رغم أن هناك فرقاً بين ما يسمى «العلاقات الاجتماعية» وما يسمى «العلاقات المهنية»، إلا أنهما يشتركان في تنامي الحاجة لخلق ما يسمى «ثقافة المسافة».

فبعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على اختراق أدق تفاصيل حياتنا، يبدو الحديث عن «المسافة» بين الناس حديثاً غير مألوف، بل وربما يُساء فهمه أحياناً على أنه دعوة إلى البرود أو الانعزال. لكن الحقيقة أن كثيراً من العلاقات لا تضعف بسبب البعد، وإنما بسبب الاقتراب المفرط، وأن كثيراً من الروابط الإنسانية لا تنهار بسبب قلة التواصل، وإنما بسبب غياب الحدود.

فكما أن لكل دولة حدوداً تحفظ سيادتها، ولكل منزل أبواباً تحفظ خصوصيته، فإن لكل إنسان مساحة شخصية يحتاج إليها ليحافظ على توازنه النفسي وكرامته واستقلاليته. ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بـ«ثقافة المسافة».

المسافة هنا لا تقاس بوحدة القياس الرياضية والإحصائية ولا تعني القطيعة، ولا تعني الجفاء، ولا تعني جفاف المشاعر الإنسانية أو انعدام الود، ولا تعني التخلي عن الواجبات الاجتماعية والأخلاقية أو المسؤوليات والواجبات المهنية، لكنها تعني إدراك الحدود المناسبة «المرئية» و«غير المرئية» التي تجعل العلاقة صحية وتضمن الاستدامة والاستمرارية الطبيعية دون تقلبات.

في دائرة الأصدقاء، كثيراً ما تبدأ المشكلات عندما يتحوّل الصديق إلى مراقب دائم لتفاصيل حياة صديقه، أو عندما تتحوّل الصداقة إلى شعور بالملكية والوصاية. فالصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء عن صديقه، ولا أن يكون حاضراً في كل لحظة، ولا أن يفسر كل غياب على أنه تقصير أو إهمال. فالصداقة الناضجة تمنح مساحة للحرية بقدر ما تمنح مساحة للمودة.

أما في بيئة العمل، فإن ثقافة المسافة تصبح أكثر أهمية. فالعلاقات المهنية الناجحة تحتاج إلى قدر من الاحترام المتبادل والوضوح في الأدوار والحدود. وعندما تختلط العلاقات المهنية بالعلاقات الشخصية بشكل مفرط، قد تتعقد القرارات، وتختلط المصالح، وتظهر حساسيات تصعب إدارتها. ولذلك فإن كثيراً من المؤسسات الناجحة لا تبني ثقافتها على القرب الشخصي بقدر ما تبنيها على الاحترام المهني.

وفي العلاقات الأسرية والقرابة، يتكرر الأمر ويصبح تحدياً أكبر. فالمحبة العائلية لا تعني التدخل المستمر في تفاصيل حياة الآخرين، ولا تعني فرض الوصاية على القرارات الشخصية. من أجل ربما أصبحنا نتفاجأ بحجم التوتر أو القطيعة بين بعض الأشقاء، والتي يتم تفسيرها جهلاً بأنها تضارب مصالح أو أطماع أو غير ذلك من الأسباب الظاهرية، لكننا أبداً لا نعير اهتماماً ولا ننتبه للأسباب الناجمة عن كثرة وتكرار التدخل غير المبرر وعدم مراعاة المسافة التي تضمن مساحة من الحرية للأخ أو الصديق أو الزميل، وعدم إدراك أن المحبة لا تمنحك حق السيطرة.

حتى الجيرة، التي تعد من أرقى العلاقات البشرية، تحتاج إلى هذه الثقافة. فالجار الصالح ليس من يقتحم خصوصيات جاره، وإنما من يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى يقدم المساعدة ومتى يترك لصاحبه حق الاختيار والخصوصية.

ومن المفارقات أن بعض الناس يظنون أن قوة العلاقة تقاس بمقدار القرب، بينما تشير تجارب الحياة إلى أن قوة العلاقة تقاس بقدرتها على البقاء. والعلاقات التي تبقى طويلاً هي غالباً تلك التي نجحت في الحفاظ على التوازن بين القرب والمسافة، بين الحضور والغياب، وبين الاهتمام والاحترام.

ثقافة المسافة ليست ثقافة تباعد، بل ثقافة نضج. وهي لا تقلل من قيمة العلاقات، بل تحميها من الاستهلاك والابتذال ومن تجاوز خطوط الاستقلالية والصدام أو الاحتكاك المفرط الذي يحول المودة إلى ضيق ونفور، والاهتمام الزائد إلى رقابة، والقرب إلى عبء. فالمسافة الحكيمة هي الجسر الذي يحفظ العلاقة من الانهيار، ويمنحها فرصة الاستمرار والنمو عبر الزمن.

المسافة المطلوبة للحفاظ على من تربطنا بهم علاقة وود، تشبه إلى حد كبير المسافة بيننا وبين النار في ليالي الشتاء. إذا ابتعدنا عنها كثيراً شعرنا بالبرد، وإذا اقتربنا منها أكثر مما ينبغي تعرضنا للاحتراق.

لعل هذه الإشكالية هي ما جعل الغالبية يؤثرون التواصل مع أصدقائهم وزملائهم من خلال الهاتف والواتساب وغيرهما من قنوات التواصل الاجتماعي، وذلك لسهولة التحكم بالمسافة من خلال الحظر أو عدم الرد أو العديد من أساليب وقف المضايقات من دائرة المقربين.

أخيراً، إذا كنا نتجاوز هذه الظاهرة في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع حسب نوع العلاقات الاجتماعية، فهل يمكن غض النظر عن هذه الظاهرة عندما تقوم بها الشركات وأرباب العمل مع موظفيهم خارج العمل وفي بيوتهم وفي إجازاتهم وخلال إجازة نهاية الأسبوع؟

في المؤسسات والشركات العامة وغير العامة من يستغل حاجة الموظفين الماسة للوظيفة، خاصة صغار الموظفين، وهناك من يستغل جهل الموظفين الجدد بحقوقهم فيكلفهم في منازلهم وفي إجازاتهم ويستنزفهم بالإيميل والواتساب والهاتف للقيام بعمل دون تكليف ودون مقابل. إذا لم يكن هذا استغلالاً، فما الذي يمكن أن يكون؟

لقد حان وقت سن تشريعات وخلق ابتكارات تلزم المؤسسات وأرباب العمل بأن تحفظ حقوق الموظفين أمام مديريهم وزملائهم في العمل والذين يستغلون حاجتهم للوظيفة أو الذين يجهلون حقوقهم فيشغلونهم سخرةً خارج أوقات الدوام أو يبتزونهم بطريقة غير مباشرة بإعطائهم إجازاتهم مقابل الإبقاء على قنوات الشغل مفتوحة خلال إجازات الأسبوع والأعياد والإجازات السنوية وحتى أنصاف الليالي.

هناك حاجة ماسة لحفظ حقوق صغار الموظفين والموظفين الجدد من بعض أرباب العمل ومن المديرين والعاملين الذين يستغلونهم كحلقة ضعيفة تكافح للبقاء في الوظيفة وعدم خسارتها.