حين يحطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رحاله في بكين هذا الأسبوع، لن تكون هذه مجرد زيارة دولة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الدبلوماسية المعاصرة، بل ستكون لحظة مفصلية تنعقد في تقاطع أزمات متشابكة تمسّ بنية النظام الدولي في عمقه. فهذه أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الأراضي الصينية منذ ما يقارب تسع سنوات، وتأتي في ظل هدنة أمريكية-إيرانية هشّة تترنح على حافة الانهيار، وأزمة مضيق هرمز التي حوّلت شرياناً نفطياً حيوياً إلى ساحة مواجهة تُثقل كاهل الاقتصاد العالمي بأسره. الرئيس الصيني شي جين بينغ يستقبل ضيفه الأمريكي بحسابات دقيقة ومعقدة، إذ يدرك أن هذه الزيارة في حد ذاتها انتصار دبلوماسي بالنسبة إليه، يُعزّز صورة الصين بوصفها قوة عالمية لا يمكن تجاوزها ولا إقصاؤها. بكين لا تحمل أوهاماً كبيرة حول إمكانية تحقيق تحوّلات جوهرية وصفقات تاريخية في يومين، لكنها تسعى إلى توظيف هذه القمة لتقديم نفسها للعالم بوصفها بديلاً موثوقاً في مواجهة حالة التقلّب وعدم اليقين التي يراها العالم في السياسة الأمريكية. جدول أعمال اللقاء مثقل بالملفات الشائكة: التجارة والتعرفات الجمركية، والتكنولوجيا والمعادن النادرة، وتايوان التي تترقب بقلق بالغ أي إشارة أو كلمة قد تُلمح إلى تراجع الدعم الأمريكي لأمنها، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي والملف الأكثر إلحاحاً على الإطلاق في هذه اللحظة الراهنة، وهو الأزمة الإيرانية وتداعياتها على مضيق هرمز. الملف الإيراني يجثم بثقله على هذه القمة بشكل لافت، فالهدنة المُبرمة بين واشنطن وطهران لا تزال تتأرجح في فضاء من الغموض والشك، وترمب نفسه وصف الرد الإيراني بأقسى العبارات ووضع حظوظ الهدنة في أدنى مستوياتها، في حين أن طهران تتمسك بموقفها وتؤكد أن لها شروطها السيادية التي لن تتنازل عنها. وما يزيد المشهد تعقيداً أن الصين أعطت ضمانات لواشنطن بأنها لن تزوّد إيران بأسلحة نوعية، في خطوة وصفها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأنها ثمرة مباشرة للعلاقة المتينة بين ترمب وشي، مما يعني أن بكين باتت تلعب دوراً في رسم حدود المواجهة حتى قبل انعقاد القمة. أما على الصعيد الدولي الأوسع، فإن عواصم العالم تراقب هذا اللقاء بمشاعر متباينة: تايوان قلقة على ضمانات أمنها، وموسكو تترقب بعين الريبة خشية أن يُفضي التقارب بين العملاقين إلى إعادة ترتيب الأولويات الصينية بعيداً عن دعم مسيرتها في أوكرانيا، ودول جنوب شرق آسيا تتطلع إلى أي اتفاق يُعيد فتح مضيق هرمز ويُخفّف وطأة صدمة الطاقة التي تعصف باقتصاداتها، والأوروبيون يأملون أن يكون هذا اللقاء بداية لمرحلة أكثر استقراراً وأقل توتراً مما شهدناه على امتداد السنة والنصف الماضية. غير أن التحليل الموضوعي يقودنا إلى تقدير يتجاوز الأمنيات والتوقعات المتفائلة، إذ إن بنية المشهد القائم تُنبئ باستمرار ما يمكن تسميته «التصعيد المُدار»، وهي حالة لا تبلغ درجة الحرب المفتوحة الشاملة ولا ترقى إلى مستوى السلام الحقيقي المستقر، بل تسكن منطقة رمادية مفتوحة على كل الاحتمالات. الموقف الأمريكي ثابت على شروطه الجوهرية، والموقف الإيراني لا يُظهر أي استعداد للتراجع عمّا يعتبره ثوابت سيادية وجودية، وهذا التعادل في الإصرار هو الوقود الذي يُبقي هذا الجمود متجدّداً. والأخطر في المشهد الدولي أن كثيراً من العواصم الأوروبية باتت تتعامل مع أزمة مضيق هرمز لا بوصفها حالة طارئة مؤقتة ستُحلّ قريباً، بل بوصفها معطىً بنيوياً قد يطول، وتُعدّ له حساباتها الاقتصادية والطاقوية على الأمد البعيد، مع إبقاء الأمل حيّاً في فتح المضيق دون الرهان عليه. ولعل أبلغ ما يُعبّر عن هذا المشهد هو غياب أي طرف دولي فاعل حقيقي قادر على التأثير في مسار الأحداث أو دفع الأطراف نحو خيارات مغايرة، إذ إن المعادلات السائدة تُرسّخ حالة اللا سلم واللا حرب كأفق متاح للمدى المنظور، مع إمكانية عودة التوتر العسكري بدرجات متفاوتة، في غياب تام لأي أفق تسوية شاملة تُرضي الطرفين وتُعيد رسم خريطة هذا الجزء من العالم على أسس مختلفة.