لو طرح أحدنا اليوم قصةً من قصص بيئة محليّة أو جهويّة، فقلّ ما سيتقبّل الحضور القصّة كما هي، فهناك من سيرفضها وينكرها من أصلها، ويراها مُختلقة؛ وهناك من سيصفها بحديث إفك، وهناك من يضيف إليها، وهناك من يحذف منها، وهناك من يحوّرها، وهناك من يرحّلها إلى بيئة أخرى، تفادياً لما ترتّب عليها أو سيترتّب، مما يخشاه المستمع الذي تلامس القصة أسلافه بدرجة من الدرجات، علماً بأنها حديثة عهد، وتعوم في بحر نصف قرن من زمن مضى، وليست موغلةً في القِدم، وربما بعضُ رواتها أو شهودها أحياء.

وقراءة التراث في رمضان فائدة ومتعة، فلا داعٍ لانتظار حلقات مسلسل تاريخي سيناريوهاته موجّهة؛ فالمنبع أصفى من المصبّ، والعودة إلى السِّيَر التراثية سبر لأغوار شخصياتها، وغالباً لا يمكن لكل من يقرأ تراثه أن يكون قارئاً محايداً، فهناك قارئ يستسلم لغواية موروثه؛ ويسلّم بمروياته تسليماً كُلّياً، وهناك من يرفضه رفضاً مُطلقاً، والعدلُ يقتضي ألا نحكم على التراثِ إجمالاً بالنزاهة، ولا نتحامل عليه في سبيل إدانته بالتفصيل، ويمكن أن نقرأ للمُتعة، لا لتسجيل انطباعات، ولا لإصدار اتهامات، فمثل ما هناك مذهب الفنّ للفنّ، والفنّ للتسلية، والفنّ للاستشفاء، فكذلك القراءة، التي لا تحاكم بها الشخص، ولا تحتكم بها إلى النصّ.

ولكل قارئ تراثي منطلق؛ ومبررات وحيثيات، منها ما هو منطقي وموضوعي؛ ومنها الذاتي القريب من العاطفي، الذي ينظر إلى التراث بكُلّه نظرة إعجاب لا مساءلة ولا عتاب، ولا غرو أن تحاط بعض سِيَره بهالة كبيرة تحجب عنا، أو تخطف منا بشريّة الفرد، وقدراته، وعواطفه؛ وأشواقه؛ ورضاه، وغضبه، ودهاءه، أو حماقته، وكلٌّ ما هو كذلك وأكثر من ذلك، مما هو من طباع الناس، وفي أصل فطرتها.

ولعلنا نتفق على أن التراث، ليس ملاكاً ودوداً؛ كما أنه ليس شيطاناً مريداً، وإن أوحى تاريخ بعض شخصياته بشيء من الشيطنة، إلا أننا باعتبارنا قُرّاء حالمين، نقع في خطأ الاحتكام إلى معايير أخلاقية، والتراث عبر التاريخ لا يمكن أن نطلق عليه أوصاف الكمال بالتواتر وبالقطعيّة، ولا نجرّده من مزاياه لمجرد أنه خبر آحاد لا يبلغ درجة المتواتر؛ وشخصيات التراث عدا الأنبياء عليهم السلام، بشر لهم محاسن ومزايا، وعليهم أخطاء وخطايا.

ومن الشخصيات التي لها كبير فضل على العرب والمسلمين شخصية الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي قيل عنه (إن الناس يولدون أبناءً، وهو وُلدَ أباً)، بل عدّه الأعمش، فيما نقله عن أبي الزناد من فقهاء المدينة وقال هم أربعة: (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان). وروي عن نافع (لقد رأيتُ المدينة وما بها شابٌّ أشدُّ تشميراً ولا أفقهُ ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبدالملك بن مروان). وقال الشعبي (ما جالستُ أَحداً إلا وجدتُ لي فضلاً عليه؛ إلا عبدالملك).

ولم ينزّه عبدالملك بن مروان، نفسه من أخطاء وقع فيها، لم يكن قصده سيئاً بحكم أنه من أعرف أهل زمانه بكتاب الله، ودليل شعوره بشيءٍ من الذَّنْبِ أنه كان يدعو في أُخريات أيامه «اللهم إن ذنوبي عظام؛ وهي صغار في جنب عفوك». علّق الذهبيُّ على الدعاء: قائلاً (الحَجَّاجُ مِن ذنوبه).

وكان من الألقاب التي أطلقت على الخليفة الأموي الخامس، والمؤسس الثاني للدولة الأموية قبل توليه الخلافة (حمامة المسجد)، ومما يُروى، أنه لمّا جاءه نبأ توليه؛ أغلق المصحف، وقال هذا آخر عهدنا بك، أو هذا فراقُ بيني وبينك، وقيل إنه قال في أوّل خطبة له «من قال لي اتق الله رددتُ عليه بسيفي»، وهذا غيض من فيض ما جُمِع في كتب التراث، والذي لا يمكن وضعه في كفّة التصديق الانفعالي، ولا كفة التكذيب الغالي.

لعبدالملك بن مروان، رحمه الله، من الإنجازات ما يؤكد، استثنائية شخصيته، فهو على مستوى القيادة والإدارة، وتوظيف الخبرات من أكفأ الخلفاء عقب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولكن من يهب الشخصية التراثية عصمةً ما وهبها لها الله ورسوله؟ وربما جاشت عاطفة الإعجاب بحكم ما تربينا عليه أو تعزز لدينا من تمجيد النماذج التي نقل لنا التاريخ جانبها البطولي أو الحضاري، والعاطفة ليست معياراً نزيهاً في كل الأحوال، إذ متى تكشّفت جوانب منفّرة عن الشخصية المقروءة؛ فالعاطفة ستنفر منها، ويمكن أن نقول إنّ الاعتراف ببشريّة الشخصية التراثية، أعدل من أسلمتها.

ولعلّ التراث لم يحظَ بما حظي به الحديث، من نقد وتمحيص، ودراسة السند والمتن، وإن كان حدث فليس بتجرّد دوماً، ولا بحُسن نوايا غالباً، إلا أن إشكالية البعض في التعامل مع التراث تتمثّل في تعامله معه تعامل الدِّين، ومنح شخصياته قداسةً، تغدو حصانة؛ ما يحرم عاشق التراث من قراءة الظواهر والأحداث التاريخية، بشيء من النقد والتحليل، وفق ما تقتضيه ظروف كل مرحلة، فالشخصية العامة محكومة بظروف زمانها ومكانها وإمكانات عصرها، ومعطيات وتأثيرات مراكز القوى حولها.

ولأنّ معيار بعضنا عند قراءة شخصيات التراث تراثيّ، فربما جنى أو تجنّى عليه؛ أو تجنّن منه؛ فمن المعايير التراثية ما هو فقهي كوصفنا لفعل أو سلوك أو عمل بأنه حلال أو حرام، ومنها معايير اجتماعية؛ مثل توظيف مفردات عيب على سبيل الذم؛ أو فحل بقصد الإطراء وقلّ ما نجد في تاريخ شخصيات التراث؛ شخصية لم تجنح يوماً إلى تصرّف بشري عفويّ، أو عُنفي؛ أتى كردة فعل على موقف أو حدث، كما نقرأ في سير أعلام النبلاء قوله عن شخص واحد (فقيه، عابد؛ سفّاح) ولكل وصف من الأوصاف شواهده البالغة حدّ الاستفاضة.

تلويحة؛ في أسلمة التراث إساءة إلى الإسلام، كما أنّ أنسنته تبرئة له من الإدانة، وما نعرفه عن تراثنا شظايا من صورة تم إعادة تركيبها مراراً، إثر انكسار البرواز أكثر من مرّة.

** مبارك عليكم رمضان، وكل عام وأنتم بخير.