرف قدر نفسه أكثر من الشُّعار، وبعضهم لا يتورّع عن الخداع؛ فأحياناً يكبر الظرف، ويضع فيه مبالغ من فئات ورقيّة صغيرة لتبدو كثيرة، وإذا انتهت الحفلة وتفرق الناس تنكشف حقائق مؤلمة، ويترقب الشاعر المكلوم، فرصة لينتقم لكبريائه المجروح، وكثيراً ما وردت مفردة (أبو نواس) في الأبيات كناية عن الحيلة.

وكنتُ ولا زلتُ ألتمسُ العذر لتملّق الشاعر الكبير المتنبي، فالفنان رأس ماله موهبته؛ وربما كانت مصدر رزقه، ولعل أبو الطيب من أوائل من فتح للشعراء باب الشرهات على مصراعيه، كما جاء عنه مع (كافور) الذي جعل منه أسطورة ورفعه عالياً: بقصيدته التسوليّة:

لَحا اللَهُ ذي الدُنيا مُناخاً لِراكِبٍ

فَكُلُّ بَعيدِ الهَمِّ فيها مُعَذَّبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَقولُ قَصيدَةً

فَلا أَشتَكي فيها وَلا أَتَعَتَّبُ

إِذا تَرَكَ الإِنسانُ أَهلاً وَراءهُ

وَيَمَّمَ كافوراً فَما يَتَغَرَّبُ

فَتىً يَملَأُ الأَفعالَ رَأياً وَحِكمَةً

وَنادِرَةً أَحيانَ يَرضى وَيَغضَبُ

أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ

فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وعندما لم ينل ما أمّل، ويئس منه، خسف به وبداره الأرض مجازاً؛ بقصيدة:

أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا

وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا

تَظُنُّ اِبتِساماتي رَجاءً وَغِبطَةً

وَما أَنا إِلّا ضاحِكٌ مِن رَجائِيا

وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَعلِ إِنَّني

رَأَيتُكَ ذا نَعلٍ إِذا كُنتَ حافِيا

وَمِثلُكَ يُؤتى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ

لِيُضحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَواكِيا

وعندما أراد أحد شُعار العرضة الشعبية نفي تهمة الطمع المادي عن نفسه؛ و(الشعراء يقولون ما لا يفعلون) صدح في عرضة بمطلع (أنا يا شُعّار ما جيت من شأن القروش) وكان أحد النقاد الساخرين يجلس جنب الزير يسمع ويحفظ ويحلل، ويعلّق بسرعة بديهة وصوت مسموع فقال؛ أجل وش جيت له تدغبس؟!

00:00 | 31-07-2026

بيش تعرف ربك..

قطع صوت الدقّ نومة (ورطان)، فنهض مردّداً: كل ما شافتني هذي المخلوقة باغفي وانتسم لي ساعة، قامت تقربع وتقرقع، وتنبّش وتفتش لها على شغلة تنكد بها عليّه بنت نيصان، كنّ دقّها وسط رأسي، سحب الباب، وإذا بها محتضنة المهراس بين قدميها، والوِدِي بيدها، تدق حِنّا، اشتله بحناه وحدحد به من ركن جناح يطل على ساحة المسيد، والفقيه والأولاد في الظلة يتحفظون جزء عمّ، صاح الفقيه، الله يجعل ايدك بالكسر يا من حذفت، بغيت تغديني أنا والورعان رُمعه.

لزم (ورطان) الصمت، ومرته نزلت تلاحق مهراسها. مدّ نظره إلى حوش (جلاب الكباشة) وإذا هو في فيّة الحماطة، وصبيّته قبالته، اشتل عمره ووجّه، وما هلا استقعد، قالت زوجة الجلاب (من جا بدون داعي يقعد بدون فراش) لمح في زوجها وفي خاطره بيردّ عليها، لكنه اكتفى بصب فنجال من المصفاة، وقرّب منه صحن بلح رنيَه، فقال، ودّنا ببراد شاهي شيره، فحرّك الجلّاب رأسه، وقامت الزوجة وهي تزرم مرددة، أُخرى بعد يتشرّط أبو صندحة كما زبرة الصانع.

لفّ عمره، ونشد، اسلم وش هذي الخطوة اللي جرّتك ويلينا؟ ردّ عليه، لك الله اني تحاليت البُراد يهب من الخلف، وغفيت وما غطت عيني إلا وبنت نيصان تدق، دقوا محاشم أبوها فوق هضاب الصُنّة، علّق الجلاب ليسليه، ما يعطي من بنات فاطمة إلا الله، ودخيلك فيها لا تصخاها ترى وقفتها معك ما يوقفها أخوك ولد أمك وآبوك، لو ما غير تشطّي وتقصّب وتعفّي وتصرم وتديس، وتفزع مع اللي يحفظون الجميل، والعاقل خصيم نفسه، فقال، يا الرفيق أنا ودّي بحُرمة كما السبع العادي، ما هب كما هذي تتضيمر كما الأفعى وتتسلبى كما الشبّارة، ولو لقصتك لقصتها والقبر.

نقل الجلاب المسند على شماله، مع حطت البراد الشاهي، فرفع الغطا ونكّسه مرتين ثلاث، وحط الفنجال عِقال فيصل على (عُنق الغوري) وقال خله يخدر، وقابل صاحبه بالوجه قائلاً، لا تجحد الفضل، والله إنها مودمانية، ولا هي دون شيء، صليبة راس، ولولا الله ثم هي، يكنّك قد بعت تركة أهلك بالباع والذراع ولما بقّى منها رباع، وتبسّم وأضاف، ليتك تلمح في هيالتها وجسامتها وأنت كما القُراد في قعر البعير، ثمّن تمقّل هذي اللي معي تخرع طايفة من الجنّ لك الله لو ما اغمض عيوني لتموت همّتي، وغمزه في فخذه الأيسر، مضيفاً، تحسبني مدري عنك يا فحل البساس، لو ما لقيت عندك بنت نيصان ما يكيّف راسها، تكون قد زقت بك لام الدمون، وبدأ يقصّد (يا حيّ لي يا زكي كرام، اللي يشرّف لنا المقام، يهبد كما هابد الغمام، يدعق عضايد في الظلام، ويروي البلاد المسنيّة) فالتقط (ورطان) عوداً يابساً، وكسره ورماه باتجاهه قائلاً: (كسرت في عينك عود، وثوّرت في عفلتك عبرود، والشرّ ما يعود).

باءت محاولات الفقيه لإقناع (ورطان) بحضور دروسه في المسجد بالفشل، قال، باعلّمك أمور دِينك، واحفظك الأصول الثلاثة، رفض وقال، إن كان تشبرني في مدّ حنطة ليت لي في اللي عندي (كما الدبا الحنان يقضم الأخضر واليابس) حلقي مليان سفان تقل في بطونهم يمنه، وبلادي كما آذاني الفار، لا تعبي الشدوق، ولا ترتق الفتوق، والحالة حالة والعيشة نخالة، ولكي يكسر شوكة الفقيه ويسد نفسه عن مطالبته بحضور الدروس، أضاف، وأنا أعرفك وأعرف مواريك ومساريك، يا حرامي القدور، وفادع الخدور، وشاهد الزور، وشنهي فقاهتك اللي ما جمّلتك من أبوك وأمك ماتوا يدعون عليك، خصره الفقيه وانكلت من ثغرة المسراب وكنه ما سمع شيء، وفي نفسه يقول، الله لا يجعل واحد منهم يتعلّم أنا كما اللي يقوّز الرمادة.

صحي (ورطان) فجر الخميس، نشدته زوجته، وين بتلقّي، جاوبها، باهبط، فقالت ساخرةً، تهبط تسعّر الحنطة والا تصرف الجنيهات؟ ردّ بصوت منكسر، نمدّ الساق وربّنا الرزاق، هبط يجرّ الخُطى، لا في ثمّه ولا كُمّه، في خاطره إن الله يسخّر له ابن حلال يفك زنقته، فالتقاه بعض الوعّاظ الصلفين، وكانوا يختارون عينات عشوائية من المتسوقين لامتحان سلامة عقيدتهم، ولكي يتأكدون أن الفقها يدرسون جماعتهم في كل قرية، نشدوه، وش اسمك، ردّ، (ورطان)، ما عجبهم الاسم، ولا الخِلقة تقطع الخميرة من البيت، ولا الهيئة الرثّة، فطبّلوها بسؤال، بيش تعرف ربك؟ جاوبهم من واقع الحال، اعرف ربي بالفقر، فاستلموه بالجَلْد لين بال تحته، وهو لا يدري لماذا يجلدونه.

تفقد أعضاءه، وتلفلف عماته وعدّل زنوبته، وصدر، وعيناه في السماء، وفي داخله نشيج وصدى يسخر ويعاتب، مدّ الساق وربك الرزاق، جاك رزقك اللي ما وراه، فصعبت عليه نفسه، وانفرط يبكي، ولحسن الحظ لقي لي وكر ماء، فغسل وجهه، وحلف ما يروح البيت، بتتشمت فيه المرة وهو ما عاد في صدره سعة لمخلوق، راجع حساباته، وقال، ليتني رقدت وسمعت كلامها، لكن الخطل ما تنحني قرونه، لين يلبونه بالشون بين عيونه.

وهو فوق الكظايم، أقبل عليه شقيقه (شرطان) بجمله القرحان، وطلب منه يسقيه، قائلاً، ياخه جاني ضيفان، وغداكم من غداهم اسق الجمل، وفي الركيب حطب شدّه فوق ظهره وهو بيسدك، اعتذر منه وقال: دخيلك حِل عني، ما اعرف للجمل وش ادراني بالجمّلة، تدخّل به لين وافق، وقال، ما بيكربك دروب الجمل: دلّه ع الما وهو بيشرب ونوّخه وحمّل الحطب، وما صدّق الجمل المستفزّ إن ورطان ملقيه ظهره، يجمط في الحبق، فأصدر هديراً، التفت له، وتناوله بكَرَبته، وكرّبه وهشّم عظام لحييه ولو ما هي حماته (خضراء) فزعت وفرّعت بشعرها قدام الجمل، فهكب وفكه ما في عينه قُطرة، وما روحوه إلا يزفونه، وكانوا يسامرونه على أنه ملقّي، بغوا يذبحون الجمل فحندر فيهم، يعني لا تذبحونه، وطلبوا في الفقيه علي بن صالح، فجبّر لحييه وركب له محقن ومدّ ليّاً إلى حلقه، يحقنونه بالفريقة واللبن والسمن، والرجال مقصمر، ومن كثرة الحقن، تعافى وانتفخ لين غدا كما الشكوة المنفوخة، والفقيه يتبدى عليه من الكُترة ويخرج له لسانه، بيش تعرف ربك ذلحين؟.

00:00 | 24-07-2026

محرّق العِشاش خرج منها بلاش

وُلد (مسعوط) برأس كما رأس النيص، وسيقان كما قلاميز الجرادة، وبراطمه كما مبعر الفلوة، لا قمط على ديس أمه يمتص حليبها لين تذلي ديوسها مشلاه؛ وحلفت جدته ما يتم الدور لين يدفنونه في المقبرة. تعاطفت معها نساء القرية، وكلما أرضعته واحدة منهن؛ ينيّبها؛ لين حلفن ما عاد تطب حلماتهن في حلقه لو كان نفسه فيها؛ ومرّت بهم منجّمة فأخذته في حثلها؛ وسرعان ما أعادته لحضن أمه وهي تردد؛ يجعل شرّك حوبك، ومضت الأيام وكبر هو والفتنة سوا؛ وتسمّى (محرّق العشاش) لأنه كان يخلّي الحماية لين يروحون، ويولّع في عششهم التي تحميهم من شمس الظهيرة.

غاب المحضّرة في العقيق؛ طيلة موسم جني تمر النخيل؛ وبعد أسابيع؛ أقبلت الجمال مغرباً؛ محمّلة بعِدل وجواليق؛ ما يزوع الواحد منها إلا رجّال بينفقع من خشمه من العافية؛ طلب العريفة منهم يبرّكون الجمال تحت الجناح؛ واللي بيته قريب يروح لاهله؛ ومن كان من قرية غير القرية؛ ممساه وعشاه في بيت العريفة؛ ولأن (محرّق العشاش) لا يهنأ له طعام ولا منام لين يوشّي فتنة، ويصبح يدفى على واريتها؛ حرّش واحد من الجمّالة؛ وقال؛ إن كان ودك تسلم من جماعة (دُبي هلم) فاسر بتمرك بيرخصونه ويتقاسمونه وانت تلمح وما تحقّ عينك لا قليل ولا كثير؛ أهلك في حراك وحضرتك سوّقها في سوق أبو مرزوق؛ والجمّال ما هوب خِطل؛ أوهمه أنه اقتنع بكلامه؛ واستدرك قائلاً؛ نسيت كمري وغليوني، باعوّد آخذها، ولقي العريفة قد حط ثوبه وغطى به على محاشمه؛ وقاعد يتبرد في الطيرمة؛ ونقل له ما جرى من (محرّق العشاش) ردّ عليه؛ إن كان ساموا التمّارة بخراج فبع، والا انحى السوق قدامك، برد وجه (محرّق العشاش) وهو يسمع الحوار بينهما؛ فتناوش المساريب، وصل بيته وما جاه نوم؛ حدّ الليل يمخض ويزبد، وتيقن أنها حاطت به بقعا، فقال لنفسه؛ مالها إلا أجيب واحدة أكبر منها، تنسيهم الأولة والتالية.

سمع الأذان فقام توضأ، وهو يردد؛ يا الله في هداك وما يرضيك، لقيهم قد قاموا الصلاة؛ فأتم صلاته؛ ثم انتظر الفقيه يخرج؛ واقترب من المذّن؛ وقال وش هذي الهروج اللي يتناقلنها النسوان؛ التفت فيه؛ وقال شنهي هروجه؟ فجاوبه؛ قال يقولون أن الفقيه يقول عن أمك هروج ما يصدّقها عاقل؛ فقال؛ ها وش قال؟ يقول إن أمك يوم مات أبوك وجو يغسلونه؛ طلبت طشت غسال الجنازة وتروّشت به عشان يخرج حبه من قلبها؛ وتتزوج الظليفي، لمح فيه المذّن؛ وتلفّت ما شاف أحد معهم، همّ يلطمه على وجهه، وخاف عواقبها فقام وأفلح وخلاه.

خرج يدوّر له قشاش يشب به فتنة، ولقي العريفة مع شرقة النهار، يتخلى لحمارته المجنونة؛ ويصرم لها عثرب؛ فقام يناغش، ويلمّح للعريفة بكلام يسوّد الوجه؛ ويقول (ذُب عير اضربني إن كان فيك خير)، توسّع له العريفة والمحش في يده؛ وخشي يرتكب جناية في ذماه؛ فاشتله على كتفه وقلطه في رباع مليانة بالحُرّاق؛ وقّع على ظهره فوق طلحة؛ ولسعه الحُراق وقام يوحوح؛ ويحك قفاه اللي طبزه الشوك؛ والعريفة يضحك ويقول؛ يُحرم ما سمّوا بالرحمن.

انتظر المذّن إلى الضحى، ودردب خطاه على بيت العريفة، ولقي الجمّالة والتمّارة في مساومات، أشار العريفة بعصاته على جالوق وعدلة من البيعة، وقال؛ هذي تحلون بها مجلسكم، وطلب من ولده (بختان) يسحب خريطة ويوزع تمرها صدقة على المستحقين والمستحين، ولاحظ أن وجه المذّن كنّه تلّيك مصبوغة بقطران، انتهز فرصة انتهاء المزاد، فانتحى بالعريفة جانباً وقال؛ غِلط عليّه ولد (مفليّة القرود)؛ قطع فيه النظر، ثم قال؛ إن كان محرّق العشاش نقل لك النمّة فلا تصدقه؛ ردّ؛ يا عريفتنا ما يجي علم من تحت حجر؛ ما يجي إلا من سوق وإلا من نقنوق، عذ من الشيطان كررها العريفة؛ إلا وهذا الفقيه مقبل عليهم قرص بوسن وبكرج حليب من حليب معزاه؛ حلف المذّن ما يحلّ له ولا يطب بطنه؛ والعريفة شدّه من كفّة ثوبه؛ شدة من قلبه مردداً ؛ إخ إخ؛ فجلس؛ والفقيه ما يدري وش العِلم عليه، أكلو قرصهم وشربوا الحليب؛ وترع العريفة فقال؛ كباب وبنت شباب؛ سمعت زوجته فقالت؛ إلا شبوبة تشبّك من راسك إلى ذنبك، فانبسط الفقيه وكركر، خشي العريفة على هيبة مقامه فقال؛ خلونا في هرجتنا، فقال الفقيه؛ أي هرجة؟ ردّ عليه؛ رفيقك يقول وصله كلام إنك تلحّقتْ أمه؛ فقال؛ بيش تلحقتها؟ فقال المذن؛ أدري إنك معك محقرة عشانها أبت منك، وقمت توّلف الروايا، علّق؛ يا سبعة يناه، أمك كما حلّة القشم المعفّطة، والله لو تعرضها بلاش ما تسن لي، ولو كانت منشفة ما أمش بها فطحتي.

تيقن العريفة أن (محرّق العشاش) ما بيتوب لين تجيه محوّقة البراطم، فقال للمذن والفقيه؛ هذا المخلوق ما يسدنا فيه إلا شاعرنا، وتعالوني سوا بعد العصر؛ وإن شاء الله تجيك يا مسعوط؛ كيّة تضوطك ضوط؛ بين الشطوة والعضروط، أقبل المذّن والشاعر، وتأخر الفقيه، فقال العريفة؛ اللي يجي متّلي يستريح ويقعد عند مرته، قال؛ كانت بنت أختك تدهن ظهري بشحم النمر، قطعت ظهورنا بالتمر شل وطّ؛ فقطع الشاعر المناوشة بقوله؛ وش لي إذا ريحتكم منه؟؛ قالوا؛ من كل واحد مُدّ قسبة، وكيلة دخان؛ عليها بنينا.. عليها بنينا؛ فأكمل؛ مسعوط طماع، والطماع تغدي به طماعته؛ وانحن بنجتمع ونقصّد؛ والفقيه ياهب للقصايد معاني؛ ويمررها لمحرّق العِشاش؛ ولكم عليّه لأريّح البلاد والعباد من أذاه؛ وتجمعوا للسمرة عند العريفة؛ وأخذ الشاعر مسعوط معه؛ وبعد ما رشقت الدلة؛ بدع؛ (يا سلامي يا بعيدً وقرّبناه؛ ما ينصّب لكن اليوم نصّبناه؛ لو ندر للبير خذ له جواهر بيده؛ ما شكى من فقر جيبه وفيلسان).

وهم سارين نشد الفقيه؛ وش يقصد الشاعر؛ قال؛ رزقك في بير شُعب الشطب، فيها ثعبان يحط كل ليلة جوهرة على وجه الماي تبدي لحظة وتغيب؛ بكرة بعد العشاء بنندرك بحبل، ومن ساعة تبدي ألقطها واطلع بسرعة البرق. قنع بالفكرة، فأقحموه في البير وافلحوا وخلوه، وأقبلوا عليه صبح يوم تالي، ولقيوه منبطح في القف، وعيونه بتخرج من راسه؛ نقلوه لمستشفى خارج منطقته، ليقضي بقية عمره بين أوادم لم تسعفهم أرواحهم للتصالح مع واقعهم.

00:02 | 17-07-2026

جيعان الاشتراكي وشبعان الرأسمالي

أصبح وجه القرية (شاحباً) على غير ما كان عليه بالأمس، ولبست الملامح الراضية أقنعة التوتر والقلق؛ إذ قلّما اجتمع في موسم واحد؛ يباس الفرع؛ وجفاف الضرع، واختلاف الطبع، وزادت الطين بلّة؛ حادثة ألقت بثقل ظلالها على الجميع، برغم أن المتسبّب وافد؛ إلا أنه صار كل واحد خائفاً على نفسه ويدوّر الفكة؛ ولو بالسفر إلى غير وجهة.

وكاد المرجفون يلصقونها التهمة في ظهر الغلبان (جيعان) المحسود على تركة خلّفها أسلاف ما ينشرع في بحورهم، وبما أن الفقيه، حاول الارتباط بأُم جيعان، فباءت محاولاته بالفشل؛ وحاقت في وجهه رمادة؛ تزعّم الموقف، واستعد بتوفير شهود الزور لإدانة (جيعان)، وحبك المؤذن القصة؛ ومررها لزوجته، التي لها مقدرة على الغيبة والنميمة؛ بحكم لياقتها التي تساعدها على سرعة الانتقال، وما اكتفت بإذاعة الخبر بين نسوة القرية، بل أشاعت الخبر المُلفق في أودية وشعاب تشترك فيها أكثر من قرية.

قرر (جيعان) الشردة من الديرة؛ تفادياً لتبعات اتهام، ربما يودي بحياته؛ والمسكين لا في بطنه ولا في ظهره؛ ولأنه لا يثق إلا بالمُرابي (شبعان الرأسمالي) لجأ إليه كونه يؤمن بلُغة المصالح؛ وما هلا شافه وهو يعرف أن حبل المودة بينهم ملشلش؛ هشّ له وبشّ، وفزّ من مقعده وأجلسه مكانه؛ وقرّب له زبدية السمن وصحن تمر؛ وحلف عليه ليختفس؛ فاختفس؛ وداخله يردد (خفسوا بك لأم السامط)، ثم ناوله فنجال قهوة، وقال شُرحة اللافي عِلمه، ردّ عليه؛ أعلامنا خير والصلاة على النبي، البلاد ما عاد يا عم شبعان فيها سرّة، وأنا ودي ألحق بالطحاطيح في الظهران، واشتغل في أرامكو، وبغيتك تفزع لي بقروش، وإن شاء الله لأردّها لك من ساعة استلم أول راتب.

رد عليه؛ ونعم وكفو، وأبشر بسعدك، ولو إنّك ما جيت في وعدك؛ ومثلك ما ينرد له طلب؛ وبدأ يكنكن ويلكّن؛ قائلاً؛ لكن كِنْ السيولة هذي الأيام لك عليها؛ وحلف له با غلظ الأيمان أن حلاله عند الناس، وأوصله لمرتبة التيئيس؛ ثم بدأ في مساومته؛ مرة يقول؛ ودك تعطيني أمك؟ ومرة يقترح عليه؛ ينتف له شعرة من شاربه الكث لتكون رهناً؛ ولاحظ (جيعان) أنه يتمهزأ به؛ وللبدع ردود؛ فقال؛ أمي ما بتأخذ بعد الذيب جُعري؛ فحمّر وجهه؛ وأضاف؛ وشنبي أكرم من ميلانك وذهبك وفضتك؛ وكان (شبعان) متكي فاستقعد؛ وقال؛ تغلط عليّه وانته في بيتي؟ فقال؛ لانك لوّيا ما فيك مُخ، وما جمّلك في عيون حمران البطون إلا فلوسك، وتراني أعرف منين لك هذي الميلان يا سرّاق نسوان مكة؛ فلا تخليني أبذح الفحذة، وأشهّر بك بين الشاني والعاني؛ شَعُر بالخطر؛ فلطّف له القول؛ وحلف له أنه يمزح وما درى أن صدره قصيف، وأضاف؛ وينك من آبوك اللي ما كان أوسع من صدره، علّق في داخله؛ ولا أوسع من بطنك.

قال (شبعان الرأسمالي) لا تزعل يا ولدي؛ تراني ما جيت أدوّر لك انت اللي جيتني برجلك والسلفة اللي تبغاها با دبّرها لأنك من ريحة غالين، وجيعان يقول في نفسه؛ والله إنك كذاب؛ فقال؛ ترهن عندي شقّة مسقوي على بير عِدّ وباحرث واثبّي واصرم لين توفي دَينك! ردّ عليه؛ مدخلي عليك خلّها عثّري؟ فقال؛ يفتح الله؛ واستدرك ثم قال؛ إن كانت عثّري باعطيك خمس عشرة فرانسي؛ ردّ عليه؛ والله ما تكفّي ولا توفّي، قال؛ وإن خليتها عثري ومسقوي تبشر بخمسة وثلاثين جنيه جورج؛ قال (جيعان)؛ تم؛ وتلفت ليطمئن أن ما أحد يسمع، فقال؛ تردها أربعين وانت ما تشوف الطريق؛ والا أربعمية من ورق الشيبة؛ علّق؛ هات ويسير خير.

ودّع (جيعان) أمه التي ما كفّ نونها؛ تبكي وتلوم، فاحتج على بكاها، وقال؛ أنا رجّال وش أقعد أسوي عندك ترضعيني، وما صدق أنه لقي له مكان مع بن رجا، الذي قال؛ ترى حدّي الطايف، ومنياك تدبر نفسك، سلّمه جنيهاً للأجرة والمعوشة؛ فحلف ما يركب إلا جنبه في الغمارة، وما أطمأن قلبه إلا بعدما طمى الموتر من صفا البراقه، وطلب من السواق يشغّل شريط سعيد عمر، (قال ابن مصلح قلوب اهل المحبة شفافيق؛ ون كان كذّبتني فالمح وشُف يا نعيسان).

كان (جيعان) من أنبه عُمال أرامكو تعلّم بسرعة؛ وأتم دراسته؛ وخلال سبعة أعوام، غدا أحد أبرز الكوادر التي يعتمد عليها الخواجات؛ وتهندم بالبدلة الافرنجي؛ وأعجبته نفسه؛ فصار ينادي بحقوق العُمال؛ وخصوصاً بعدما حفظ أغلب ما جاء في كتاب كارل ماركس (رأس المال) وحذّرته الشركة من تحريضه زملائه على الإضراب، والمطالبة بزيادة الرواتب؛ ولم يستجب، فقررت الشركة فصله، ولم يجد بُدّاً من العودة إلى القرية.

حطّ جيعان (شبعان) في رأسه وعزم يبيّعه كل ما يملك؛ وبعد أيام الحفاوة؛ وما جاء به له من هدايا؛ خصوصاً الرادي؛ الذي يحرك له مؤشره كل ليلة على (صوت العرب) ثم حبك الحِيَل، فطلب منه يموّل الأهالي؛ لتعزيز روح الاشتراكية، سأله؛ شنهي الاشتراكية؛ فأجابه؛ نعطي كل فلاح مبلغاً من المال، وندخل المواطير؛ ونحافظ على الثروة الحيوانيّة، وأهل القرية شراكة في اللقمة والجغمة، بلاد واحدة من أعلى الشعب إلى أسفله؛ الفَرْقة واحدة، وضيفنا واحد؛ ومبدانا واحد؛ والشور شور الأكثرية من المزارعين، ووشوشه إذا عجزوا عن السداد خُذ بلادهم لك وأنا ما ابغي إلا تسقط ديني وإن كان بعد لك شفّ في الكهلة تراها جتك لو ما غير تتشمشم نسمتك.

شكّك (الرأسمالي) في نوايا (الاشتراكي)؛ ولكنه يجيد الإقناع بلغة الأرقام؛ وأقسم له بأنه سيخليه حديث الناس؛ ويصير مثل البنك الدولي (العوايد كلها تصب فيه)، يأخذ أرباحه؛ وبقية الأموال تُصرف على عوامل الإنتاج؛ حفر آبار، وتوفير أسمدة؛ وزراعة أشجار مثمرة، وتزبيب العنب؛ وعيّن نفسه أميناً للصندوق والمحاسب، والفقيه رئيس مجلس الإدارة؛ والمؤذن السكرتير، والشاعر مدير العلاقات العامة؛ ونجح في تمرير حيلته؛ وأوصى الأهالي كلما استلم أحدهم مبلغاً من (شبعان) يسلمه الفلوس، ليسافر ويؤمّن لهم مواد الانتاج.

اشترى سيارة وحراثة، واحتفت القرية بالتطور؛ الذي سبقت به كل جيرانها؛ وكل شهر يسافر (جيعان) يقضّي بدراهم (شبعان) بعض المُتفق عليه، والباقي يشتري لنفسه به عقارات في مكة وجدة، وحانت ساعة الفصل، فلجأ (جيعان) لشيخ القبيلة، وقال؛ يا شيخنا صاحبك (شبعان) امتص دم ودسم الأرامل والأيتام والشيبان والكهيل، (مرابي) ما يخاف الله؛ وأضاف؛ لا ووده يغيّر دين الناس؛ يمدح الاشتراكية، ويقول؛ الحياة مادة؛ وكلام لا جانا من الله ولا من رسوله؛ فاستدعاه الشيخ، وقال؛ إما رجال تلزم حدّك والا رفعت بك للدولة، فلزم الصمت وعرف أن (جيعان) نكسه على دماغه؛ تبوأ (جيعان) موقع الرأسمالي، وصار (شبعان) يقيم الكلب ويقعد مكانه؛ وكلما شافه أهل القرية؛ قالوا؛ ذقها؛ ليتها من عيونك؛ ويشمتون به؛ مرددين؛ علوة من بغاه كله خلاه كله.

00:01 | 10-07-2026