في خطوة واعدة ‏وتجربة مُلهمة في قطاع الطاقة تم تنفيذ برنامج مشكاة التفاعلي بالتعاون مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة بجدة، مستهدفاً أكثر من 800 طالب وطالبة بمرحلتي الابتدائية والمتوسطة، لتؤكد أن المواطن في نظر القيادة عماد التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، وركيزة أساسية في النهضة التنموية، وتحقيق الإنجازات في مختلف المجالات والقطاعات الواعدة.

جاء مشكاة التفاعلي بوصفه تجربةً تربويةً وتنمويةً جديرة بالإشادة، في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات المعرفية والتقنية، وتزداد فيه الحاجة إلى بناء وعيٍ جديد لدى الأجيال الصاعدة، تبرز المبادرات التعليمية والتوعوية بوصفها استثماراً حقيقياً في الإنسان، لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد أو التقنية.

الرقم الكبير للمستهدفين في البرنامج لا يمثل مجرد إحصائية عابرة، بل يعكس حجم الرؤية والطموح اللذين يقفان خلف المشروع؛ فالوصول إلى أكثر من 800 طالب وطالبة يعني أن مئات العقول الصغيرة قد جرى طرق أبوابها بالمعرفة، ومئات الأرواح تم تحفيزها للتفكير والتفاعل والانفتاح على مفاهيم التنمية والطاقة والوعي البيئي والسلوك الإيجابي وحجم الأثر الذي تتركه في الوعي والسلوك والخيال.

برنامج لم يأتِ في قالبٍ تقليدي جامد يعتمد على التلقين المباشر، بل انطلق من مفهوم (التفاعل)، وهو أحد أهم أساليب التعليم الحديثة في عالم اليوم.

فالدراسات التربوية تؤكد أن الطفل يتعلم بصورة أعمق عبر المشاركة والتجربة والحوار والأنشطة التطبيقية، أكثر من اعتماده على الاستماع السلبي للمعلومة.

فالبرامج التفاعلية من أنجح الأدوات المستخدمة في غرس المفاهيم العلمية والقيم السلوكية للنشء، وتعكس فهماً متقدّماً لطبيعة الجيل الجديد؛ جيل الصورة والتقنية والتفاعل السريع.

نجاح البرنامج يكمن في الفكرة ذاتها، وإدراك القائمين عليه أن بناء الإنسان يبدأ مبكراً، وأن ترسيخ مفاهيم الاستدامة والطاقة والوعي البيئي في عقل الطفل يمثل خطوة إستراتيجية بعيدة المدى.

المبادرة القيّمة من وزارة الطاقة تكشف وعياً بمتطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المملكة في ظل رؤية 2030، وقراءة واعية لكلمات ولي العهد الأمين، حين قال -حفظه الله-

(المواطن السعودي أعظم شيء تملكه السعودية للنجاح، وأنه بدون المواطن لا نستطيع أن نحقق أيّ شيء من الذي حققناه).

الشراكة مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة تمنح المشروع بعداً مؤسسياً مهماً، لأن قضايا الطاقة والاستدامة لم تعد موضوعات نخبوية تُناقش داخل المؤتمرات بل أصبحت جزءاً من تشكيل ثقافة المجتمع ووعيه اليومي.

العالم يتجه نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتقليل الهدر، وتعزيز المسؤولية البيئية، وإعداد أجيالٍ قادرة على فهم التحديات المستقبلية المرتبطة بالطاقة والمناخ والموارد.

أجمل ما في المشروع أنه اختار الفئة العمرية الأكثر قابلية للتشكيل والبناء. فهي تمثل التربة الأولى التي تُغرس فيها الأفكار والقيم، وكل جهد يُبذل فيها ينعكس لاحقاً على المجتمع بأكمله.

الطفل الذي يتعلم اليوم قيمة المحافظة على الطاقة، وأهمية البيئة، وثقافة التنمية المستدامة، سيكون غداً مواطناً أكثر وعياً ومسؤولية.

البرنامج حقّق هذا الجانب، بدليل حجم المشاركة والتفاعل، وهو ما يعكس وجود فريق عمل مؤمن بالفكرة، وقادر على تحويل الرسائل المعرفية إلى تجربة ممتعة وملهمة للطلاب والطالبات، فمثل هذه المبادرات الصغيرة الذكية تُشعل شمعةً في عقل طفل.

ومن هنا تبدو قيمة (مشكاة التفاعلي)، بأنه مشروع وعيٍ حقيقي يراهن على المستقبل، ويؤمن بأن التنمية المستدامة تبدأ من بناء الإنسان الواعي.

مبادرة استشرافية تنسجم مع سعي وزارة الطاقة ووزيرها الأمير عبدالعزيز بن سلمان لتعزيز نسبة التوطين في منظومة الطاقة، والوصول إلى ما نسبته 75% من مكوّنات القطاع بحلول عام 2030.

التقدير لكل من أسهم في هذا العمل النبيل؛ فكرةً وتنظيماً وتنفيذاً ودعماً، اختاروا أن يزرعوا المعرفة في العقول الصغيرة، وأن يفتحوا نوافذ الضوء أمام جيلٍ يحتاج إلى من يأخذ بيده نحو العلم والوعي والإبداع.

وتلك في الحقيقة أعظم الرسائل التي يمكن أن تقدّمها المؤسسات المجتمعية والتنموية للأوطان.

فهل سنرى مبادرات جديدة وفريدة ومتفردة في هذا المضمار من كافة القطاعات الأخرى ليساقط علينا رطب الرؤية جنياً؟