دائماً التحديات تصنع الفرص، وترسم ملامح جديدة من التحسين والتطوير والتغيير في تقديم الخدمات بكفاءة وجودة عالية، وخلال مواسم الحج في السنوات العشر الماضية كانت الحلول التقنية أحد أهم الممكّنات لمعالجة التحديات والفجوات، ولكن في هذا العام تحديداً -بالتزامن مع عام الذكاء الاصطناعي في السعودية- وصل النضج المؤسسي بين جميع الجهات المشاركة في تنظيم الحج إلى مرحلة متقدّمة جداً في توفير حلول وابتكارات مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة ضيوف الرحمن، وتسهيل أداء نسكهم، وبناء تجربة أكثر سلاسة وتكاملاً في منظومة الحج، بما يعكس مكانة المملكة الريادية في خدمة الحجاج، ومواكبة مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تطوير الخدمات، وتعزيز التكامل بين القطاعات المعنية.

في موسم هذا الحج لدينا أكثر من 15 نظاماً ذكياً ومترابطاً لإدارة الحشود بشكل فوري واستباقي، تبدأ من قبل وصول الحاج إلى المشاعر المقدسة عبر مبادرة «طريق مكة»، إلى جانب تطبيق «نسك» الذي يوفر 130 خدمة، وتطبيق «توكلنا» للتصاريح الرقمية، وخدمة «التسكين الذكي»، كذلك منصة «بصير» لتحليل حركة الحشود والتنبؤ بأماكن التكدّس قبل وقوعها، ومنصة «سواهر» لرصد المؤشرات الأمنية وإدارة حركة وسائل النقل عبر 1900 كاميرا ذكية، وتقنية «التحكم الرقمي» لتوجيه الحجاج لمسارات الطواف والسعي، إضافة إلى تقنيات التنظيم والامتثال لمبادرة «لا حج بلا تصريح»، وتقنيات الرعاية الصحية عبر منصة «نفيس» للوصول الفوري لسجلات الحجاج، ونظام «فاحص الأعراض»، والروبوتات الخدمية، وغيرها من التقنيات التي سهّلت رحلة الحجاج في المشاعر المقدسة، من خلال غرف عمليات ذكية لإدارة البيانات وتمريرها، وسرعة الاستجابة للتطورات الزمانية والمكانية في الحج.

هذه التقنيات المتطورة هي مجرد وسيلة، ولكن الأهم من يقف خلفها ويديرها من كوادرنا الوطنية التي نفخر بما وصلت إليه اليوم من مستوى تدريب وممارسة وفق أفضل الممارسات العالمية وأعلى معايير الجودة، وما يقوم به هؤلاء الأبطال على مدار الساعة من جهود مخلصة لتقديم أفضل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام، وقبل ذلك إيمان القيادة الرشيدة بأبنائها في تحمّل مسؤولية تنظيم الحج، وتوفير جميع الممكّنات لهم، وهذه الثقة جعلت السعوديين المشاركين في موسم الحج يقدمون واجبهم بروح مليئة بالتفاني والإخلاص والتضحية طمعاً في الأجر والمثوبة، ويضعون أمام أعينهم صورة وطن يشاهدها العالم، ويسجل إعجابه بما تحقّق من منجزات نوعية في إدارة حشود مليونية في أيام معدودات، وأماكن متعددة في مساحة جغرافية محدودة.

يقول الملك سلمان «خدمة الحجاج شرف نعتز به ولكنها مسؤولية عظيمة»، ويؤكد ولي العهد أنه من أجل «هذه المسؤولية وشرف هذه الأمانة الكبرى تضع المملكة خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما في مقدمة اهتماماتها، مسخرة كافة قدراتها لتمكين ضيوف الرحمن من أداء المناسك بيسر وسهولة».

هذه الرسائل من القيادة هي رسائل استشعار بالمسؤولية في مهمة «شرف الدهر» التي نالتها السعودية وأبناؤها بأن يكونوا جميعاً خداماً لضيوف الرحمن من كل فج عميق، ورسائل تمكين بأن كل الإمكانات مسخرة لأداء هذا الواجب المقدس بما فيها توفير الخدمات التقنية، ورسائل تعظيم للأثر في حياة كل حاج وطئت قدماه أرض السعودية والمشاعر المقدسة وهو يرى الجميع مسخّراً لخدمته وتسهيل رحلته الإيمانية.

دعواتنا بأن يتقبل الله من الحجاج نسكهم، وأن يعودوا إلى بلدانهم سالمين غانمين، وأن يجزي الله السعودية قيادة وشعباً على ما يقدمونه من رعاية واهتمام بضيوف الرحمن، وأن يحفظها ويديم عليها الأمن والاستقرار والتنمية.

وكل عام وأنتم بخير.