أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

أبعد اللحم ع اللحم لا يخرب

تلهّمت (حامية) شيبتها المرحوم، وطولة ذراعه، وسرعة كُراعه، واحتلاجه بين الثيران في موسم الحرث والدياس، ففاضت رموش عينها بالدمع الساخن، وتناوشتها الذكريات بين البيت والوادي، وغنّت (يا ليت ما مرّ من عمر الصبيّة توخّر، يكون ذاقت من الحالي مع المر شويّة) وعدّدت بعض محاسنه، واستدركت عندما لمحت جارها (المفتول) يطهر لصلاة الظهر، وكيف أن زهرة شبابها ذبلت، وهي تحرم نفسها من طوف وإلا طوفين من ساري ليل، وإلا قطّاع سيل، حشمة (سنعوب) اللي لا هو ملح يذوب، ولا لبن يروب، فانقلب مزاجها، واستعادت عذاباتها الوهمية معه، فانفرط لسانها بالدعاء على الفاني، الله يجعله في جحيم وحال سقيم، ويحرمه النعيم، ما قد بدا عليّه بعذق كادي يوم المطاليق يصدرون بالزنابيل والسُّفر تفوح بالعطر والزفر، وش التهم منه، لا كسوة يوم عيد ولا مرود جديد، وكي لا تظلمه قالت، ما باغش ذمتي كان راعي بشاشه، وضروسه تقضم المشاشه، وفي الشتا يخصي الكباشه، ويدفّي فراشه، رقّ عليه قلبها ثواني، ثم علّقت، جاه ما سدّه، تولاه أبو الصدر الدالع، والبطن البالع، والعقل الخالع، لين ما ظلّا فيّه عرق ينفح.

أفتنها ابنها (سنعوب) متى تخطبين لي (زينة) بنت خالتي؟ وهدّدها لو ما خطبتيها، لأسافر وما عاد تشوفيني، ردّت عليه، يا ولدي بنت خالتك شيمة وقيمة، وخطابتها عشرة، وخالتك تبغيها تدرس وتتخرج مدرّسة، وانته لا بعد فدت ولا صدت، ومن يوم استحبّ المولى في شيبتك، وأنا في رجا الله ثم في رجاك، ومن يطلب الفود جابه، والمراجل يفيدها مغبّر شاربه، وذا ما يغبّر شاربه ما دسّمه، رمى عمامته من فوق رأسه على ركبته، وأدخل أصابع كفه اليمين في شعره الأكعش، وصار يحك، ويسرد عليها حكاوي يسلي بها نهارها، ويصوّر لها أن ما مثله في البلد ولد، وحلف لها أنه تطارح مع الجنّي وطرحه، واقتعد وأضاف، ثم شالني الجنّي بكعشتي، وطحت كنّي جاي من جوّة العرش، وصحيت إلى ونّي تحت السرير، فضحكت، فقال، ما دام ضحكتِ، فمتى بتخطبين لي بنت خالتي؟ قامت، فطلب منها تزبط له البراد، وأخرج البكت، أقربت منه الكفكيرة والفنجان وقالت بضيقة، تكنفح.

شاورت (حامية) شقيقتها (نامية) وأبدت رغبة (سنعوب) وأنه منتحي (زينة) حليلة حميلة، فطلبت منها تعدّي تتقهوى وتسمع منها جوابها، قالت البنت، يا خالة ولدك لا ضيعة ولا بيعة، وما يعرف يراكب كلمتين فوق بعضها سواة الخلق، وأنا باكمّل دراستي، وذلحين قلي له، ما له في سوقي مسوَق، ونظرت لأمها قائلة، وش يقول المثل؟ ردّت أمها وخالتها، وش قال؟ فقالت: (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب)، وعندما سمع الردّ، حسّ في قلبه كما حزّ الجنابي، فاحتزم بجنبيّة الشيبة، وقام يقصّد ويحتلج: (الله يرحم جدّي اللي شرا الجنبيّة، يبغيني أوفي قالته واحتزم بها)، ومن تالي نهار، ركب مع سايق مرتدس، في الغمارة بخمسة ريال إلى الطائف، وحلف ليغدي سنعوب سنعوبين، ويرد الصاع صاعين.

قال له سواق الشاحنة، انصب ركبتك من فوق القير يا واد، ردّ عليه، انصب ركبتك أنت الله يجعلها تعطب، وشدّت الهروج، فقال، اعرف ماضيك لا تقعد تنخّس الكلام يا شرّاب القاز، فعلّق السواق بلهجة مكيّة، ما هو بدري عليك السفر يا غرنوق، فتضاحك الركاب، فحزم عمامته على رأسه، وقال، تحسبني باقي أرضع أصبعي، وأضاف، ترى يميني طويلة لا تخليني أمدّها، فقال السواق، طويلة مدّها في صحن الرزّ يا فرخ القُمري، فتعالت الضحكات، فحلف (سنعوب) ما عاد يبقى في الغمارة إلا ما بقي، وصعد إلى السلّة، وكلما قيّلوا في وادي أو باتوا على ربوة وقام السواق يصلّي بالركاب، يفنجل عينه في السايق، ويقول، تصلّي يا سكّار، فيضحك السايق، ويرد عليه، يا غرنوق ساعة لقلبك، وساعة لربك، وساعة كفاك الله شرّها.

وصل إلى مقصده، وجاودوا به أهل الخبرة عند تاجر فاكهة، واعتنى به عمه المكاوي، وسجّله في مدرسة ليلي، وتعلّم وغدا صاحب قلم، وخبر الهوى وعاشه بكل التفاصيل، وتولى دكان عمه، ونجح فسلّمه الخيط والمخيَط، يقفل الدكان، ويرجع للدهليز المُخصص للسهرة، وفي ليالي الشتاء الطويل تعلّم الفنّ على أصوله، وصار خبير في الكيف، وماهر في تخمير الفواكه منتهية الصلاحية، وذات ليلة صحي ضميره، فقال: شمتّ بالسواق السكّار، وابتلاني ربي، وردد المثل: (عاب على ظُهريّة الجُلاس، وما حبكت السهرة إلا وهو بينهم يدير الكأس).

بعد أعوام، تذكّر (زينة) بنت خالته، وعينه قاطعة تالي الأيام على خزنة (الكركوبة) كما يُطلق على عمه المكاوي، وكانت يده طويلة أكثر من اللازم، وعاد للقرية بالأرزاق، والمفارش، والكساوي، ورادي بسماعتين، ومن وفرة ما عاد به، بغت أمه تحاحي، وخالته كل يوم وهي مقبلة عليهم بالفتّة والقشر، وسنعوب ما يفتي بزينة الذِّكر، قالت الخالة، ما للبنت إلا ولد خالتها، فانفرجت أساريره وأسارير والدته، ورغم تمسك زينة بموقفها وترديدها (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب)، إلا أن أمها، طمعت وفركت شحمة إذنها، وهي تردد ضريتِ بالفقر يا بنت آبوها.

ليلة العرس، أخرج سنعوب السوبيا من جركل مدفون في العلف، وكلّف (زينة) البنت القرويّة العفيفة ما لا طاقة لها به، وفي لحظة حماقة حذفها بالرادي، فصابها في المضّاغة، وفاضت روحها قبل طلوع الفجر، وهرب (سنعوب) قبل شروق الشمس للجنوب، وأظلمت القرية التي كانت زينة بدر ليلها وشمس ضحاها، وحزنت حتى حصى الطريق التي كانت تسرح وتروح منها، وقضت أم زينة، بقية عمرها تندب حظها وحظ بنتها، وتعاتب نفسها، ليتني سمعت كلام زينة (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب).

00:02 | 23-01-2026

التخبيب السياسي والتطبيب

لم يعد التخبيب قاصراً أو مقصوراً على إفساد العلاقات الزوجية، بإظهار محاسن بديل خارجي، مقابل الاستخفاف والمقارنة الجائرة بأخلاق الأصيل الداخلي (الخلقيّة أو المختلقة) لتتسع دائرته، فيشمل تخبيباً إدارياً، وعائلياً، واقتصادياً، وربما رياضياً، والإسلام يرفض التخبيب؛ باعتباره من (إفساد ذات البين)، وهو حالقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحلق الشعر بل يحلق الدِّين.

والعلاقة بالهويّة القوميّة، أو الدينيّة، والانتماء إلى الجغرافيا، والولاء لإرث تاريخي وثقافي، ليس بالأقوال، ولا بالشعارات، فالذين رددوا شعارات، ورفعوا صوراً ولافتات (ممن عاشوا وتعيّشوا على الادعاءات)، إما أنهم أوّل من يهرب عند حلول الأزمات أو أفجر من يطعن في الظهر في أحلك الأوقات.

للدوّل محطات فاصلة في التاريخ، ولها كبوات لا تقل عن كبوة جواد قلّ ما كبا، ويتخلل المسير والمصير منعطفات مُحرجة، ومؤامرات ودسائس خفيّة ومُعلنة، وكل إنجاز له حيثياته، وكل إخفاق أو تعثّر له أسبابه، ومبرراته، ولم تمض دولة عبر التاريخ في منحىً تصاعدي منذ نشأتها إلى ذروتها، عدا بلاد الحرمين، بفضل الله أوّلاً ثم بفضل خبرات سياسية تراكمية، يتلقاها الوعي من المهد، بضمير حيّ، وقلب نقيّ، وعقل سويّ، ونفس عفيفة، إلا عن المجد والسموّ.

وفي علم السياسة العملية، ليس هناك سياسي هاوٍ، بل السياسي محترف، فعله محسوب، وردود فعله غير متوقعة، خصوصاً إنْ كان وطنه أولوية، فلا مغامرة ولا مقامرة، ولا تبعيّة، بل إعلاء مصالح تراعي مكانة الدولة التاريخية، وتحفظ حقوقها القانونية، وتؤثر الثابت على المتحوّل.

وأزعمُ أن المواطن الصالح، يعيش شؤون وطنه وشجونه، ويعايش الأحداث، ويتمثّل في كل لحظة مراحل الكفاح، وحقب التحديات، ويميّز صدق المشاعر من زيفها، وتتجدد ثقته في قيادته بمرور الزمن، كونها تثبت أنها أقرب إلى الروح والعقل والطموحات، ويدرك ثقل مسؤولياتها، ويؤمن إيماناً لا يخالجه شك في أهليّة الخلف والسلف، مهما تصاعدت غيوم التخبيب، التي سرعان ما تذروها رياح المعالجة والتطبيب.

تحمّلت المملكة تبعات قرارات؛ مراعاةً لمصالح العالمين العربي والإسلامي والبشرية جمعاء، وكان أحياناً، وراء تلك التبعات تخبيب أشقاء وأصدقاء، وأدعياء خبثاء، ومما أدركته قطع امدادات النفط قبل حرب أكتوبر 1973، والإسهام في تحرير الكويت من احتلال صدام حسين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وليست أزمة اليمن الشقيق آخرها، وكانت ولا تزال بلادنا تمر بسلام، وتتخطى المكائد باحترافية التطبيب، دون أي تحسس من جني مكاسب أو تفادي خسارات.

تلويحة: لا شكّ أنّ التطبيبَ أشق وأوعر من التخبيب، إلا أنّ ثمار التطبيب مضاعفة الأجر في الدنيا والآخرة، وما أرقى مقام من يطبّب الكلوم والجراح، في الجسد والأرواح، وما أدنى وأرذل مرتبة المُخبّبِين.

23:56 | 15-01-2026

شَبَرْنا حنطته وتلقّم شعيرنا

التصقت فقاقيع الطلّ الصباحي بأحجار الطرق، وعَلِقتْ بحلوق بيبان يكاد خشبها ينخلع شوقاً إلى ندى طال غيابه، جبدت (كبيرة المقام)؛ مصنفها الزبيدي من فوق حبل نايلون ممتد فوق سريرها، والتحفت به، أدخلت طرفاً منه تحت ابطها الأيسر، وأعلت الطرف الآخر على كتفها الأيمن، ثم عقدته بزاوية بين صدرها وبطنها؛ وتناولت عصاتها العُتم التي تسميها (مِذهِبه) من وراء خصاف الحبّ، (تفخر بأطول عصاة في محيطها برغم قُصر قامتها)، وكلما نشدها الصغار؛ ليش تسمينها «مذهبه يا جدة»؟ تجيبهم؛ لنّها تذهب الجنّ من روسكم، وعندما يستلطفون مزاجها، يتعمّدون استثارة عباراتها اللاذعة، فيسألونها؛ ما كن عصاتك أطول منك يا جدّة؟! فتردّ، وعلى محياها ابتسامة قرويّة؛ تجيد اللعب بالمفردات (أعرف مقداري عند الكلاب) ! فيشرع الأحفاد والحفيدات في النباح، فتقوم عليهم قائلة؛ أبشروا بمذهبه، فيتفرقون سريعاً وهم يتضاحكون.

دفعت بعصاتها غطاء القُترة، النافذة من داخل البيت إلى السقف، وأزاحته لتمكّن ضوء الشمس من الولوج إلى الفُرُش والجدران وشُقاق الحطب المردوم فوق الحِرانة، مرددة؛ يا الله سفرك اللي ما يظلم ووجهك الراضي اللي ما يعتم؛ تحفّز أهل البيت الخامدين من طول عناء أمس للنهوض؛ نقّطت من حواف تنكة القترة فوق رأسها قطرات الطلّ، فمررت عليها أصابعها المحنّاة، ومسحت بها وجهها وقالت؛ إذا طلّ هلّ؛ وأضافت؛ يا الله تعطيناه برضا، ولا تورّينا قوّتك، وتكفينا غضبك، وشديد عقابك؛ فسمعها حفيدها البكر، فأزاح بطانيته عن نصف جسده العلوي، وقال بحرقة ويأس؛ وهو يتحكك من حَمَط الدّياس؛ الله يعطيناه بقوّة لين تغدي سما وما؛ ونظلّي كما الكعم فوق وجه السيل.

صدّت دعوة الجدة المبروكة، وما مالت شمس نهارهم للزوال، حتى قلب الجوّ، وحدْسُ القرويين لا يخيب؛ اللي في الوادي راح، واللي في البيت ما سرح، وانطلقت أصوات الأمهات تنادي الرعاة وحماة الطير (روحوا.. السيل فيكم)، وانطلق نسوة لاقتلاع صكك الحمير من المراغات المجاورة؛ وقبل ما ترخي السماء أثمام القِرَب العلوية، أسربت الغنمان وراء بعضها، وكلما حاذت خزلة منها؛ منزل أهلها فرقت وانفرزت وراحت، دون تدخل رعاتها؛ دنّ الراعد؛ واختلط صوته، بأصواتها التي تملأ المساريب بالهذّاء، وزادت في سرعتها لما بلغ سمعها صوت هذي بهمها المحروم من الرضاع من صباح العالمين، حتى بالكاد ينشغ (بأاااا).

صعد المذّن فوق المسيد ليؤذن لصلاة العصر؛ وضربت صاقعة في جبل يشرف على القرية من شمالها؛ فنزل يسعى ما كمّل (حيّ على...) وهو يردد؛ (حوالينا ولا علينا) ردّت عليه جارة المسيد (مرزيّه)، وين حوالينا يا ديكان، وانحن أحوج من غيرنا؛ إلا علينا ثم علينا خذلك ربي يا الذلال، فلم يردّ عليها؛ كي لا ينسى أذانه؛ وينشغل بمجاراة أُم الرُّقم.

افتزع (أبو مذاري) بالجماعة عقب الصلاة؛ ديّستي محروصة من أمسي ما هبت البحريّة نذرّي؟ فقال العريفة؛ هب لها بعرة فوق حجر وتهبّ عليك هبهب الله عليك، تضاحك الموامين؛ فغيّر العريفة نبرة الصوت؛ نافدى النشامى؛ تكفون استروا حنطة رفيقكم لا تغديها السما خيسه، فتنادوا نسوان ورجاجيل وأطفال؛ بالقشابي وأكياس العلفة؛ وهبّوا ونقلوا الديّسة حبّها وعلفها إلى بيت (بيحان) ولحقهم البلل؛ وسرى عليهم أبو العطايا؛ والجدّة ودّها بالمرقة.

ولكي تغيض زوجة ابنها، انفردت بالحفيد (المشوّش)، وناولته شفرتها اللي ما تظهرها إلا لحيف أو ضيف، وخفتته في أذنه؛ فانمرش مع الدرج؛ احتزّ (المشوِّش) رقبة الدجاجة البيّاضة (سَكَبه) بعدما أحكم قبضته على منقارها كي لا تصدر صوتاً، علّقت أمه؛ والله لنغزني صدري، ودقني قلبي؛ يوم شفت (حجر أبو علي) تخفتك، أحرمتنا البيض، الله يلوي لسانها عن الشهادة؛ وينتبزها نبز الشوكة من كعب السفيه.

نقعت الجدة (سكبه) في ماء ساخن؛ وطلبت من حفيدتها؛ تناولها القُطف؛ فأخرجت منه سبع حبات بُنّ؛ وقالت بانفعال؛ امسكي بقلبك يا هَمله؛ واعطي أمك تحمسها، وتشهّفها لين أصلّي المغرب، احتجت زوجة الابن بصوت مسموع؛ ذلحين أصب حليب الغنم في الشكوة، والا أنتف ريش الدجاجة، والا احمس قهوة، حمّد يا تُهمان.

افتقد ديك (أبو مذاري) زوجته الدجاجة (سكبة) فانبرى للتفتيش عنها، وصعد درج بيت الجيران نافشاً صدره وريشه؛ ودخل مستثمراً نور الفانوس المبقبق، واقترب من الطباخة، فأيقن أن سكبة، غدت مرقه، لمحه المشوّش؛ وقال؛ تسري وإلا ألحقك مرتك؟ لم يرجع لمأواه إلا بعدما انتقم منهم، شاف طحين الشعير في صحن؛ فقفز فوقه، وبعثره في كل اتجاه ؛ وما أحد انتبه من الأسرة الملتمة حول ملّة الخبزة.

طلبت الجدة من (هملة) تعجن عشاهم، وعندما اقتربت من الصحن، لم تجد فيه ما تقبض عليه كفها، حاولت إقناع الجدة تستلف من جيرانهم طحين كندي يهني بالهُنا، ردّت عليها شعرا؛ وإن تعوّدنا على حبّ الكند من يمنّه لنا؛ ثم غيّرت الطرق من عرضة إلى لعب (حب الكند ما نريده؛ ما نشتي إلا الشعيري).

شمّ (أبو مذاري) رائحة المرق، فوهّم أنهم تعشوا ديكه؛ غرّز أسفل ثوبه في كمره، تفادياً للبلل من قوة دفق ماء المطر من السيالات والسُّربان؛ وقصدهم؛ لقي الديك تحت جناحهم يرتعد برداً وحُزناً، فاحتضنه، ودعب ما سلّم، وهم منشغلين بالأكل، ولم ينتظر منهم عزيمة للمشاركة، دخل بين الجدّة والمشوّش؛ واختفس له دغبوساً، ولحق جناح من الدجاجة؛ وغادرهم يتلحّس أصابعه، وديكه على صدره؛ قالت الجدة؛ عساه تواك يا عيرنا؛ إن كان شَبَرْنا حنطتك، وجيت تتلقم شعيرنا.

00:00 | 9-01-2026

كوت هتلر

لم يكن بَرْدُ الجبال، رغم صلافته، مميتاً للأرواح الشغوفة بالحياة، وإنْ عطّل أو أجهض بعضاً من نشاطها، وكانت وسائل التدفئة محدودة، منها التمر إن جادت به يد الكريم المنّان، والحطب المكنوز مُبكّراً؛ احتياطاً، ولبيوت القُرى المصقولة حجارتها من صخور المقلّع، فضل امتصاص هبّات الزمهرير، وتخفيف هجمات ليالي القرير، وإن هطلت الأمطار تُعلَنُ حالةُ الطوارئ، خصوصاً عندما يبدأ القُطّارُ عزف مقطوعاته الموسيقية، على حواف الأواني النحاسية، التي تتلقفه في أحضانها، تلقف الرضيع صدر مُرضعته.

وكان أحد رفاق الطفولة، يعاني فوبيا الشتاء، فيشعر بالبرد بمجرد ما يسمع باقتراب موسمه، وإذا قصر النهار وطال الليل، لا نجده إلا مرتجفاً حتى وهو يتشمّس، وحين نسرح نتشرّع في الغدران، ينتبذ مُرتفعاً قصيّاً، ويتابع دون أن يشاركنا، وبدنه يقشعِرّ، وحين يتكلم وهو صرد، لا نتمالك أنفسنا من الضحك، لأن فكيه يتحركان لا إرادياً، ويقبعان في بعضهما، وتصدر الأسنان طقطقة شبيهة بصوت مروحة يحك في طرف رِيَشها عود.

وبحكم غياب والده طيلة العام في المدن، ولأنه وحيد أمه، كان أوفر مِنّا حظاً، بما يخصه به أبوه من هدايا وعطايا، ولطالما تمنينا أن نكون إخوته؛ فالأب المكافح إذا عاد يعود معه بأدوات وهدايا، و«حمبص» وحلاوة «حمبصيّة»، وتنكة حلاوة طحينية، لم نعرفها أوّلاً إلا عنده، ولكي نشبع طرعنا بلقمة أو أكثر؛ نعتني بهذا الرفيق، ونتودد إليه؛ ونلبّي ما يطلبه، بما في ذلك مساعدته في حلّ الواجبات المدرسية، والكتابة بدلاً عنه، كون أصابعه تنتفض طيلة الوقت، ولا تنجح محاولات إحكام الأنامل على المرسم.

وفي إحدى عودات أبيه الصيفية للقرية، جاء له بـ( كوت)، أطلقنا عليه من باب الغيرة (كوت الأموات)، فالشائع أن الألبسة التي يموت أصحابها يبيعها الورثة في الأسواق، أو يتصدقون بها على نيّته، وعندما اشتكى لأبيه مما نعيّر به كوته قال الأب المتفتح وعيه: قل لهم هذا (كوت هتلر)، الذي هزّ عروشاً بجسارته، وكاد يسيطر على العالم ويحكمه، لولا صقيع جليد روسيا الذي داهم جيشه وفتك بهم.

استسمى صاحبنا من حينها هتلر (هتلر جاء، هتلر راح)؛ بسبب كوته الرمادي الواسع عليه، طويل الأكمام، عريض الأكتاف، سمادي الرائحة، الذي يندرج فيه صاحبنا قصير القامة، ضئيل البنيَة، المشهور بكثرة حركة؛ وقِلّة بركة، وعندما يكون محتاجاً لنا نستغله، فنطلب منه يُسلفنا الكوت لدقائق وأحيانا لساعات، وإذا اشتدت به الحاجة نفرض عليه أن يهرّب لنا في جيوب (كوت هتلر) من بيت أمه حلاوة طحينية، وشتفة من قرص الصاج.

لم نكن بعد عرفنا (هتلر) الحقيقي بشحمه ولحمه، حتى درسنا عن الحرب العالمية الثانية في الابتدائية، ورسم لنا أستاذنا السوري رسمةً لهتلر على السبورة بطباشير ملونة، وكان مغرماً به، وضحكنا لأن الملامح تتقاطع مع ملامح صاحبنا أبو كوت، واستغرب المدرّس، وقال: «على شو عم تضحكوا هتلر زلمه وقبضاي»، فتحوّل الضحك إلى قهقهة، وثبتت التسمية، على مستوى القرية والمدرسة، وتحديداً عندما تبدأ حصة التاريخ.

وعندما شاهدنا في التلفزيون، لأول مرة أفلام (شارلي شابلن) بالأبيض والأسود ظنناه هتلر، ودارت الأزمان، وتفرّق شمل الخِلّان، وبما أن الأسماء تُشقي وتُسعد، أُغرم الرفيق هتلر (أبو كوت) بالتجارب، ولم يرعوي عن عشق المغامرة، ولم ينجح في أي مشروع، ولم يربح من عمل، وهو بطبعه لا يقبل نصيحة، ولا يقنع بالمقسوم، إضافة إلى كونه صليب رأس، ولا يثق إلا برأيه.

يبدو أن عوادي الدهر المتغوّلة، قلعت أظافر عزيمته، وخلعت أنياب جسارته، وعندما ضاقت به الحياة عاد لبيت أبويه المهجور، منذ رحيلهما إلى الدار الآخرة، وكنا نقلق عليه من وحشة الوحدة، ولا نطمئن إلا عندما نسمع صوت سعاله منتصف الليل، خصوصاً عندما يحلّ (الربيع) كما يطلقون على الشتاء في ديارنا.

عندما افتقدته العمالة الوافدة، التي تجاوره في السكن، فتحوا عليه الباب، وكان مستغرقاً في النوم، متوسّداً تحت رأسه كوت هتلر الذي أصبح على مقاسه، وكانت أطرافه الباردة تؤكد أن الشتاء غدر به وصفّى حسابه معه في نومته تلك، التي لم يفق منها، ولقينا بجواره دفتراً عتيقاً وقلماً، وكان آخر ما كتب: «أشعلتُ في صدر الزمانِ مواقدي، وأموتُ وحدي كالجماد الباردِ».

00:02 | 2-01-2026

من جرف في دحديره

فات قطار الزواج (أبو منقبه) أغواه الهوى، واستهلكته المساري، في الغداري ما حد داري، استذرى أنداده، وهو بكرة إلا بعده، وبعدما شِبع غوى، وعزم يخطب؛ ما لقي في قريته بنت حلال، ترشّق قهوته، وتسقيه دواه، وتزهّب غداه وعشاه، وتدفّي شِتاه، وتذراه وتمكّن عُراه. شاور أهل العِرف، فقالوا؛ وش غرّك من عمرك، يوم ما عاد تلقى السفّافه افتكرتْ النُكح؟.

تودّد لأرملة، عاقر، بين بيته وبيتها مدماك صخري، وكلما لمحها تنشر غسيلها، فوق حبل معقود طرف منه في أصياخ البداية؛ والطرف الثاني في وتد بالمدماك، وتمقّل كحلتها المثخّنة؛ دلدل عليها نصّ عمره، وبدع (يا راع الدلع وش تدّلِع به، ويا ليلٍ سرى واشتد لعبه) ومرّة تخزره بعينها، ومرّة ما تلقيه الوجه الراضي، وغيّر القصايد، بقصص بطولاته وغزواته؛ يوم كان في وردة شبابه، وكيف كان يعلّق البندق المنيمس في إبهامه، وأنه كان يضرّط البعارين إذا ركب على الصعب، ردّت عليه «وش ينبغى بالعُمر لا مات أوّله» فاعتزى بنفسه قائلاً (أبو منقبه) وأضاف؛ يفداك من مات أوّله، وأقسم لو يُلزّ بدماغه في رصّ بيتها ليهده، ولو يميل الزافر ليشتال السواري فوق منكبيه؛ فانفرجت أساريرها، وطلبت منه يفلح لأخيها (نكدان) نشدها وين ألقاه؟ قالت؛ هبّاط أسواق؛ مدوّر أرزاق؛ يمشي حافي، ولا يرزاه لا مطر ولا سافي، فقال؛ أبشري بي.

أوّل ما شافه قال (إذا شفته حافي قُل يا كافي) ردّ عليه؛ حافي رِجل شبعان عقل، علّق ؛ ونعم يا الرحيم؛ فالتفت له ونشده؛ منين جيت لي رحيم لا رِحمت، فطلب منه مُلزمة الله، و(نكدان) ما هو دون شيء، ما ينقرب من عرينه؛ ولا ينداس في جرينه ولا يذرّى في مصبّره؛ ساومه على بلاد وزناد؛ وكلما سمع منه طمعة يردّ (ليتك تعوّد حُناشه يا خشب بيتنا) والحافي يرد عليه (ولا يقل للمعاون يا آخ شبيتنا).

يوم عقد القِران؛ طلب منه الفقيه يردد معه «استنكحتها» فما ضبطها؛ وقال؛ «أنكس تحتها» فتضاحكوا وقال رحيمه؛ نكسوك على قُرنتك إلين توصل الماء الصامط، تروّحها على شاة؛ فقال (نكدان) الذي حلّ مع أخته في بيت الرحيم، زد في القرى وادع الجماعة؛ فردّ عليه؛ هوّه ما خذتها وسرّها مصرور، قد فتقه الفاني الله واليها، وصار (نكدان) يتحكّم في المدخال، ويبيع ويشتري في حلال رحيمه، وفي يوم طابت نفسه؛ ووصلت معه كيس التنباك، فقال؛ يا متبلعة الذرعان، انتي ما تقرين في بيتك، كن في خوشك لهايبي، وبطنك كما الركيب المنصلق، ورفع الصوت بالنشيد (وآخوك ركّب بالسواني فوق بيري، ما يعقّل واشغل البير، يدرج على مهله وكن البير بيره) ونشدها؛ بيحيل آخوك عنّي في سعة ربي؛ وإلا صرمت حبلك وحبله! فقالت؛ وتصخاني؟ قال؛ صخيت أمي وآبي قبلك.

انفك منها، ومن أخوها، ولازم الفقيه كم يوم، وفتّح له أنظار، وأعاره الحمار؛ ودلّه على كم بيت في قرى الشاميّة واليمانيّة؛ وأوصاه؛ تهجّر وعلى سعتك، وإذا رزّيت عينك عوّد عليّه؛ وابشر باللي يقضي لزومك، خذ له مرة وافية؛ وسلتت له ثلاثة ورا بعضهم، وكل ما حد بارك له يقول؛ أبشركم معي مخلوقة كما الدجاجة اللي تبيّض وتحضّن وتفرّخ بدون ديك، وإن انسدحت ما قامت؛ وإن قعدت ما تلحلحت، وحليل من قعد في حراها.

دخله الشكك فطلّقها، وخلاها وعيالها في البيت، وانتقل لبيت شقيقته في قبيلة مشرّقة، وعندما نشدته عن حاله؛ أجابها؛ من شاف حالي ما شبرني؛ ولكن ودّي بعروس، معها فلوس وأهلها أهل ناموس، فقالت؛ من حلاتك، وإلا من صومك وصلاتك، وإلا من مرزقك وغلاتك، الله لا يدخِل الكلب المسيد، وأضافت؛ من جرف يا صديقي في دحديره؛ وصدحت (يا خوي عنيت نفسك في حلال تصاليه، دخيلك ارتاح من رعي الغنم والبهامه) فطلب الشاهي، وعمّر الغليون؛ وبدع؛ (يا ساق حيّرتني للمُحقره ولقيتها).

00:03 | 26-12-2025

وداعاً أبا مشعل.. مُلهِم سردياتي

أعدُّ نفسي محظوظةً، بأصدقاء هم الحياة، بمعناها الفنّي والثقافي، والمعرفي، والاجتماعي، وما أكبر حظوظ من وجد في صديقٍ مُعظم ما يبحث عنه، وما يحتاج إليه، من إنسانية ومهارات، وتجربة حياة، ودهاء أحياناً، يمنح قدرةً على فهم واقعك، والتعبير عنه، وتجاوز أو تفادي الفخاخ والكمائن، بحذر غير مُحبط، وتفاؤل غير مُفرِط، وأجمل ما يُكتسب من خبرات، ما أتى بطريقة غير مباشرة، من مدرسة الحياة، لا مدرسة المُقررات.

هناك شموس تطلُّ علينا دون ارتباطها بنهار، ومصابيح تضيء الدروب وإن لم نكن في حالك الظُّلمة، وغيث يهمي دون علاقة كهرومغناطيسيّة بغيم، ولُغة تترتّل لا صلة لها بالمعاجم ولا القواميس، تبني مداميك لحساسية الشعور والتعبير، وتمدّ الحكايات بالحيوية والطاقة؛ وتُعين الأسلوب على الانتقال من القصّ إلى القصيدة والنقد الساخر، ثم إعادة بناء الحبكة بسياق مختلف في مفتتحه ومختتمه.

أكتب عن أستاذي وشيخي عبدالرزاق بن صالح المذّي الغامدي، مُلْهِم سردياتي؛ ومؤسس البنية التحتية في وعيي، ليكون جاهزاً لمواجهة ما يُتوقّع وما لا يُتوقّع، ومجابهة خبايا الزوايا، والنوايا العمياء، وتزويدي بوصايا؛ تخفف سأم الصيف، وملل الشتاء، وتحفّز الذاكرة على الحكي وتوظيفه دون استثارة ردود أفعال، من يُسقطون ما نكتب على أنفسهم بسوء طويّة.

رحل بالأمس أبو مشعل، وبمجرد تلقي الآدمي نبأ رحيل شخص عزيز عليه، تتسمّر الحركة في مكانها، وتتخشّبُ الكلمات على لسانها، وتتحجر الدموع في عين موعود بمصادفة تُخضّرُ فيافي الروح، وتتوالى وتتولّد الذكريات؛ والذكريات جسرنا إلى نقاء المطلع، وصفاء الينابيع، وكأننا عندما نتذكّر، نقاوم شبح الرحيل، ووجع الفقد.

عندما انتقلتُ من ابتدائية بشير، إلى معهد الباحة العلمي، عبرتُ من قريةٍ إلى مدينة، ومن مؤسسة حميمة إلى شركة تعج بالملامح والأطياف، فاتسعت دائرة المعارف والعلاقات، وكان للمشايخ الأساتذة هيبة تبلغ بنا الرهبة، ولكل أستاذ طبيعته، وشخصيته التي يتعامل بها، وربما تتشابه طريقة المُدرسّين في التدريس والتعامل مع الطلاب، إلا أنّ (أبا مشعل) كان نموذجاً مختلفاً.

وبالطبع بحكم تجاور القرى، والعلاقات بين رموزها، كان يعرفُ والدي، وبينهما -عليهما رحمة الله- علاقة وديّة وطيدة، وإن كنتُ لستُ ممن يعتمدُ على نسبه؛ بل على عمله ومكتسبه، نشأتْ بين طالب وأستاذه مودّة أدبيّة، فأسلوب الشرح، وتوظيف البيئة في الدرس، وتطعيم الفصيح بالمثل والقصة وبيت الشّعر باللغة المحكيّة، والإيماءات الحركيّة، كل ذلك جذّر وشائج القُربى والصداقة بين شيخ ومُريد.

أعوام مضت، وعادت بي الأيام، إلى المعهد مُعلّماً، وبرغم اجتياح الصحوة لشيء من مشاعرنا، وأغواء الدروب عن الوطن الحبيب، إلا أنّ (أبا مشعل) لم يرفع يده عن قداسة ما بناه في ستة أعوام، ولم يكبت طموح تغيير العالم!، فعزّز صلتي بأساتذة هم في نفس الوقت زملاء، ونعم الزملاء؛ فدرستُ على أخلاقهم ومواقفهم ما حمى إنسانيتي من عواقب اللوثات؛ وعندما يقع (أبو مشعل) على زلّة أو شطحة مني، يقول لي بلهجته المُحببة (يا ولد خلّك رجّال) وإن تكررت وكثيراً ما هي، يصعّد اللغة والعتب قائلاً (شُفْ الحمار) ولا أجد غضاضة ولا تذمّرا مما نعتني به، بل أشعرُ بأبوّة حانية، دون وِصايةٍ جانية.

بالطبع مرّت بنا أحوال وظروف، عكّرتْ نهر مودتنا، وسرعان ما زالت، وعاد النهرُ إلى صفائه، وقَرُبتُ من شيخي مجدّداً، فعرفتُ فيه العابد، السخيّ، الوفيّ، الحريص على صدقة السرّ، المتعلق بذِكْر الله، الدائم السؤال عن الأصدقاء والزملاء، وكانت ظهيرة يوم الجمعة، التي ألتقي به في منزله، مصدر طمأنينة لقلبي، ففيها وبها امتداد وجداني؛ إلى جناب الأب، والأخ الأكبر، والمُعلّم المُغذّي سرديّاتي بإلهامه؛ الذي أرجو ألا ينقطع، وإن كان مُلْهِمي في دار الحق.

23:56 | 18-12-2025

حاطبه ما راحت بعُود

اجتمع الفقيه بالموامين، ووشّى فتيل غيرتهم على حماهم، وأقسم أنه شوف عينه، ووقف قدمه؛ نسوان القرايا؛ خارجين من غابتهم، اللي على ظهرها قِرتها حطب، واللي قفتها فايضة بالخُليان، واللي بيدها فيد وصيد، وأضاف؛ كلّن يدعر فيها بغنمه؛ مع الحواشي والأطراف؛ اللي بحافر واللي بالأظلاف؛ ولا من درى ولا من شاف؛ لا مراعاة جيرة ولا احترام عادات وأعراف؛ وتعمّد ينقد العريفة، باستعادة تاريخ الفانين من الأسلاف، ليقينه أن الكلام بيسري، وينصبّ في إذن عريفتهم وفوقه كماه؛ فرفع حسّه؛ ما ظني نسيتم؛ يوم كانت غابتنا مغصّنه محصّنه؛ يغيب فيها الجمل بحمله؛ وما حد يجرا يلتقط منها خلالة سنون، لنّها كانت هيبتها من هيبة أهلها؛ وفي أيامنا التوالي ما عاد لها والي؛ غدت زهب نهب؛ ومرعى ومقعى للي يسوى واللي ما يسوى، ولكيّ يقدح زناد الحميّة؛ زاد؛ وترى اللي ما يجكر ما يُذكر، والغِرَقة ما تبالي بالرُشاش.

ما انفضّ مجلسهم، إلا وهروجهم مصرورة عند كبيرهم، وتعمّد المذّن يواحن القلوب، ويزيد فوق المدّ جِلده، فلمّح للعريفة، بتطاول الفقيه بغمز ولمز وقدح في نخوة وشهامة شيخهم ولكي يبدي تعاطفه؛ قال؛ الله لا يجعله يزيد عن حدّه ولد أبو غُدّه، وكعادة العريفة في الدهاء وسِعة الصدر، وإدراكه أن النمامين حريصون على شبوب الفتنة؛ خِذْ من كُلّ واحد، قوله ومنقوله، قال ها والسّلام؛ ردّوا الموامين؛ والسّلام، فقال كلام رفيقنا الفقيه في مصبّه، وامتدحه بقوله؛ فقيهنا شوفه شوف بعير، ما هو كما اللي شوفه شوف دجاجة ما يتعدى كراعينها؛ وطلب منهم ما تغرب شمس الخميس، إلا وقد انتقوا؛ حارس، ينهاب ولا ينعاب؛ يسبرها بالنهار ويكلاها بالليل، وقام الرفاقه يتلفتون في بعضهم؛ فقطع عليهم حبل التلفات، وقالوا؛ اسروا وبكرة خير.

وقفوا في مسراب مظلم، يعلوه؛ سرب المطر البارز من ركن بيت الفقيه؛ وسمعهم يتوشوشون؛ وسوّى نفسه ما يدري، صبّ من الركوة في السرب، وطرطش عليهم، وتعمّد يوهمهم أنه يفرّغ مثانته؛ إذ قال؛ هبّ يا ذا البرد ما خلاني آوي؛ من شخّه في شخه؛ فتفرقوا وكل واحد يتشمشم ثيابه وينذّرون به؛ بينما تواسى على خواشعه يضحك وعمامته في ثمّه؛ ويردّد بينه وبين نفسه؛ خلهم يستاهلون بني نمّه، سمعته مرته فقالت؛ قالوا درب يا مدربي، فقال؛ ليت لي في غُلْبي؛ وانفرطت عليه، وأدرك أن في نفسها حاجة، وعلى الله وعليه قَضاها، فنشدها؛ وين الجاوي اللي شريته لك من سوق السبت، ما تبخرتِ به؛ ولا شميته بخشمي، وإلا ما تتبخرين إلا إذا جا عندك ديكان؟ ففهمت المقصود، وقامت على الشقيق وإبريقها في يد والمصنف الرازحي في دغدغها، وهجدت الغَلَبه.

تلاحقوا جماعة، في ظُلّة المسيد، واتفقوا على ترشيح (شدّاد أبو عزورة) علّق الفقيه؛ عزّ الله أنكم جبتموها؛ شدّاد؛ لا مرة ولا ولد، ولا حلال ولا تلد؛ ما غير ربّه وقامته وعلى الله سلامته؛ ثم قال؛ من يقنعه، ووش بتعطونه؛ ردّ المذّن؛ يقنعه العريفة ونعطيه مِتعة كل يوم؛ ردّ الفقيه بمحراف ما يفكه من ثُمّه؛ (نيّتي ماهيب شينه والعريفه ماش نيّته).

انبسط العريفة من الشور وقال؛ منين تسمعون، ما يخدم بلاش إلا اللاش؛ فإن كان كل واحد منكم بيعشّيه ليلة، فانا دونه؛ وله منّي بندقتي أُم حبّه؛ ميّس (أبو عزورة) بالمنصب؛ وقرر يطلق شواربه؛ ويطلى بطون قدميه بقطران، لتنفر منه العقارب والديبان، وأوّل ليلة ولّموا عشاه بيت المدّلِس، وسرى عليه ليل ما سرى على يهودي، يتلوّى ويتزوّى، وما حميت شمس الضحى إلا وهو عند العريفة؛ وقال؛ هذي بندقتك، وهذا حدّها، تخبّره؛ وشبك؛ فقال؛ بيت الجوع لا ذكروا بخير؛ عشّوني دجر بايت أسمط جوفي؛ ودقني بطني؛ طول الليل في معياني كما الرّعد، ومن بين سيقاني دفق كما الوُشّق، فردّ العريفة شماغه على وجهه؛ وكتم ضحكته؛ مردداً؛ الله يسقيها من ساعة دمّنت الغابة كم لها ما حد سمّدها، فقال؛ تتمهزى بي، وبغى يفلح، فقال؛ أقعدي يا بحرة، وطلب الفتّة؛ وانتدر العَكّة؛ وجلّها بالسمن اللي ريحته تفنّك، وقال؛ اختفس وما جاك عندي.

انحكم الحِمى؛ وصار مضرب مثل بين القُرى، وقال الشاعر قصيدة مدحه بها، قَفَلها بمحراف ذاع صيته؛ (صكّ بيبان كم له منفتح بوبها) وأصبح حامي الحِمى مستودع أسرار بنات فاطمة؛ يستمع لشكواهن من الأزواج والعمّات؛ ويفرش كوته الأسود المرقّع للي يحكم عليها إنها من بيت جود، وما غير يتردد نفسه عن (حاطبه الّلِوِطه) وكلما مرّت من جنبه تهزّ خوشها؛ وتطرقع باللُّكة بين ضروسها؛ تصبّح عليه بعبارتها الشهيرة اللي تأكل نصّها؛ باح الخير؛ فيردّ عليها؛ باح عقلك؛ ثم يهمل الفتيل، ويخليها؛ تحتشّ من تحت الخيطان؛ وإذا نشدته وشبك تشرد منّي ما نيب هيله؟!، يجيب؛ أخاف تعديني بالمجاغة؛ انتي كما اللبانه إذا صفقتها الشمس وماعت؛ وانا استحي من حليلك وامزى من عمري، ثم يشغب الصوت؛ (كلن معه هيل تنضح به رقاب المعاميل، والهيل من زانت أخلاقه ومن حِلْي رسمه).

شكّ الفقيه، من تزايد خطور النسوان على الغابة؛ وقال؛ لا يكون مقطوع العِفى اغتواهن؛ وسبر مسراحهن ومراحهن؛ ونشد مرته؛ عندك علم عن الخُليان والحُطبان؛ اللي يرحن بها جاراتها؛ فقالت؛ والله يا بو عزورة ما يخلي وحده تثني ظهرها، يختلي ويحتطب؛ ويشدّ فوق ظهورهن؛ علّق؛ بيّض الله وجهه، وانا اقول وشبهن؛ اللي تشقق شرشفها، وإللي تناسلت شيلتها، واللي ضاعت فتختها؛ وأضاف (سمحان يهدر من شدوقه ونايبه).

حرّش مرته؛ وقال؛ اسرحي وإذا أنكرتِ من أبو عزورة شيء؛ فاكسري شرفه؛ ارمعيه بالمحش بين عيونه، سرحت، وراحت بحطبها وخلاها، وهي تمدح وتشرح، وحلفت؛ ما حد يجي في ربع شيمة أبو عزورة، فدخل الشكك قلب فقيه السكون، وقال؛ أخاف إن المنعون تيّنها مع المتيّنَه، فطلب العريفة، قائلاً؛ والله ما يحرس غابتنا إلا آنا، فنشده؛ والفقاهه؟ ردّ عليه؛ أعطها أبو عزورة، ومن يومها شدّ العرعر، ونفد الخلا، وما عاد راحت (حاطبه) بعود.

00:04 | 12-12-2025

البشريّة بين العدالة والإنسانية..

كانت المجتمعات البشريّة، بحكم رهبة السُّلْطَة، تعزو الخير والشر إلى من يحكمها، إذ ارتبطت شخصية الدولة، بشخصيّة الحاكم، وشخصية الحاكم، مرتبطة بغيبيات أو إلهيات؛ وبما أنّ عناصر المجتمع تتمثّل في الجغرافيا، والناس، والسُّلطة أو النظام؛ فإن الجغرافيا والبشر، وُجدوا منذ آلاف السنوات، ولم يكتسبوا أهميتهم، وهويتهم إلا إثر قيام الكيان (الدولة) حسب المصطلح الحديث، وبها انفك تدريجياً المعنى اللاهوتي أو السماوي عن الحاكم، ولم يعد هو (ظِلُّ الله في أرضه) بل ظلّ نفسه؛ فالدولة قرار بشري، وليست صُنعاً ربانياً، ومنذ خمسة قرون تقريباً؛ ظهرت إرهاصات تطوّر الدولة، ونما بتطلعات الشعوب مفهوم دولة المؤسسات، وغدا على ما هو عليه الآن، ما يؤكد أن الذهنيّة الآدمية مُلْهِمة، كونها تراكم الخبرات؛ وتستشرف التحديث والتطوير، ويمكن أن نلمس تطوّر آليات إدارة المجتمعات؛ باستعادة ما كانت عليه آلية الحكم، لإنسان ما قبل التاريخ.

ولا يمكن إنكار فضل البشر، بكل مآثرهم وموروثهم، في تطوير مفهوم الدولة، وطريقة الحُكم، إذ تنعكس تجارب الورى على طبيعة ونوع ومنهج الحكومات، والحكومات تطوّر شعوبها وتستوعب أشواقهم وتطلعاتهم؛ وقلّ ما يُمكن إغفال أدوار الدِّين، والفكر، واللغة، والآداب، والفنون (خصوصاً المسرح) في صياغة مفاهيم وأفكار سياسية، بحكم أن الإبداع يقوم على خيال ناقد ومُتطلّع، ومنه يتولّد الواقع، بما في ذلك الواقع السياسي.

وتكاد تُجمِع الرؤى على أنّ العدالة منطلق وغاية الحكم، بشقيه الرباني والبشري، كما جاءت بذلك النصوص المُقدّسة، ولم يتفق الشرعي والوضعي على شيء، أكثر من اتفاقهم على أهمية العدل، الذي كان في الإسلام روح الدِّين، وبنماذج من العدالة، دخل الناس في دين الله أفواجاً، علماً بأن الإنسانية والنبالة والعفو من مستلزمات الحياة الكريمة، إلا أنها لا ترقى لمكانة ومرتبة العدالة.

وعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أن فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها)، فلا شك أن هذه عدالة بل مثالية في العدالة، وعندما يقف عليه السلام؛ لجنازة يهودي؛ فيقولون، جنازة يهودي يا رسول الله؛ فيردّ عليهم؛ أليستْ نفساً؟ وعندما يصف رجلاً جلفاً بأنّ الله نزع الرحمة من قلبه؛ لأنه اعترف له بأن له عشرات الأولاد، ولم يقبّل منهم أحداً؛ وعندما يقول يوم الفتح؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ فهذه صور إنسانية لا تُخلّ بالعدالة لأنّ العدل في أصله؛

إنصاف جماله العفو لا الانتقام.

يستطيع صاحب سلطة أن يلُزم الناس بالعدل، ويتعذّر عليه إلزامهم بالإنسانية، ويمكن القول بأن العدل مُطلق؛ والإنسانية نسبيّة؛ ولا خلاف على أن العدل قيمة أخلاقية عُليا، متفق عليها بين الشرائع والأديان والمذاهب والنُظم والشعوب والمجتمعات لا تستغني عن العدالة، باعتبارها إحقاق الحق لكل مستحق، والتصدي للظلم، والتجاوز، وتمكين ذوي المطالبات المشروعة من حقوقهم، فالبشر دون عدل في خوف، ويعيشون حياة الغاب، والعدلُ ضرورة، والإنسانية حاجة.

من طبيعة الإنسانية؛ أنها تُعلي الجانب العاطفي، والإنسان دون عاطفة، يتوحّش، لكنّ اليوميات البشريّة، لو تعامل معها ذوي سلطة بعاطفته لن يُرضي أحداً، فالكل يرى أنه لم ينله نصيبه الأوفر من العاطفة؛ بينما يمكن أن يُرضي العدل على الأقلّ نصف المجتمع كما قال ابن الوردي؛ (إن نصف الناس أعداءٌ لمن، وَلِيَ الأحكامَ هذا إن عدل).

والحاكم العادل لا يُلام على عدله، ويمكن أن يكون عُرضةً للملامة بسبب إنسانيته، إذ ربما يتجاوز بالعاطفة، العدل إفراطاً أو تفريطاً، بأن يحلّ في حال محبته؛ وكاء الظرف، ويغضّ الطرف، وفي المثل الشعبي (يا من حبّه غطى عيبه) بينما عند فوران غضبه، ربما لا يرعوي ولا يرعى لإنسان إلّا ولا ذمّة، والوقائع والأحداث؛ يؤكدان أنّ الحاكم الذي يحكم بالعدل، يعلي شأن العقل والمنطق والمصلحة؛ بينما يشي تغليب الإنسانية، بشيء من رغبة كامنة أو هوى نفس (ولهوى النفوس سريرةٌ لا تُعلِم).

ولا شك في أنّه عبر التاريخ الطويل نسبيّاً للمسلمين، وقع الخلط بين العدالة والبشريّة؛ والخلط سببه اشتباك النظري بالتطبيقي، وهذا التعالق بين المُقدّس وبين الفهم البشري له أو استيعابه، ظاهر في تاريخ المسلمين، حتى غدا إسلام التاريخ، وكأنه إسلام نَصّ؛ ولعلّ العقل الجمعي تأثر بالتاريخ الاجتماعي (الناسوت)، أكثر من تأثره بالنصوص الدينية (اللاهوت).

تلويحة؛ يُمكن للعدالة أن تخدش حقوق الإنسان (ظاهراً) إلا أنها في العُمق؛ تحقّق الأمن وتعزّز أسمى معاني الطمأنينة والاستقرار، ومن قارن بين العدالة والإنسانية، يرى أنهما يتحدان في النوع، ويتفاوتان في الدرجة.

00:11 | 5-12-2025

حظّه يكسّر الحصى

مرّت الخطّاطة (قُذلة) بالقرية المنهمك أهلها في دياس الصيف، واستقر بها المقام في بيت الأرملة (شويلة) التي هلّت وسهّلت بها طمعاً في بشارات مستقبليّة، كونها في شهر حملها التاسع، دلّت تجمع لها من جماعة قريتها شُكادة، دحوة وإلا دحوتين من البُرّ اللي يشوق العين، لتفرّح الخطاطة، وتعود بما قُسم لها لزوجها وعيالها في البادية، والتزم لها العريفة بفَرَق وبيشده مع بقية الشكايد فوق الجمل، ويوصلها ولده إلى بيتها، دعت له شويلة، وطلبت ربي يجود عليه، ردّ عليها، أحسب جودي من ماجودي، واثر جودي من جود الله، وحلف عليها في فنجال قهوة، ونشدها، بشّريني عاونوك العيال بالدياس، قالت، بيّض الله وجهك، لو ما همب المطاليق، يكون أعشب العيش في المسطح، ثم قال، وش شافت الخطاطة يوم خطّتْ لك؟ ردّت، ما قالت إلا ، بيجي لي ولد حظه يكسّر الحصى، علّق، يا الله في الحيا، وأضاف، ها لا تقعديني تسحبين حواكك من بيت في بيت وبطنك قِرتك، تحاشي على عمرك، وعلى اللي حظّه يكسر الحصى، وإن جا كما قالت ( قذلة) فإن شاء الله لأعطيه وحدة من بنات ولدي (مبخوت).

وفي ليلة بدريّة، والسكون يعمّ الدار ومن فيها، داهم المخاض، العِرْبيّة، وما عندها لا رفيق ولا معين إلا الله: فشبّت حطبها، وأسندت ظهرها إلى زاوية قريبة من الملّة، ويمّمت وجهها للقبلة، وعضّت على شرشفها بأسنانها كي يخفت زحيرها، خشية سماع جيرانها استغاثاتها، وسبحان من قاله، جاء الولد كنه شقفة القمر، وما شقشق نور الصباح، إلا ومولودها يرضع اللبا، ولأن حدس الجارات ما يخيب، أقبلن عليها، اللي بقشرها، واللي بحُلبتها، واللي بطاسة فتّة، وكنّ عويناتها وسندها، خصوصاً أنهن شعرن بالتقصير عندما غبن عنها ساعة الولادة.

سمّته على خاله (جودان) وطلبت من إحدى جاراتها، ترسل ولدها ليبلّغ أهلها، بأن الكبار والطهار رأس الدور، وعنّزت على زوجة الفقيه، تأخذ الثور عندها، إلى يوم الخميس، وتوصّي على الفقيه، يحدّ الشّفار، وينبّ النشامى يجمعون القدور والصحون، وطلبت من زوجة الشاعر، تبلّغ زوجها يولّف قصايد، وكسوته عُكة سمن عامي، وانعقد المرسام، وتوافد الأخوال بالكساوي، اللي قدّم جنبيّته، واللي أهدى بندقته، وقامت الحفلة اللي أبد لها وخيّل، ومدح الشاعر السمي والمسمّى، وكّل ما عبى قصيدة يلمح في الخال (جودان) الذي قرب منه ودسّ في جيبه ورقة حمراء، فصار يقصّد ويدبك بقدميه على أرض الغابرة، التي احتكم فيها معراض لا قبله ولا بعده.

صحّت النبوءة، وكان حظّ (جودان) فوق رأسه، انتقل مع أمه عند أخواله، وتعلّم المراجل، والمراجل ما هي لـ( اللاش واللي ماش، وما تجي بلاش) وراعي المرجلة يدوّر الحاسد عليه زلّة، وغدا (جودان) من كبار تجار القبيلة، وفي يوم شؤوم التقى بمؤذن قرية أبوه، في سوق الثلاثاء، وتحرى المؤذن الحسود، لين فضي الدكان، واقترب منه وقال: سمعت ناس من الجماعة، يقولون خلقتك ما هي كما خِلقة أبوك، وعذربوا في أمك، لأنها شردت بك عند أخوالك، حتى ما يحقّرونك السفان، ويلصقون فيك عيرة، ردّ عليه، سوّد الله وجهك؟ فأقسم، أن الجماعة كلهم ما يجيبون سيرته إلا وينعتونه بابن الحرام، فوقف، واستحبه من ذراعه، وقال: بيننا وعد قريب.

قفل باب الدّكان، ولا اثنى ركبته إلا عند أمه، والأم بلّغت خاله، بما نقل لها، فلزم الصمت، وما أضحت إلا وهم في بيت العريفة، وحاول المذّن يتملّص، ويجيب أعذار ملشلشة، فخسّوا به الحضور(تخسى في وجهك) والتزم العريفة بالحقّ وما يلحق، وأرسل الفقيه، يفتك ثور ديكان، ويزهّب غداء الرجاجيل، وبعدما تغدّوا وكثروا بالخير، طلب من زوجته تطلع العالية هي وجاراتها، وينشرن البيضاء لجودان وأمه وأخواله، وقال ، ترى بنت ولدي مبخوت حليلة لجودان، مثل ما وعدت أمه وهو باقي في بطنها، وتجدّدت الأفراح، وشدّ المؤذن، وحلّ في ديرة غير الديرة.

00:26 | 28-11-2025

الحقد الدفين على البلد الأمين

ليس من المهارة إيلاء صوت نشاز ينبعث من هنا وهناك كبير اهتمام، طالما الكيان يسير بهدي خطى واثقة، تحقق له ما يصبو إليه، وتنقله من حال قوة إلى أقوى، ومن حضور تقليدي إلى حضور نوعيّ مُشرّف، ومن ثبات إلى ديناميكية، فصوت الحاقد، لا يرحم في كل الأحوال، ومن الكياسة حرق المزيد من أوراقه ومشاعره بمراكمة النجاحات، والاستفادة من بعض الانتقادات التي ربما تكون في محلّها، ومما قاله أبو حيّان الأندلسي: «عِداتي لَهُم فَضلٌ عَليَّ وَمِنَّةٌ، فَلا أَذهبَ الرَحمنُ عَنّي الأَعاديا، همُ كشفوا لي زلَّتي فَاجتَنَبتُها، وَهُم نافَسُوني فَاكتَسَبت المَعاليا».

ومن الصعب جداً تشخيص أسباب الحقد والحسد، فهناك بواعث غامضة تسكن بعض النفوس البشرية، ومثلما هناك حسد للأفراد، هناك حقد على البلاد، خصوصاً في ظلّ تميّز بلد عن آخر، والأيامُ دُوَل، ومما يُروى عن الشافعي رحمه الله: «كُلُّ العدوات قد تُرجى مودّتُها، إلا عداوة من عاداك عن حسد»، وفي رواية «قد تُرجى إماتتُها»، إذ لا شيء يُرضي الحاسد، إلا زوال النعمة، والنعم من عند الله؛ ولذا يقع الحسود في سوء أدب مع الله كما قال الشاعر: «أيا حاسداً لي على نعمتي، أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأتَ على الله في حُكمِه؛ لأنك لمْ ترضَ لي ما وهب: فأخزاك ربّي بأن زادني، وسدّ عليك وجوه الطلب».

والإمام أبو حامد الغزالي عدّ الحسد من أمراض القلوب، التي محفّزها العداوة والبغضاء والكِبر، وخوف فوات مطلب مقصود بسبب منافسة، وحُب الرئاسة والجاه، وخُبث النفس.

ولا أستغرب ما منحته الثورة الرقمية من تمكين لكلّ من هبّ ودبّ، ممن أُوغرت صدورهم بالحقد والضغينة، على بلاد الحرمين، لينفثوا سمومهم عبر وسائل تواصل واتصال بشائعات تفتقد الموضوعية والمصداقية، في ظل غياب المهنيّة، وموت الضمائر، ولعله لا يعلو نعيق النكرات، إلا عندما يحقق وطننا نجاحات تُرسّخ خطواته، وحيثما تعلو راية التوحيد خفّاقة، لا تستغرب من صفيق صفاقة.

ربما غدا واضحاً للمراقب المُنصف أنه عندما تكون فعلاً، يُجنّ جنون من اعتادوا على أن تكون ردّة فعل، ومن يتابع المشهد السعودي، اليوم، لن يخامره شكّ أن السعودية في هذه المرحلة جدّدتْ حضورها وحضارتها على المستويات كافة، وحاديها الثقة بالله تعالى، ثم قدرات رجالات الوطن، الذين اضطلعت بهم المسؤولية، وهم أهل لها دون منازع.

ومن قرأ ورصد مسيرة الدولة سيلحظ أن الحاقدين عليها غالباً هم الذين استفادوا منها مباشرة أو بطرق غير مباشرة، ونعموا بخير مكّنهم من شحذ ألسنتهم الوالغة في مستنقع الضغائن، وما شأنهم إلا شأن القريب الذي تحسن إليه فيجحد ويتنكر، وعلاجه كما قال المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، عندما سأله سائل: «يا رسولَ اللهِ إنَّ لي قرابةً أصِلُهم ويقطَعوني وأُحسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهَلون عليَّ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لئنْ كان كما تقولُ لكأنَّما تُسِفُّهم المَلُّ، ولا يزالُ معك مِن اللهِ ظهيرٌ ما دُمْتَ على ذلك»، والملّ رماد ساخن.

بالطبع هؤلاء «شرذمةٌ قليلون»، إما أنهم لا يعرفون المملكة، بقيمتها وقامتها، ومواقفها وبسالة رجالها، أو أنهم يعرفون ولا يعترفون، وإما أنهم مُوَجَهُون، ومدفوعون من جهات ناقمة، والمتميز سهل اقتناص مثالبه، باعتبارها نادرة «ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كُلها، كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ».

لن تتغيّر مواقف المملكة من قضايا العرب والمسلمين، ولن تتوقف شراكاتها، ودعمها لدول الإقليم، بسبب حماقة وسفاهة جماعات وأفراد انكشفت أوراقهم، وانتهى الرهان عليهم، ولو كان منهم من يحمل الجنسيّة السعودية، ويُحسبون على البلد، إلا أنهم عملٌ غير صالح، وهم أداة سوء يستثمرهم خونة، ونحن نعلم أنهم ومن سبقهم ومن يلحق بهم لم يزعزعوا الانتماء قدر أنملة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي ردّه إلى الوسوسة»، و«إن كيد الشيطان كان ضعيفاً».

نعلم أن الحقد الدفين ليس وليد اليوم، بل هو تراكمي، وكم كان وسيظل العفو والتجاوز من صفات حكام المملكة «وما قتل الأحرار كالعفو عنهم، ومن أين بالحُرّ الذي يحفظ اليدا، إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا، وقيدت نَفسي في ذَراكَ مَحَبَّةً، وَمَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيداً تَقَيَّدا».

ولو عدنا إلى أزمنة ليست بعيدة عن عدسة الإعلام سنرى أن دعاة القوميّة، ورموز البعثية، وجماعات الإسلام السياسي، لم يروا من المملكة إلا كل خير، رغم كل ما فيهم من شرّ، وحاولوا جاهدين، أن ينالوا من البلد الأمين، إلا أنهم تبخروا وخابت تطلعاتهم وأحلامهم، وظلّ البلد الأمين يحتفل بمنجزاته، ويُسهم بالخير والحُبّ والعطاء، وظلّ الحاقد الحاسد يأكل في نفسه، ولا يفكّر في شيء أكثر من الإساءة، فهو كما قال الشاعر: «أريد حياته ويريد قتلي، عذيرَك من خليلك من مراد، فمن ذا عاذري من ذي سَفاه، يرود بنفسه شر المراد، لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولو نارٌ نفختَ بها أضاءت، ولكن أنت تنفخ في الرماد».

00:04 | 21-11-2025