أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

العالم شركة هاجسها الربحية

مثل ما ينشغل ربُّ أسرة صغيرة، يومياً بقوت عياله، ويجول في الأسواق لاستجلاب الرزق، مما سهّل الرحمان؛ وما أغرى به الشيطان؛ وهكذا طبع الإنسان؛ ولقمة العيش (عند البعض) لا تخضع لمعيار الحلال والحرام، بل معيارها الحرفنة والمهارة، بصرف النظر عن الحِلّيَة من عدمها، علماً بأن في الاعتماد الكُلي على القدرات خللاً عقائدياً؛ فالأرزاق كفلها الله للكل؛ وجعل في الأرض معايش (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، كما أن في الاعتزاز بالمواهب والفهلوة واستباحة مال الغير دون وجه حق؛ مغالطة أخلاقية؛ إذ إنه غالباً ما من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مُضيّع، كما قال الإمام علي رضي اللهُ عنه وكرّم وجهه.

وعالم السوق الذي نشهده اليوم، لم يكن بهذا التغوّل منذ نشأته، أو تشكّله؛ فهو وُلد تقليديّاً، بمقايضات بسيطة، ثم انتقل إلى بيع وشراء، وأخذ وإعطاء، ثم تطوّر الأمر إلى إقراض، ثم تمويل بفوائد، ثم تحوّل التاجر البسيط إلى مؤسس شركة، والشركة فتحت باب المساهمات، والمساهمات حقّقت الأرباح، وتجاوزت كل ما له جانب عقائدي، أو أخلاقي؛ وطوت أدبيات التعامل، تحت إبط (دعه يعبر دعه يمرّ).

وجدتُ مقولةً للرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين (روزفلت) تؤكد على (ضرورة أن يتوحد عمل التجارة العالمية، وألا يتسبب أي إخفاق في عوق الحياة الاقتصادية، في كل بقاع المعمورة)، وهذا في الأربعينيات من القرن الماضي. والملاحظ منذ دخول الألفية الثالثة أن العالم تحول إلى شركة عملاقة، ذات مقرات رئيسية؛ وفروع طرفيّة؛ ذات أقسام وتخصصات ومهام عدة، ولأنه لا شركة ناجحة إلا بمجلس إدارة محترف، ولا إدارة محترفة إلا برأسمال محفّز، ولا رأسمال إلا بتمويلات ضخمة، فلابد من تشريعات تخدم الغاية القصوى للشركة، فيما تتمثل التحديات في نوعية الموظفين والموظفات، وهوى ورزالة وصلافة بعض العملاء والعميلات، ولذا تنتهج الشركة مرونة وجلافة لتغيير السوق، أو استبدال المنتجات، أو تغريم وتبديل العملاء.

والغالب على الظن؛ بأن العالَم تحوّل فعلياً إلى شركة، له حيثيات ومبررات، منها أن الأرقام غدت اللغة الغالبة على لسان السياسيين، فعقد الصفقات هاجس متجدد، ورفع الأسعار من لوازم تفادي الخسائر، وتعزيز الرساميل أمان للمستقبل، والتوسع في النشاط بفتح المزيد من الأسواق، يسهم في سرعة استهلاك منتهي الصلاحية.

ومن أخطر أقسام الشركة (الدعاية والإعلان) ثم (إدارة التسويق والمبيعات)، فأحياناً الشركة تبيع كلاماً، أو مواقف؛ ولخدمة العملاء فضل امتصاص وتنفيس ردود الأفعال، بعيداً عن سمع وبصر العضو المنتدب، أو المدير التنفيذي، الذي ينبغي المحافظة على نفسيته ومشاعره ولياقته ومزاجه ومحفظته.

هناك فضاء واسع؛ لا ناقة له ولا جمل فيما حدث ويحدث؛ وبحكم أن تفكيره منصب على ما يأكل ويشرب ويلبس؛ فالشركة تلبّي تطلعاته، وتحقق أحلامه الغريزية، ولا تبخل على نهمه؛ بل تحوّل كل ما هو قابل للتدوير إلى طعام وشراب ومتعة، وإن عبّر عن امتعاض ما؛ فلأنه أكل ما لم تتعوّد معدته عليه، أو لبس ما ليس على مقاسه، أو ارتدى ما يتنافى مع الذوق العام، وانتهك بروتوكول اللباقة الجمالية.

ولا تتأثر سياسات الشركة بسخط العمال، ولا باحتجاجات الزبائن، ومن مصلحة الشركة بين حين وآخر، افتعال إشكاليات، لرفع أسعار أو تخفيضها، ولا خلاف على أن الصوت الأقوى في مجلس إدارة الشركة، من نصيب مالك الحصص الأكبر من الأسهم، وبحسب حصته يؤثر في قرارات الإدارة، ويضيف ويحذف، ويجمّد ويُرقّي، ويُدني ويُقصِي.

مؤكد أن العالَم الشركة لا يقبل أن يخسر، وهو معني بالتعويض، وتقليل المخاطر، وتفادي الإشكال، وتحسين السُّمعة، ولا ريب أن الموظفين والموظفات المهرة يتبوؤون منزلة رفيعة، وهم محل التقدير، ولهم أولوية في الترقيات، خصوصاً الذين يحققون المستهدفات، ويرفعون نسبة الإنتاجية، ويلتمسون العذر للرئيس؛ ولا غنى للشركة عن التعامل مع قراصنة ولصوص وسماسرة، بالمجافاة تارة وبالمحاباة تارات، وأحياناً بالمواجهة الشكليّة أو الفعليّة، إذ لا تسمح شركة قوامها على مداخليها أن يعطّلها أو يعبث بها أو يتطاول على نظامها وآليات عملها؛ كائن من كان.

وعندما يغدو العالَم سوقاً أو شركة، غايتها المكاسب المالية؛ والربحية المستمرة، يتراجع خطابها المثالي، ويسقط إعلامها الذي طالما سوّق لعنايتها بالحقوق، وكفل حياة كريمة لكل عضو وموظف ومستفيد ومساهم. ومن الطبيعي أنه كلما غدا العالم شركة؛ أن ترتفع أسعار أسهمها؛ ويزيد تمويلها؛ وتتسع أنشطتها؛ وتتضاعف مواردها؛ وكلما تضخمت؛ تضاءلت مكانة الإنسان، إن لم يتحوّل نفسه إلى سلعة؛ بخسة الثمن.

00:00 | 24-04-2026

اكسسوار الحمار..!

لزم (المنفقع) بوصية شيبته، الذي أوصاه قبل يعصره عزران: اقن الحمير يا منفقع ترى عشرة حمير خير من بعير، وتوارثت العائلة (الحِمارة) كابراً عن كابر، لكن المنفقع بحكم خبراته الحمارية، اعتنى بالمذوَد والمقوَد، تدجين، وتمرين، وتصعيب، وأضاف للحمرنة الدِّلالة عليها في أسواق المنطقة، وكلما شافت الحمير (المنفقع) دنّت بروسها، وتحاشت النهيق، وولد النهّاق يتضيعف لا شافه، تفادياً للعنا والردى في عقاب شدا، وترتفع أسهم (المنفقع) في الشتاء، كونه موسم التزاوج، فيعدّ العدة، باختيار (صعب) مخه في ساقه، ويضرّمه أسبوعين، ويجمع له حثل الدِّلال والبراريد ربّ الله تنشطه، ويبيّض وجهه في الموسم.

يشترط (المنفقع) لكل علَوة تلقيح خمسة ريالات، وإذا قال أحدهم بشرط، تلقح حمارتي، يردّ عليه، الله يا هب لك ما هبى للتيس أبو ديس، ويضيف، تبغيني أضمن لك مصقة الحمار؟ ثم يهدأ ويقول، وحق الله ما قد فسد في معبره عبروده، وإذا صبحن عليه النسوان حلوات اللسان بالخير، يقبل منهن ما تيسر ولو منافع متبادلة (فزعة في صرام، والا نقل دمنة، والا دياس) وكثيراً ما يتجمّل بتلقيح حمارة محموم والا معلول أو شوي بدون مقابل، ويطلّق بالثلاث ما يجي فيها لا قرش ولا ريال، وأنها عسيّة.

ويختار (المنفقع) للتلقيح ضحويّة الجمعة، استثماراً لبركة النهار، وليضمن كثرة المتفرجين، فالناس ينبسطون إذا لقحت حمارة؛ لأن كثرة الحمير تكنز الشعير، وتنهز الما من البير، مثل ما قال الأول، ومن يحضر يسوّق له ولحماره (بقمان) اللي ما جا له مثيل، والقرى كلها تتطارى به، ويشترط على أهل الحمارة المشوّلة للتلقيح، الفال الدسم له وللحمار، ويبدّي الحمار على نفسه، فإذا اطمئن أنهم أعلفوا الحمار، اقترب التبسي وتخفّس لين تصرّ إذنه.

ولم يكن الحمّار المنفقع حيّياً، بل أكلح وجه ما يستحي، فيطلب من سيدة البيت، تخطم الحمارة، وتلوي حبلها على شجرة، وتلزّ مقدمتها بين الأغصان، وتشد سلسلتها، وتفتح عيونها ولا تكشر، تخلي بالها من مباقمة الحمارة، ويحذّرها تهزهز والا تمزمز فتخلع خوش الحمار، وإذا انتهى الحمار، يخمش من قاعة الشجرة طينة باردة، ويذرّها حول ذنب الحمارة كي تشفط وتقمط ولا تسقط النطفة.

غدا حمار (المنفقع) كما الجبل، ما يزحزحه عشرة رجاجيل، في زمن شحّت فيه الحمير، وغدا كنّه واحد من عياله، ولم تتوقف عنايته به عند إطعامه وسقيه، بل يندر به الغدران فيغسل بطنه وظهره، ويمرخ ذيله بالسذاب، ويفرك خنافره بالعثرب، لين يذلّي يلقّ ما كنه إلا حصان؛ ولأن المنفقع ما هوب قليل شرّ، استخذّ الناس بحماره، الذي غدت القرية كلها في حاجة إليه فاستخدمهم وطاوعوه حشمة حماره، يحرث ويدمس، ويسوّق وينقل، ويلقّح اللي مكتوفة واللي مشعوفة.

طلبت منه حرمته، يتصدق على ميتّم تبغي (بقمان) يعلو حمارتها، فقال، والله يا الصدقة أنها فيك ما هي فيها، وزاد، ما تعرفينها عين في الفحل وعين في البعل، ومن كثرة دخالتها عليه، قِبِل وقال، خليها تجيبها لي في السفل، ما ودي حد يدري، فيغدي تعب فحلي بلاش، ولم يتمالك (زهدان) ولد الميتم نفسه وهو يشوف الهيالة، فقال لأمه، يا ليتني حمار، قالت، بهوى ربي فيك، وكلن يعوّد لأصله.

غدا بقمان مضرب المثل في القرى، ومقصد الشعار، كل ما جا مناسبة، قال شاعر: (حصان عنتر ما يجاريك يا بقمان، لو كان جده من خيول القياصرة)، وقال آخر: (حي بقمان ذا يشتل حمل البغالة والجمال، والمشاديد من جور الحمولة تضيحك هاربة). وقال في اللعب: (يا حي بقمان يا نسل الحمول المطانيخ، بقمان ما ينتسم في طلعةٍ وانتداري)، وإذا قال المنفقع، اعذروني في الكساوي وإن شاء الله نكسيكم من ظهر بقمان! يردون، والله ما تجينا وش حدّ بقمان في المكاوفة ليل الله ونهاره.

ويا حليل اللي يتعرّض لـ(بقمان) بسوء، أو ينهره ولو انتزى وسط الخريف أو الصيف، فلولاه ما حد عمل ولا زمل ولا صرم ولا حزم، القرية على الله ثم عليه، ولذا غدا الجميع في خدمته ورهن إشارته، اللي يكسيه حِلس شامي، واللي يحط فوق ظهره خُرْج تهامي، واللي يلبسه غطاء رأس مكتّل، والكبيرات يحنّين ظهره وجبهته نهار العيد، والصبايا، ينسجن له مخانف وقلايد ويضفّرن شعر عرفه بالخرز الملون.

زادت اكسسواراته، وصار الكبار والصغار يتنافسون لكسب رضاه، ولم يكن يبخل بظهره ولا بعره ولا قفعته، هذا ينادي، يا منفقع معي حب باغدي أطحنه، فيقول، بين ايديك الحمار وراعيه، وذيك تستفزع، تبغي تروح حطبها من الوادي، فيرد على خشمي دهانة، واللي في نفسه شيء عليه، يقل له، شِل فوق راسك ولا معونة، فاستثقل الفقيه والمذّن، دم الحمار وراعيه، فكادوا له وكمنوا بليل، صرموا له دنقه وأعلفوه لين ضيّع وفقد الطاسة، وسروا به على شعب الجعيره، قائلين، نسدك في حُثلان اللي ما عاد يدري منين ترغي الراغية بفضل بقمان، وفي صباح اليوم التالي عاد عليهم بعافية كل عافية، وحلف حارس الغابة إنه شافه يأكل الجعير ويقصع عظامه كما عيدان الذرة.

00:01 | 17-04-2026

كلن ينبّز شوكه بِيْدُه

انقضت أيام؛ و(مفروك الليّن)، يحوف ويطوف بالقُرى، يسير على ساقه ويحبي بروحه؛ ينقي بيوت؛ يغلب على ظنه أنها تقضي لزومه، يوم يشارك بعض كبار السنّ براد العصريّة؛ وأيام يشرب دلّة الضحى مع أرامل ومعمرات؛ غضّنت السنين بشرتهن؛ ونشّفت الحوادث دمع مقلهن، وشمّط الدهر ما تبقى من شعرات حواجبهن، ويضحكهن بحكاياته ونوادره؛ ويجي له معهن لقمة من قرص مدغْوَل في رماد.

أفصح عن رغبته في عروس؛ ووعد من تسنعه منهن؛ بكسوة يسمع بها البدوان والتهمان؛ وكلما شرن عليه بشور، يتخبّر ويتحيّر، وربك المدبّر؛ سألته أخبرهن بالنُكح؛ وش في بنات جماعتك؛ ليش ما خطبت في قريتك؟ فصارحها؛ أنه راعي بلاد؛ ويبغي له وحدة قومانية؛ من بيت جور وبور؛ فقالت؛ مطلوبك عندي؛ وبدهاء عرفت خافيه، وأبدى لها بالعيوب اللي فيه، ونبّشت سرايره؛ ففرط لها السبحة؛ وأخبرها أنه عاش وأهله حياة شقافة ولقافة، وقضوا أعمارهم عطوان عند قرابتهم؛ بطونهم بظهورهم؛ ولذا عقد العزم، على الاقتران ببنت حرام، تجيب له أولاد قشران، ينتصرون للمظلّمة من سلفه وخلَفه.

قالت له صاحبة الرشادة، دقّ في كفي ريال فضة؛ فأخرجه من كمر محوي ما ندر من وسطه، حوافه مُحلت؛ فطلبت منه؛ يبتل ولا يركز مشعابه إلا في مجلس جارها (شمتان القاسي) وأوصته يطلبه ملزمة الله في أخته (مطيرة) وصفتها له وصف المحرّج للبضاعة؛ وبيّنت مزايا وعيوب ما يعرفها عن السلعة إلا دلالها؛ وفقدت له بما بقي في ثمها من نيبان؛ إنها لتملأ له السُّيح بالذراري اللي تتعوذ منهم حتى الجنّ، فانمرش من حينه، ونادى يا أهل البيت؛ رحّبت حرمة القاسي؛ وفرشت له جاعد سدة الباب؛ وما أمداه تواسى، إلا (شمتان) داخل عليه، عيونه يتطاير منها شرر، خامسه وفغص كفه؛ ولقيها حرشاء فانفرجت أساريره؛ وسرعان ما احتفش وفكّ الكمر؛ ومد به للعاني يعلقه في الزافر، فسمع رنة الفضة، وحسّ بثقلها، تقهوى؛ وأعطاه علمه؛ وقال؛ أختك مطيرة ما لي عنها خيرة، وما خرج من عندهم إلا نهار تالي.

دخل على أمه؛ ترافقه عشان تشوف العروس، قالت؛ يا هدسه الأجنبيّة ما عندها رحمة ولا ماويّة؛ بدّ اهبط خذ لنا؛ غراز وكادي، وقهوة وحوايج، وكم قطعة قماش؛ وصلت هي وياه عند الأرحام؛ وأغرقوها بالتراحيب؛ وهم في طريق عودتهم؛ سألته؛ وش أغداك عليها؛ يا الله لك الحمد؛ لا ملفى في مقعد، ولا مقفّى في مرقد؛ فلف عمامته على رقبتها وطلبها تسكت، قائلاً؛ أدري، أدري؛ إنها لا وجه ولا قفى؛ لكنّ أهلها لا يحلّلون ولا يحرّمون، أرب الله يجي لي عيال؛ يقطّرون حليب الدُّميا في عيون الكبار قبل الصغار.

راحت العروس؛ وأخرج مسدسه من بيته ورمى من فوق رأسها ثلاث طلقات؛ أوصته أُمه؛ ينذّر بها أوّل ما تدخل عليه؛ وقالت؛ (انترها من قدمها الشمال وقل دبوا منيه، والزم شحمة إذنها اليمين وقل؛ وخرجوا منيه) ولا تسمي بالرحمن؛ وابشر بالورعان؛ قال؛ بليت همها ما تصبح إلا كما امها؛ فخجلت ولقته ظهرها، وهو نسي الوصايا، ورقد قبل ما تدخل العروس عُليّتها؛ بغى يستلحقها قبل الفجر، لكنه استحى من المدغبسة صوتها يلعلع تحت الجناح.

ما مضى العام، إلا وبطنها قرتها؛ وكتب الله تجيب (ماطر، ومطران) وما طوّلت الفرحة؛ مات (مدهوف الليّن) وتنكرت القرابة للميتّم واليُتمان؛ وما انقضت حسبتها، إلا ودقوا في قفاتها وأقفية صغارها وقالوا؛ أهلك مطروا؛ عوّدي على حق أبوك؛ كبر الصبيان، وكثرة شكاوي القرية منهم؛ جارتهم تقول؛ مدري من لقط البيض من تحت دجاجي؟ والمذّن؛ يحلف أنهم خنقوا ديكه؛ والملغّب تهوّل منهم كيف وصلوا للبارود؛ وبغوا يشبون بيته بمن فيه؛ والدلّالة؛ شلّوا ضرة بقرتها، خلوها لين سرحت تختلي؛ ودخلوا السفل وكتفوا الحسيل، وامتصوا ما فيها من حليب، وهو يلمح في صنع الله بعين الحسرة.

حطّوا في كل بيت ناعية، وبعدما اشتدت سواعدهم، قرروا يعودون إلى أهل أبوهم، يدورون حقهم؛ ونشبوا في حلق ولد عمّهم (نعمة الله) فشهّد عليهم الجماعة، والجماعة في النهار معه؛ وبالليل عليه؛ وكان منشغلاً بحماية الخريف إلى المغرب، ويسرح يكلاه إلى الفجر؛ وفي ليلة تعمى ظباها؛ هجموا على الركيب؛ وما أمداهم يقصعون العذوق؛ إلا وذراع كما ذراع بعير؛ تخمهم من وراهم وتصاكع بروسهم، وقلطهم في كُرّ مليان عقش وطلح يابس؛ تخمّشوا، وذلّت دميانهم تعطي؛ وطلعت عليهم الشمس؛ وكل ما مرّ عليهم سارح، ينشدهم؛ وشبكم؟ فيردون؛( نعمة الله) فيعلقون؛ الله يزيدكم؛ طلب ماطر من شقيقه مَطران؛ يرفعه ليظهر، وهو بيمد له يده ويطلعه؛ وقعدوا في القف يتباكون؛ قال؛ مطران؛ اقرب نبّز شوكي، وأنا بعدها أنبز شوكك، ردّ عليه؛ لا لا؛ كل واحد ينبّز شوكه بيده.

00:01 | 10-04-2026

حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية

ربما لا تحاسب شعوب رؤساءها على أخطائهم وخطاياهم، إن حقّقوا لهم نتائج إيجابية، تطلّعَت طموحاتهم إليها، ومنها استتباب الأمن، واستقرار الاقتصاد. وبما أنّ التاريخ مفتاح الحاضر، وقنطرة المستقبل، وقفتُ على مقالة كتبها عام 1941م المليونير الإعلامي الأمريكي «هنري لوس» في مجلته «لايف»، بشّر فيها بالقرن الأمريكي، وذهب إلى أن المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم حينها، هي أن أمريكا لم تقبل حتى ذلك التاريخ، كامل المسؤولية لتثبيت ملكيتها للقرن العشرين، وكان الكاتب شديد التحزب والتعصب، علماً بأنه مولود في الصين، ودرس في إنجلترا، وربما كان أول الداعين إلى أمركة العالم.

لم تمرّ مقالته مرور الكرام، بل ردّ عليها «هنري أغارد والاس»، وكان يعمل نائباً للرئيس «فرانكلين روزفلت»، عبر كلمة ألقاها عام 1942م، ومما جاء فيها: «القرن الـ21 قرن الإنسان العادي، ويمكنها أن تكون فرصة أمريكا لتوفير الحريات والواجبات، التي يجب على الإنسان العادي أن يعيش بهداها، ولن يكون لأيّ أمة حقٌّ إلهي باستغلال باقي الأمم، وسيكون للبلدان العريقة الامتياز في مساعدة الأمم الناشئة، للانطلاق في مجال التصنيع، ولكن لا يجوز ممارسة أي استعمار عسكري أو اقتصادي، علماً بأن الطرق المستخدمة في القرن الـ19، لن تنجح في قرن الشعب الذي سيبدأ الآن».

نلحظ عند الكتابة عن أمريكا وقراءتها، بروز هاجس الاقتصاد، الذي تراه صلب حياتها، وأنه لابد له من قوة توجّهه وتحميه، وتبيد أو تحجّم من يهدّده، وهناك حروب عَرَضيّة غير محسوبة الحساب، محكومة بالصدفة، وغالباً تنجم عن استفزاز آني، فيما هناك حروب استعراضية، للتباهي بالقوة، وفرد عضلات، بحكم ما وصلت إليه القوة العسكريّة، أو لتمرير رسائل سياسية، ولا أدري لماذا كان الشبه الأقرب لذهني «رياضات استعراض العضلات»، فلاعب كمال الأجسام لا يُبقي عليه من ملابسه إلا ما يشبه الساتر الوهمي، كون لجنة التقييم تعطي كل عضلة حقها من التقييم، ولذا نراه يستدير يميناً وشمالاً، ويشحّط عروق زنوده وعضوده ليبدي التفوق، خصوصاً للمنافسين الشرسين.

ومما يلفت في مؤلفات الحروب، اتفاق الأساطير القديمة على التلازم بين آلهة الحرب، والحُبّ، والخصب، ولعله لم تتفق الأديان، والأساطير، والذاكرة الشعبية على شيء مثل اتفاقها على علامات الساعة، وحروب آخر الزمان، إما إجمالاً أو تفصيلاً، وإما كشفاً أو ترميزاً، وبمقاربة بين تلازم الآلهة المصنوعة «للحرب والحب والخصب»، وبين واقعنا، تعود صورة العاشق الحالم والطامح لفرض هيمنته، التي لا سبيل إليها إلا بالقتال وافتعال المعارك، فالصيت بالطغيان، يولّدُ الخوف والإذعان، بينما تحلم الجميلات بلقاء المحارب البطل وتتشرّف بالاقتران به، ومن لوازم العشق، الإسراف في القتل، لإقصاء كل نزق ومراهق عن فضاء المحبوبة، وليخلو الجوّ للمحارب الأقوى، ولا عتب على عنترة عندما قال «فوددتُ تقبيل السيوف لأنها، لمعت كبارق ثغرك المتبسم».

وإن ظفر الفارس بمعشوقته، يبدأ معها مرحلة استقرار، فتأتي الزراعة والرعي وإصلاح الأراضي، وكلما اهتنى بعيشه انفتحت شهيته للاستقواء تحسّباً لأي خطر محتمل، وفي حالة الشعور بالخطر، يقرر التوسع، لحماية خصبه ونصبه، ويفتعل الإشكالات في محيطه وجواره ليبرز عضلاته، ويرهب كل من تسوّل له نفسه منافسته أو الاقتراب من حماه وذراه. وتاريخ الشعوب مليء بقصص حروب دامت لعقود، وثأرات مات أهلها، وظلّت حيّةً تسعى، وتطل برأسها بين فينة وأخرى.

وتؤكد الكتب التراثية المقدسة أن الصراع ضرورة، بين متدينين موحدين، وبين كفار، ومؤمنين ولا دينيين، ومسلمين وأهل كتاب، وكلٌ لديه من نصوصه ما يُبوئه مرتبة الإيمان، ويضع غيره في خانة الكفر، فيغدو قتله باسم الدين والعقيدة مبرراً، ولعل عبدالمطلب جدّ النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أوّل من تنبّه لقضية الاستدراج للصراع، وخير من تفاداها، فسأل أبرهة: تريد إبلي أم البيت؟ فأجابه: لا شأن لي بإبلك، فقال: أنا حامي إبلي، وللبيت ربٌّ يحميه.

وبمراجعة سريعة لأحداث إخراج الخميني من العراق إلى فرنسا، وكفالة القوى له خروجاً آمناً، نلحظ جانباً من لعبة الأمم، فالشاه حليف أمريكا، ولذا كان تبني الخميني أوروبياً فرنسياً، وتأتي الثورة، وتتنكر أمريكا للشاه، وسرعان ما مكّنت الخميني من جغرافيا وشعوب، وخلقت له كاريزما وصنعت تاريخاً، ثم أرهبت منه العراق والخليج، ثم حوّلته إلى شرير، وسماها الشيطان، وها هي اليوم تدمّر إرثه الذي صنعته له بالأمس.

وإذا سلّمنا بأننا في زمن هو الأقرب لقيام الساعة، فما على عشّاق الدهشة إلا جمع النصوص والروايات والحكايات والأساطير، وإنزال منطوقها أو مفهومها على ما يراه ويسمعه، ففي ذلك تسلية له، وانشغال عن هاجس فناء العالم، بالطبع ليس هناك من يريد الفناء، لا حبّاً في العالم، بل لأن فكرة الخلود فطرة الإنسان، ولن يخلّده مثل عمل صالح، وما أوسع باب التفاؤل والأمل الذي فتحه لنا النبي الكريم عليه السلام «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، والغالبية اليوم نسوا أو أهملوا غرس الفسائل، بسبب تركيزهم على قُرب القيامة، علماً بأن غرس الفسيلة «طوق نجاة».

00:08 | 3-04-2026

النُخبة نقص وزنها فزاد عددها

تقول الحكاية الشعبيّة؛ أنّ إحدى الأمهات؛ اشتاقت لابنها الذي سافر للعمل في مكة وانقطعت أخباره، وعندما علمت بأن أحد أفراد قريتها؛ ينوي الحج، ذهبت إليه، وحمّلته الوصايا والسلام، فسألها؛ وين ألقاه وهو له سنوات ضاربها خريمة؛ قالت بعفويتها القروية؛ إذا وقفت في عرفة، صوّت؛ (يا من شاف ولد مدهنة الغايب عن أمه سنة) وعدها أن يبذل جهده؛ وعاد بعد الحج؛ فأقبلت عليه متساءلةً متفائلة ؛ بشّرني؟ فحلف لها؛ أنه نادى حتى بُحّ صوته، ولكن في غلبة وجلبة الناس لم يردّ عليه، ولم يعره الانتباه أحد !! فقالت؛ ليش ما قلت أصه؛ فقال؛ من يقول في الحج أصه؛ فغدت مثلاً.

كان لمصطلح النخبة، رمزيته الوازنة، ففي مجتمع القرية، لا يجرؤ الصغار، أو الشباب، التحدث في مجلس الكبار، ودورهم يقتصر؛ على تقديم الماء لشارب، أو صبّ القهوة؛ وسكب ماء الغسل على كفوف المكثرين بالخير، عقب الانتهاء من الأكل، إثر وقوف طويل بالأباريق و الصابون في أيديهم، والمناشف على كتوفهم؛ وما أكبر الحظوة، عندما يقول مغسّل يديه«غفر الله لك ولوالديك ولمن غسّل بين يديك».

وبمرور الأعوام، انحسرت تدريجياً ثقافة التقدير، لمن هم أكبر سنّاً وقدراً، ليتحول التقدير والاحترام إلى جناب المحترم صاحب المال الوفير، ثم انتقلت المكانة النخبويّة بقدرة قادر أو مُقتدر للمشاهير، ومن لهم متابعون كُثر، و للتحولات سريرةٌ لا تُعلمُ!! ورحم الله المتنبي الذي استقرأ بفراسته حال و خلال البشر «وارفق بِنَفسِكَ إِنَّ خَلقَكَ ناقِصٌ، وَاِستُر أَباكَ فَإِنَّ أَصلَكَ مُظلِمُ، وَغِناكَ مَسأَلَةٌ وَطَيشُكَ نَفخَةٌ، وَرِضاكَ فَيشَلَةٌ وَرَبُّكَ دِرهَمُ».

و كان الأقدمون يقولون «من كان أستاذه الكتاب كان خطؤه أكثر من الصواب» كون الكتاب جامد، وإن كان فيه من روح مؤلفه، وتعليقات شراحه؛ إلا أن التفاعلية افتراضية، أو من طرف واحد، فالقارئ يقلّب الصفحات، و يؤشر على بعض الأسطر، وربما لا يفهم ما قرأ كما ينبغي؛ و لذا يخرج بتساؤلات أكثر مما يحوز إجابات.

فيما أنتج التتلمذ، على يد أساتذة أو مشائخ، في مدرسة أو جامع أو مسجد أو بيت، إكساب التلميذ مهارات، و صفات تنبعث أحياناً بعفوية من وجدان أساتذته و صفاتهم ؛ ما يصقل كاريزماه، و يبني وعيه، و يثري الذاكرة، و يُجمّل الأخلاق، ويرتقي بالذائقة، و يحسّن اللغة؛ و يهذّب الجَنان؛ و يروّض ردود الأفعال، وغيرها عديد من فوائد التلمذة، وثني الرُّكب في حِلق العلم، وفصول الطلب.

وإذا كان التعلّم على الكتاب، مظنة فقدان الصواب، أو ركاكة الفهم والاستيعاب؛ و طلسمة الجواب؛ فما هو الظنّ بمن أساتذته ( وسائل التواصل) و مُعلّمه (الذكاء الاصطناعي) الذي غالباً يلفّق ولا يُوفّق، والتغيرات السريعة المتلاحقة، ربما لا تتيح للنخب الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما كانت تتيحه في الزمن الأكثر وقاراً، ولذا فهي مهددة بالفناء، أو التغييب، أو التحييد، وإن جاهدت ما وسعها الجهاد؛ في ترويض النفس على المرونة، و التصالح مع التحولات، أو القبول بتبادل المراكز؛ واسترضاء النخب الأحدث؛ التي يزيد عددها كلما تناقص وزنها.

لا ريب أن الاعتناء بالنُخب، كان هاجس المجتمعات والمؤسسات والدول لندرتها، في زمن ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الإنترنت الذكيّة، بل كانت محل حفاوة الرسمي والشعبي؛ إلى أن جاءت الآلات والأجهزة الإلكترونية، بأبطالها، و قضّها وقضيضها؛ فصنعت نُخبها على طريقتها وبمواصفاتها الخفيفة اللطيفة الظريفة ؛ و أكسبت النخبة الأجدد صفاتها الجامدة، أو صورتها المُحسّنة بالمال والتجميل واللياقة العالية، واللدانة المطواعة.

لعلنا من باب الخروج من الجدل؛ سنسلّم بأن لكل مرحلة نخبتها، التي يفرضها السوق، بقانون العرض والطلب؛ ففي ذلك كسب للوقت، وراحة البال، واحترام الذات؛ ويمكن للمتضرر أن يلجأ للسماء، أو يردد مع شاعر شعبي (وش اقعد أسوّي، لا ماتوا أندادي).

00:10 | 27-03-2026

ليلة القدر بين الرمزيّة والفتوحات البشريّة

كانت أُمّي عليها رحمة الله، تحدثنا في طفولتنا عن ليلة القدر، وكنّا نطلب منها توقظنا إذا حلّت ساعتها؛ طمعاً في تحقّق أحلامنا وطموحاتنا، دون تعب ولا بذل جهد ولا أسباب؛ إلا أنّها تعود، وتؤكد أنه لن يراها إلا صاحب قلب نظيف، وغير مؤذٍ ولا كذّاب، وسردت علينا أسماء (صدّاقين) من قريتنا، حظيوا برؤيتها، وهم ممن نقول عنهم (على نياتهم).

لا خلاف على أنّ للدِّين في البيئة القرويّة، مكانةً كبيرة، وهي من مكانة الله في صدور الناس، بما فيهم الظلمة، إلا أن غاية ما يطلبه القروي البسيط من ربه العفو والعافية، على مستوى شخصي، والمطر على المستوى العام، فالعفو والعافية يعنيان الصحة والنشاط، والمطر يعني الاقتصاد؛ متمثلاً في توفر لقمة العيش لكافة الفئات، وللمزارعين على وجه الخصوص.

ومما لفت نظري، أن هناك من يريد تأكيد إدراكه زمن ليلة القدر، بالكشف عن الليلة التي كانت فيها! علماً بأنها ليلة ليست للجميع، وما ليس للجميع، لا يمكن أن ندركه بالحواس، فهذا خاص بنور الرؤية القلبيّة التي لا ينالها إلا ذو حظّ عظيم، كما أنّ ليلة القدر تكون في بلد، وليست في ذات الوقت في كل البلدان، بحكم فوارق التوقيت، وفي صباح يوم الثالث والعشرين من رمضان، خرج عدد من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والمصورين لمناطق جبلية ليثبتوا أن الشمس طلعت بدون شعاع، موافقةً لما ورد في الحديث، لتأكيد صحة موعد ليلة القدر، علماً بأن الشمس التي أشرقت صبيحة ليلة القدر، زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليست هي بالضرورة ذات الشمس، والمناخ ليس هو المناخ، والناس الذين رأوها ونالوا شرفها، بالطبع ليسوا هم نفس الناس.

وظهر قبل شهر رمضان هذا العام، على مواقع التواصل أحد مفسري الأحلام، ليؤكد أنّ ليلة القدر ستكون ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، معتمداً على رؤية رآها أحد المشايخ كما قال، وربما كان تفسيره صحيحاً، إذ لا اعتراض على الأحلام ولا على تفسيرها، باعتبارها مبشّرات كما جاء في الآثار، إلا أنه إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف المطالع، وتفاوت البلاد الإسلامية وغيرها في الليلة نفسها؛ فمعنى ذلك أنها ستكرر أكثر من ليلة، باعتبار ثلاثة وعشرين عندنا إما متقدمة أو متأخرة بحسب دوران الأرض وحركة الشمس والقمر!.

هذه المقدمة تعيدني إلى أهمية حفظ رمزية الأمكنة والأزمنة والمواقيت، والرمزيّة مُقدّسة زماناً ومكاناً وإنساناً، وهناك رمزيات عدة لا يليق بمسلم البحث عن كنهها، إلا إن كان مُشككاً في حقيقتها، أو صحة ما رُوي عنها، والرمزيّة تقتضي عنصر مفاجأة والمفاجأة منحة لذوات لها رمزيتها عند الله، وبها امتيازات خاصة لفئة من عباد الرحمن، وإذا انكشفت الليالي والأيام الفاضلة، تفقد شيئاً من خصوصية معناها أو جوهرها، ومقاصدها وغاياتها أو جلال وجمال رمزيتها.

مؤكد أنه لا يمكن جعل العلاقة مع الله، علاقةً تعاقدية، لها مذكرة تفسيرية، وشروط قانونية، فليس من الأدب مقايضة ربنا بصلاتنا وصومنا وقيامنا، ومن المسلمين بعضٌ يُدخل نفسه في دائرة اجتراح ما ليس ضرورياً اجتراحه، ليوهم الناس أنه بلغ غاية مقصود التعبّد، علماً بأن عالم الغيب، أضعاف عالم الشهادة (المشاهدة) والدلالة الغيبية توقيفية، ولو أنفق الإنسان عمره لتوضيح وتفسير مراد الشارع من كل أمر غيبي، لكان جهده غالباً بلا جدوى ولا ثمرة، فهناك من الغيبيات ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهناك ما لا يُطلع عليه إلا من ارتضى من رسول (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول). وربما لا يُدرِك بعضنا، أنّ قيمة ما هو غيبيٌّ، وقوّته تتمحوران في غيبيّته.

وأرى، أن رمضان كله ليالي قدر وشرف ومغفرة.

و في ليلة القدر صورة من صور الاختصاص بالرحمة والفضل (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، ولن يبلغ الإنسان مهما بلغت قدراته، تفسير ولا تظهير لُب العظمة الإلهية، كونه عاجزاً عن معرفة وتفسير لُبّ نفسه، ومن لم يستطع أن يعرف نفسه، فهو أعجز ما يكون عن فهم غيره.

تلويحة؛ غاية رمضان، ومقاصد ليلة القدر، أن نعيد ترتيب علاقتنا ببعضنا، فإذا خرج المسلم من رمضان فقط؛ بخلقَي العفة والطهارة، فهنيئاً له. تقبل الله منا ومنكم.. وكل عام وأنتم ومن تحبون بخير وصحة وسعادة.

00:04 | 20-03-2026

يا الله رُدّ راسي مكانه

انتبهت زوجة (قضّام الروس) من ضكة وريحة دخان غليونه، فزحفت على أوراكها إلى قرب المشبّ المتوارية قبسه؛ واستقربت الفانوس؛ ولّعته؛ ولاحظت من ملامح وجهه أنه ما اهتنى بالنوم، فقالت؛ وشب وجهك كما جلد الحربا، الشوفة في الله ولا فيك؟ كاد يتجاهل سؤالها، ولكن لابد له من شوير، فأبدى لها سده قائلاً؛ أنا من بيت جود؛ وودي أحمل الشيمة في جماعتي، واغدي لهم دفا وشِفا، وأصبح راس قوم، فنشدته؛ وش تدوّر عندهم وش فيدتك منهم لا حملت فيهم الشيمة؟ فأجابها؛ قولة ونعم تكبّر الرأس، وتمتّن العفاس، وتكفينا شر الباس.

حاولت تثنيه عما في رأسه، وكلما هدّدته وتوعدته؛ بالشردة عند أهلها، وتخليه في كبّته؛ يردّ عليها؛ من قطّبك عساك ما تنكفين، وعدّل العمامة والعقال وقال؛ طلابتي ما يحصون، وإن قاله الله، وقلعتِ عروقك بايدك، ما أرز مكانها إلا بنت بنوت يهوى لها طير ربي من سماه، ولأنها تعوّدت على حماقاته؛ لاذت بالصمت تفادياً للتصعيد.

ما خلا ورا جهده جهد، ليحوز الوجاهة ويتغنى بكرمه ورجالته الجميع، اشتهر وغدا مقصد الكبير والصغير، والنسوان والرجاجيل، فثقته كبيرة في نفسه، ولسانه يقطّع السواري، وينقّط شيره، وفي سبيل ذلك، اللي في جيبه ما هو له؛ فيعزم ويسلّف، ويقضي اللازم، لين خسر ما قدامه وما وراه، ما درى أن الشياخة جايرة وصعيبة، ما زانت له الظروف، وقصرت به سمحات؛ بعدما أنفق من تركة أهله الراحلين، ما أثار حفيظة بقية الورثة، فوطّى المناقع فوق الزير.

تحرى حد بيبدي منه، ويعرض عليه عازه والا معتازة، لكنه ما كنه سوى فيهم لا صوف ولا معروف، شدّت له الحرمة الحلس؛ وقالت؛ اهبط السوق، كمّن يفتح لنا الله باب؛ وأكدت له بأن امتلاء الجيب يغطي العيب، فنقل نشاطه إلى السوق، وتعلّم الدّلالة، من الحمير إلى الثيران، إلى الغنم؛ وكل ما جمع له قرشين، عوّد لطبعه وربعه؛ فاستغاثت الزوجة، وطالبته؛ يصرّ الدراهم؛ قالت؛ ايدك مخروقة ما تحفظ الريال؛ وأضافت؛ إن كان إنك ملزّم تتمشيخ، فشف لك غير السوق، وخل التجارة لاهلها.

نصحه الفقيه، نصيحة غشّ وقال؛ أندر المشرق وخذ لك جلبة، إلى رأس الحول، وربك كريم؛ فركب المشدود، وديّح ويلا البادية، وعاد بسارحة تشوق العين، وما باع منها طرف، يطبخ الذبيحة في مرقة أختها؛ ويردد؛ فقير مات غني مات، وتحيّر على الديانة بمضي الحول، فأقبلوا عليه؛ فطوى نفسه في الهدم وانسدح في ركن البيت، وقال ميد مرته؛ هبي التورة فوق رأسي، نادوا عليه؛ ردّت؛ سرح الفيض بالهدم والتورة، قنعوا بكلامها، فافتكوا حمارته من السفل وقالوا للمعزبة؛ بنأخذ المشدود والوعد بيننا وبينه عند شيخ القبيلة.

طالبته زوجته بالسفر، والغربة تفرّج الكُربة، وقالت؛ الرزق مع مزاحمة الأقدام. ردّ عليها؛ واللي خلقك ما اتغانى لو تحجّ البقرة على قرونها، فدخل عليهم رمضان، والحالة حالة الزرى، وفي ليلة من ليالي العشر الأواخر، أيقظته زوجته منتصف الليل قائلة؛ ألحق الرزق يا قضّام الروس؛ وقام داجر وعلّق بالطاقة ذات العوارض الحديدية؛ وأدخل رأسه من بين صيخين؛ ورفع يديه إلى السماء، ودعا؛ يارب تجعل رأسي أكبر الروس، فانتفخ رأسه لين غدا أكبر من رأس الثور، حاول يستعيده من بين العوارض، فلم ينجح، نشب، وما وده أحد يسمع مجادلته هو والمرة، فطلب منها؛ تجيب له دهانة؛ وتمرّخ آذانيه وتسحبه من قفاته؛ سحبت راس بقعا، ولم تفلح في ادخالها.

سألته؛ وش طلبت من ربك، فقال؛ طلبته يجعل رأسي أكبر الروس، فقالت؛ باب السماء ما زال مفتوحاً، فاطلب الله يصغّر رأسك؛ فدعا ربه يجعل رأسه أصغر الروس، فغدا كما المسحقة بين أكتافه، ولاحظت أن منظره يثير السخرية، فقالت؛ باب السماء مفتوح، استلحق الإجابة واطلب الله يرد رأسك سواته؛ فقال؛ ربي رد رأسي كما كان؛ فعاد رأسه إلى وضعه السابق؛ علّقت الزوجة؛ يا سبعة يا سكون إن كان أفلحت بركة ليلة القدر، في نفشة الراس وفشّته.

استرد أنفاسه، وطلب منها تلحقه بطاسة الماء؛ وتواسى على مقاعده في بسطة الطاقة؛ شرب لين روي، وبدع (من بعد ماصار راسي زايد واكبر الرووس، بعد النشب قلت يا الله رد راسي مكانه).

00:24 | 13-03-2026

طِعْ شوري.. وماطراني

خرج (لَغبان) إلى الدنيا؛ بين تنك البارود، وصليل العتل، ورائحة القاز، فتشبع بروح المغامرة، ورضع من صدر أمه كبر الهمّة؛ واستقى من مندار أبيه إلى الآبار الخطرة وصعوده منها، روح الفداوي اللي على الفلات ناوي، وشبّ عن الطوق؛ أحرش اليدين؛ مفتول الزند؛ ببركة سنّ العتل؛ ونقل المطارق والفوانيس الثقال؛ وطلي الفُرص بالقاز كي لا تصدّي، واختار في طفولته لنفسه عتلة متوسطة المقاس؛ وكان يتدرب يومياً على نقر أقسى وأعتى الصخور، وما يروح البيت إلا بعدما يغدي الصخرة اللي تولّجها فتات.

ضعف شيخ القرية، ولا ولد له يحمل راية نوده، ويحفظ ركزة عوده، في بيت جدوده؛ فزهم على الملغّب وقال؛ بنتي (قرمة) قاسية رأس، وولدك (لغبان) دمه فاير يليّن الصُفيان؛ خلّ ما يليّن رأسها اللي كما النبقة؛ وانكتب النصيب، والنصيب غصيب، ولكن الأنثى المغناج؛ طوّعت المراهق النفاج، فالأنوثة سلاحها في مجابهة أمه ووالده الملغّب؛ اللي كل ما أصبح وسمع خرير الماء في الطشت؛ قال؛ خافي الله يا قرمة في الملاوك نشف مخه؛ وما عاد فيه سرّة ينقر حصى المقلّع، نعمة في الأسبوع مرة، وكأنه يقول لها؛ أشووو.

دعا العريفة؛ الفقيه والموامين؛ وقال؛ ما بقي من عمري كثر ما مضى؛ وإن ودكم بالهيبة فاعطوا عرافتكم الملغّب؛ خصفة، وصحفة وبلاد وغراس؛ وصلابة راس؛ وإن كان تدورون الخيبة فاعطوها الفقيه؛ انقلب وجه الفقيه؛ وقال؛ عشان أعطيتاهم بنتك؟ وش فيهم أحسن منّا؛ ردّ عليه بالقول الفصل؛ لا تضيق من شيء خبرته فيك؛ لا قلب ساطي؛ وما تخرج من المواطي، وايدك مشصبة على الدنيا، وما قد كثّرنا بالخير في بيتك، يسدك محرابك، وتكفيك الزكاة اللي تأخذها من الجماعة صيف وخريف، فنكّس برأسه على صدره، وأدرج المسواك فوق سنونه اللي كما سنون المقصب.

مات الشيخ، وقال العُقّال؛ والعارفة؛ خذوا بوصيّة الفاني، واكسبوا الداني والعاني، وكلفوا المذّن؛ يعلنها فوق القبر؛ شيخنا (الملغّب) والضايق رصاصة، كاد الملغّب يتعفف، وقال يا جماعة الخير؛ أنا قبس وشغلتي البارود، وراعي مجهود، اسرح قبل الناس وأروح آخرهم، من بير في بير، ومن مقلّع في مقلّع، ردّوا بصوت واحد؛ الشياخة في بيتكم؛ وولدك (لَغَبان) حُرّ من ظهر حُرّ؛ رشّده وانحن وفايته؛ لمح في ولده؛ إلا وهو يومي برأسه؛ فقال؛ طاعكم الله وربنا يعيننا عليكم، ويعينكم عليه.

من ثاني يوم عرافة؛ قصد (لغبان) نجّار العُتم، وقال؛ ابغيك تنجر لي مشعاب يهابه اللي يسمع به قبل ما يشوفه؛ واللي يشوفه قبل ما يعلّم في ظهره؛ وابغي رأسه مدملج، واسفله مسلّك؛ وسُنّ القدوم لا تنشف رطوبته، ولا تكسر هيبته، ابغيه؛ دهفة واحدة والقبر؟ فنشده ساخراً منه؛ وش حاجتك للعُتم يا بو عتل؟ فأجابه؛ ما سمعت أن العرافة عادت عند آبي؛ وآبي ما هو فاضي لها؛ أنا اللي باصالي واكالي اللي مثلك وشرواك؛ من سراية الليل؛ قطاعة السيل والسا، كاد يردّ عليه ولكن شاف زنوده اللي تروع وتزوع البعير؛ فبلعها وبجم.

كمن لغبان للذيب؛ وقنصه بعد مغرب في وادي الفيض، وجمع دمه في قربة؛ واشتوى كبدته وقلبه؛ وسرى؛ ونقّع مشعاب العُتم في دم الذيب، حتى تشرّب الدم، ويوم الجمعة عقب ما صلت القرية فرضها؛ وقف وقال؛ منين تسمعون يا بني دحلسني وادحلسك؛ تشوفون هذا المشعاب؟ فما نطق ناطق؛ فكمّل؛ آبي عريفتكم، وانا خادم له؛ وبيني وبينكم «طِع شوري» نشده المذّن؛ منهو (طع شوري يا لغبان)؟ أجاب؛ هذا اللي فوق كتفي يا ديكان؛ والله يلي ما يطيع شوري؛ لاخلي بعضه يركب بعض، فخرجوا ما هرجوا وركبهم تتصافق في بعضها

قرروا حفلة؛ ودقوا الزير، وانتظم المعراض، وتوافد الشعار من القرى والشعاب؛ وبدع شاعر المضيفين مُرحّباً (مرحبا عند شيخ يفجر العين من حُلّق صفاها، والشياطين تجفل من نقوره ومن بارودها) قال شاعر الضيوف (يخطي الظالم ويتحمّل خطاياه المظلّمه، مثل نورن ينعرف لا عادت ارض الله مظلّمه) نزل الميدان على أنه يكسيهم؛ وشموا ريحة طع شوري، وقالوا بصوت واحد؛ وقفتك بيننا يا لغبان كسوة! فانبسط ونقل المشعاب على الكتف الشمال، ودسّ في جيب كل واحد ريال عربي.

كانت زوجة لغبان؛ بنت العريفة الفاني، مغرورة بحلاة مقدمها ورسمة قفاها؛ وتمردت على لغبان الضعيف أمام نداء الغريزة؛ ثم لاحظت أن نفس لغبان بدت تكبر؛ فصارت كلما قرب منها قالت؛ افوه ريحتك بارود، وإذا طلب منها تقوم لعمل أو تلبي حاجة؛ تردّ عليه؛ (ما طراني) وتضيف؛ أربّك حاوي معك أربع مثل ما معي؛ خلاها لين خرجت بابريقها تسقي الدجاج وانثنت تصب الماء في زبديات، فتحمى من وراها وصمقها بطع شوري؛ فأندر كتفها من معلاقه؛ صاحت وناحت؛ وقام أبو لغبان يترضاها، وامسحيها في وجهي؛ والله لانتصر لك منه قبل ما تغمض عينك واستوفي منه دينك؛ ومن يومها؛ وهي تشوف خياله في الما؛ وكلما نشدها؛ يطريك والا ما يطريك؛ تقوم تسعى مرددة؛ يطريني أنا دفعك يطريني؛ فيشعر بالفخر بأنه خلاها عبرة لمن يعتبر.

اشتكى المذّن على الفقيه من لغبان، وقال وهو يتباكى؛ لزّني يا الرفيق بقعر طع شوري قاعة إذني، وبغى يختلعها من جنب صفحي؛ علّق؛ ليته أشكل تستاهل أكثر، ما هوب انت اللي قمت يا ديكان فوق القبر تتفشخر وتنصّب أبو بارود شيخ علينا؟ فقال؛ ما هي من شوري يا فقيهنا؛ الشاعر وصّاني من الصبح؛ وحلف إنها في رأسي؛ ردّ عليه؛ ما تعرف إن شاعر الخِربة ما يشتي مني ومنك لقمة؛ وأضاف؛ شف لغبان يمعى ويفرث بطع شوري اللي رواه بدم الذيب؛ وما حد يجرى يوقف في وجهه؛ قال المذّن؛ ايوه ياخه قتلة الرجال عنده والتفلة سوا. علّق؛ بقعا تفجعك وتفجعه.

تسامعت القرية والقُرى المجاورة بطِعْ شوري، فوقف كل واحد على حدّ محاكمه؛ وإذا احتاجوا العريفة في عازة يترقبونه؛ إن ردّ عليهم وهو قاعد؛ جلسوا وسمعوا وطاعوا؛ وإن استقام ومدّ يده على مشعابه؛ فرّوا هاربين وأصواتهم يتردد صداها في المساريب (المغفّل ما يطيع الشور، لين يأخذها محثّله).

01:06 | 6-03-2026

الدُّجر سمط والزمبلك انفرط

حلفت الجدة لأحفادها باللي يفقدها عافيتها أن الديكة تشوف الملائكة، وتجيها خرعة من ضخامتهم، فتظلّي تِدّلس، من هول ما شافت، وأثنت على الله؛ اللي سخّر لها ديكها المشبوب؛ يونسها بصوته وحشتها؛ ويؤذن فيذكرها بصلاتها؛ فتستيقظ، تتسحر وتطهر وتصلي فرضها، وتذكر الله.

استلموا من سواق اللوري؛ ثالث يوم من رمضان، هدايا من أخو المهرّف المغترب، وكساوي عيد، وساعة (زمبلك) وارد رومل؛ ومن يومها، انقدحت شرارة الفتنة بين ولدها (المهرّف) وبين الديك، كلما شافه يحداه، وده بمرقته بعدما صار عنده ساعة، ومن رهبة الديك منه؛ يقضي يومه بعيداً عن ناظريه، يدرّج من بيت في بيت، ومن رباع في رباع.

قرص الجوع حفيدها البكر، منتصف نهار رمضان، فحبى إلى سحاريتها، ولأن قُفل السحارية قديم؛ انفك بشدّه للأسفل؛ خمش له من خريطة اللباب هبشة، ودحشها دفعة واحدة في ثمه؛ على دخلة الجدة، وما امداها تنشده؛ وش في ثمك يا الطرع إلا وهو يسابق الرياح من مساريب الوادي؛ علّقت؛ ما عليه يا سُرقان، والله لاخترجها من عينك اللي كما صُرّة مُكحلتي.

انقضى يوم صوم طويل؛ وعاد المهرّف حاملاً فوق رأسه، قفة مليانة دُجر، تعشوا على ما قُسم، وصارح المهرّف، والدته بعزمه على خصي الثور، فاحتجت زوجته؛ وقالت؛ الثور ثوري.. نسيت أن خالي أعطانيه كسوة يوم تروحتاني؟ ردّ عليها ساخراً؛ ما خبرنا حد قد كسا حرمة ثور، خالك يبغى الفكة وانشبنا؛ وأضاف: الثور شرّهنا من الجماعة، كل ما لقيت واحد منهم، قال؛ اربط ثورك وشبك مفلّته فوق بقير خلق الله؟

وصلت غَلَبتهم مسامع الجيران، تعاطفت الأم مع زوجة ابنها؛ قالت ثورك يسقي ويحرث ويدمس ويديس ويسمّد؛ ثم ودك تحرمه من شيء خلقه الله فيه؟ علّقت زوجته ضاحكة؛ بعض الناس معه جكرة من الثور، فقطع عليها وجه الكلام لوالدته؛ الله أكبر نسيتي يوم تقولين أهلك الله يرحم الحصى، كان عندهم مماليك، وكانوا يخصّونهم؛ فقالت؛ ذاك الوقت؛ كل الدنيا يخصونهم؛ حتين يقدرون يتحملون الشقا، وعشان يحمون النسل، تضاحكوا فقالت؛ قد قالها المقوّل يا حامل المعيان يا حرامي، تعالى الضحك، فأرادت والدته؛ أن تنتصر لأهلها فردت عليه؛ أبوك الله واليها لقيته تحت الجناح مكتّف الديك، يقول والله لأخصيه؛ غصباً افتكيته من بين ايديه؛ لو ما هتلته وقلت؛ الله يا من يقول معك عقل يأخذ عقله، إن كان تخصي طير ما معه خصاوين، ما معه إلا هواء يبيّض به الدجاج، فالتفت المهرّف جهة الحطب؛ ما شاف الديك، فسأل حرمته؛ الديك ما أشوفه؟ جاوبته؛ خرعان منك تلحقه جده اللي بغى أبوك يخصيك، فعمت الضحكات فضاء وأجواء البيت الحجر الذي يسع الحلال والعيال والحطب والعلفة وهو شقيق مترين في خمسة.

طلب من زوجته قبل ما تنسدح، تكشن على الدجر بحبة بصل، وتخليه فوق الكانون وتخفف الجمر تحته، لكي يتسحرون به، أبدت الزوجة تململاً، متعللة بغياب الديك، وقالت؛ من شرقة الشمس وانحن ما رفعنا ظهورنا يا مسلم، وما رحنا من الوادي إلا براطمنا ما واحد يلحق الثاني؛ بنرقد وما ندري متى نقوم؛ الديك ما هو عندنا يصحينا بصياحه؟ علّق؛ صاح الله عليك.. با عيّر الساعة اللي أرسلها آخي، تصحي نوام الكهف خلي عنك، تصحّينا وتصحي الدار كلها.

رقدوا بدون ما يتغطون، بسبب حموة القيظ، الجدة ودها بالدُّجر ومستثقلة تخرج من كيس نومها؛ وتعرف أنه ينفخ البطن، وطّت رأسها وما استيقظوا إلا مع شرقة الشمس؛ كاد المهرّف ينفرد بحلّة الدُّجر السامط، فلزمت زوجته كفه، قائلة؛ اعقب إن كان تفضح نفسك من السفان، ما سدّك الدخان، علّق؛ تبغيني أصوم الدّلج، ثم على ايش اتتنبك وبطني فاضي؟، دفّته؛ وقالت؛ وين ساعتك اللي تصحي القرية من أعلاها إلى أسفلها؛ علّق ضاحكاً؛ الدجر سمط والزمبلك انفرط، ولقّاها المسبولة.

في الوادي متسع، لتعويض ما فاته من السحور، والله رحيم غفور، تعلّق في حبلة العنب الرازقي؛ وكثّر فذبحه حلاها بالعطش؛ تلفّت يمنة ويسرة؛ ما شاف أحد حوله؛ فانبطح على بطنه فوق العتلة، وطمّ في فلج الكظامة! صادته زوجة رجال حلّ في القرية؛ فقالت بلهجة يمانية؛ هِبّ يا سلوقي رمضان ما تتقي ربك تدعقه، ردّ عليها؛ الله لا اشتكرك انتي والغريب حقك، والله لو يلحقك ويلحقه بعض ما يلحقنا؛ لتدعقونه يا جراد الحديدة وما تبقون في الشجر ثمرة ولا في البئر قطرة، ثم غسل لها قُرط باقي معه؛ ومدّ به بحنيّة؛ فتناولته على استحياء، ونشدته بأنثوية؛ ما علينا إزر؟ فوضع أصابع كفه الثلاثة على رقبته قائلاً؛ تراك في هذي الرقبة.

00:25 | 27-02-2026

أسلمة الشخصيات التراثية.. حمامة المسجد

لو طرح أحدنا اليوم قصةً من قصص بيئة محليّة أو جهويّة، فقلّ ما سيتقبّل الحضور القصّة كما هي، فهناك من سيرفضها وينكرها من أصلها، ويراها مُختلقة؛ وهناك من سيصفها بحديث إفك، وهناك من يضيف إليها، وهناك من يحذف منها، وهناك من يحوّرها، وهناك من يرحّلها إلى بيئة أخرى، تفادياً لما ترتّب عليها أو سيترتّب، مما يخشاه المستمع الذي تلامس القصة أسلافه بدرجة من الدرجات، علماً بأنها حديثة عهد، وتعوم في بحر نصف قرن من زمن مضى، وليست موغلةً في القِدم، وربما بعضُ رواتها أو شهودها أحياء.

وقراءة التراث في رمضان فائدة ومتعة، فلا داعٍ لانتظار حلقات مسلسل تاريخي سيناريوهاته موجّهة؛ فالمنبع أصفى من المصبّ، والعودة إلى السِّيَر التراثية سبر لأغوار شخصياتها، وغالباً لا يمكن لكل من يقرأ تراثه أن يكون قارئاً محايداً، فهناك قارئ يستسلم لغواية موروثه؛ ويسلّم بمروياته تسليماً كُلّياً، وهناك من يرفضه رفضاً مُطلقاً، والعدلُ يقتضي ألا نحكم على التراثِ إجمالاً بالنزاهة، ولا نتحامل عليه في سبيل إدانته بالتفصيل، ويمكن أن نقرأ للمُتعة، لا لتسجيل انطباعات، ولا لإصدار اتهامات، فمثل ما هناك مذهب الفنّ للفنّ، والفنّ للتسلية، والفنّ للاستشفاء، فكذلك القراءة، التي لا تحاكم بها الشخص، ولا تحتكم بها إلى النصّ.

ولكل قارئ تراثي منطلق؛ ومبررات وحيثيات، منها ما هو منطقي وموضوعي؛ ومنها الذاتي القريب من العاطفي، الذي ينظر إلى التراث بكُلّه نظرة إعجاب لا مساءلة ولا عتاب، ولا غرو أن تحاط بعض سِيَره بهالة كبيرة تحجب عنا، أو تخطف منا بشريّة الفرد، وقدراته، وعواطفه؛ وأشواقه؛ ورضاه، وغضبه، ودهاءه، أو حماقته، وكلٌّ ما هو كذلك وأكثر من ذلك، مما هو من طباع الناس، وفي أصل فطرتها.

ولعلنا نتفق على أن التراث، ليس ملاكاً ودوداً؛ كما أنه ليس شيطاناً مريداً، وإن أوحى تاريخ بعض شخصياته بشيء من الشيطنة، إلا أننا باعتبارنا قُرّاء حالمين، نقع في خطأ الاحتكام إلى معايير أخلاقية، والتراث عبر التاريخ لا يمكن أن نطلق عليه أوصاف الكمال بالتواتر وبالقطعيّة، ولا نجرّده من مزاياه لمجرد أنه خبر آحاد لا يبلغ درجة المتواتر؛ وشخصيات التراث عدا الأنبياء عليهم السلام، بشر لهم محاسن ومزايا، وعليهم أخطاء وخطايا.

ومن الشخصيات التي لها كبير فضل على العرب والمسلمين شخصية الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي قيل عنه (إن الناس يولدون أبناءً، وهو وُلدَ أباً)، بل عدّه الأعمش، فيما نقله عن أبي الزناد من فقهاء المدينة وقال هم أربعة: (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان). وروي عن نافع (لقد رأيتُ المدينة وما بها شابٌّ أشدُّ تشميراً ولا أفقهُ ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبدالملك بن مروان). وقال الشعبي (ما جالستُ أَحداً إلا وجدتُ لي فضلاً عليه؛ إلا عبدالملك).

ولم ينزّه عبدالملك بن مروان، نفسه من أخطاء وقع فيها، لم يكن قصده سيئاً بحكم أنه من أعرف أهل زمانه بكتاب الله، ودليل شعوره بشيءٍ من الذَّنْبِ أنه كان يدعو في أُخريات أيامه «اللهم إن ذنوبي عظام؛ وهي صغار في جنب عفوك». علّق الذهبيُّ على الدعاء: قائلاً (الحَجَّاجُ مِن ذنوبه).

وكان من الألقاب التي أطلقت على الخليفة الأموي الخامس، والمؤسس الثاني للدولة الأموية قبل توليه الخلافة (حمامة المسجد)، ومما يُروى، أنه لمّا جاءه نبأ توليه؛ أغلق المصحف، وقال هذا آخر عهدنا بك، أو هذا فراقُ بيني وبينك، وقيل إنه قال في أوّل خطبة له «من قال لي اتق الله رددتُ عليه بسيفي»، وهذا غيض من فيض ما جُمِع في كتب التراث، والذي لا يمكن وضعه في كفّة التصديق الانفعالي، ولا كفة التكذيب الغالي.

لعبدالملك بن مروان، رحمه الله، من الإنجازات ما يؤكد، استثنائية شخصيته، فهو على مستوى القيادة والإدارة، وتوظيف الخبرات من أكفأ الخلفاء عقب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولكن من يهب الشخصية التراثية عصمةً ما وهبها لها الله ورسوله؟ وربما جاشت عاطفة الإعجاب بحكم ما تربينا عليه أو تعزز لدينا من تمجيد النماذج التي نقل لنا التاريخ جانبها البطولي أو الحضاري، والعاطفة ليست معياراً نزيهاً في كل الأحوال، إذ متى تكشّفت جوانب منفّرة عن الشخصية المقروءة؛ فالعاطفة ستنفر منها، ويمكن أن نقول إنّ الاعتراف ببشريّة الشخصية التراثية، أعدل من أسلمتها.

ولعلّ التراث لم يحظَ بما حظي به الحديث، من نقد وتمحيص، ودراسة السند والمتن، وإن كان حدث فليس بتجرّد دوماً، ولا بحُسن نوايا غالباً، إلا أن إشكالية البعض في التعامل مع التراث تتمثّل في تعامله معه تعامل الدِّين، ومنح شخصياته قداسةً، تغدو حصانة؛ ما يحرم عاشق التراث من قراءة الظواهر والأحداث التاريخية، بشيء من النقد والتحليل، وفق ما تقتضيه ظروف كل مرحلة، فالشخصية العامة محكومة بظروف زمانها ومكانها وإمكانات عصرها، ومعطيات وتأثيرات مراكز القوى حولها.

ولأنّ معيار بعضنا عند قراءة شخصيات التراث تراثيّ، فربما جنى أو تجنّى عليه؛ أو تجنّن منه؛ فمن المعايير التراثية ما هو فقهي كوصفنا لفعل أو سلوك أو عمل بأنه حلال أو حرام، ومنها معايير اجتماعية؛ مثل توظيف مفردات عيب على سبيل الذم؛ أو فحل بقصد الإطراء وقلّ ما نجد في تاريخ شخصيات التراث؛ شخصية لم تجنح يوماً إلى تصرّف بشري عفويّ، أو عُنفي؛ أتى كردة فعل على موقف أو حدث، كما نقرأ في سير أعلام النبلاء قوله عن شخص واحد (فقيه، عابد؛ سفّاح) ولكل وصف من الأوصاف شواهده البالغة حدّ الاستفاضة.

تلويحة؛ في أسلمة التراث إساءة إلى الإسلام، كما أنّ أنسنته تبرئة له من الإدانة، وما نعرفه عن تراثنا شظايا من صورة تم إعادة تركيبها مراراً، إثر انكسار البرواز أكثر من مرّة.

** مبارك عليكم رمضان، وكل عام وأنتم بخير.

00:24 | 20-02-2026