هذه الجملة التي ذكرها الرئيس الصيني في زيارة الرئيس ترمب الأخيرة للصين، استدعت التاريخ ليفصل بين الصين القوة الصاعدة بقوة وما تشكّله من تحدٍ للهيمنة الأمريكية السائدة، كي لا تقع الدولتان في مصيدة قاتلة، أشار إليها وعرَّفها المؤرخُ اليوناني القديم ثوسيديديس. والتي ذكرها غراهام أليسون في كتابه «حتمية الحرب بين القوى الصاعدة والقوة المهيمنة».

في عالمنا العربي لا نهتم بالتاريخ ولا نستوعب دروسه؛ وما نطلق عليه تاريخاً في أغلبه قصص من صنع كتّابها أو قصص نريد أن يقرأها أطفالنا كما نحب أن يطلعوا عليها. «آهٍ، لو كُنّا فقط نعرف».. كانت هذه أفضل إجابة للمستشار الألماني تيوبالد فون بِتْمان هولفيغ عندما سئل عن شرح كيف أدّت خياراته وخيارات قادة أوروبيين آخرين إلى أشد ما عرفه العالم من الحروب تدميراً حتى وقت قيامها. مع انتهاء مجازر الحرب العظمى الأولى عام 1918، كان أطرافها الرئيسيون قد فقدوا كل ما قاتلوا من أجله، الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية انتهت، القيصر الألماني عُزِل، قيصر روسيا أُطيح به، فرنسا اسْتُنزِفت لعدة أجيال، وفقدت إنجلترا أثمن ثرواتها وأغلى شبابها. لِمَ جرى كل هذا؟ آهٍ، لو كُنّا فقط نعرف. تعلم الرئيس جون كينيدي من التاريخ، حيث استوطنت عبارة بِتْمان هولفيغ عقله. فقد انهمك في قراءة كتاب باربارا توكمان التي تتبعت في كتابها أفكار وأفعال كل من فيلهيلم إمبراطور ألمانيا ومستشاره بتْمان هولفيغ، وجورج ملك بريطانيا ووزير خارجيته إدوارد غراي وإمبراطور النمسا-المجر، وشخصيات أخرى، لتكشف كيف انزلق هؤلاء إلى الهاوية بلا وعي، دون أن يدركوا خطورة ما ينتظرونه. تأثر كينيدي بتلك الدراسة متأملاً في مسؤولياته، ليقطع أمام نفسه عهداً بأنه إذا ما وضعته الظروف في موقف يحتّم عليه الاختيار بين حرب كارثية مدمرة والسلام، سيكون خياره أفضل كثيراً من خيارات بتْمان هولفيغ. وهو ما فعله كينيدي بعد شهرين فقط من قراءة كتاب توكمان، وجد كينيدي نفسه وجهاً لوجه أمام الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشيف في أخطر مواجهة في تاريخ البشرية: أزمة الصواريخ الكوبية. بدأت الأزمة عندما اكتشفت الولايات المتحدة أن السوفييت يحاولون تهريب عدد من الصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية إلى كوبا، التي لا تبعد أكثر من تسعين ميلاً عن سواحل ولاية فلوريدا الأمريكية. تصاعد الموقف بشكل سريع، فتحوَّل من مجرد تهديدات دبلوماسية إلى حصار أمريكي كامل للجزيرة، ثم إلى حشد عسكري أمريكي وسوفييتي، وعدد من المواجهات المسلحة، من بينها إسقاط طائرة تجسس أمريكية من طراز U-2 فوق كوبا. في ذروة الأزمة التي دامت ثلاثة عشر يوماً ثقيلة؛ انتهت بفضل استيعاب كينيدي لدروس التاريخ.

يجب أن نتوقف لنتعلّم من التاريخ كيف نطور تفكيرنا ومناهجنا وأهمية التحليل والنقد لتاريخنا كي ننافس على المراكز المتقدمة. إهمال العالم العربي لدراسة التاريخ بمنهجية نقدية وتحليلية، والاكتفاء بسرد قصصي أو أيديولوجي يستوجب التوقف عنده. التاريخ ليس مجرد روايات، بل هو تراكم تجارب بشرية يمكن أن تنقذ الأمم من تكرار المآسي. إذا أردنا النهوض، فعلينا أولاً أن نتعلّم كيف نفكر تاريخياً، وليس فقط أن نحفظ أحداثاً.

ولكن الإشكالية الأعمق في عالمنا العربي ليست فقط إهمال التاريخ، بل غياب «البراغماتية التاريخية» -أي القدرة على قراءة الماضي كأداة لحساب المصالح وليس كمادة للوعظ أو البكاء على الأطلال. فبينما استخدم كينيدي التاريخ لاتخاذ قرار عقلاني بتفكيك الأزمة، واستخدمت الصين مفهوم «فخ ثوسيديديس» لفتح قناة حوار مع واشنطن، تظل بعض النخب العربية عالقة بين استشراف وهمي لمجد زائل، أو تشاؤم قدري يرفض التعامل مع الواقع كحقل حركة وليس كمصيدة. الفارق الجوهري أن من يقرأ التاريخ ليتجنّب الأخطاء هو من يصنع المستقبل، أما من يقرأه ليبكي أو ليتغنى فهو من سيعيد إنتاجها بإتقان.