أثناء الطيران، لا يتغيّر ما نراه من النافذة في الخارج فقط، يتغيّر أيضاً ما نشعر به من الداخل دون أن ننتبه. الطعام، الوجبة التي تبدو عادية على الأرض، تتحوّل فوق الغيوم إلى تجربة مختلفة؛ أحياناً باهتة وأحياناً لذيذة، بشكل يصعب تفسيره إلا إذا فهمنا ما يحدث لأجسادنا وما يحدث لأطباقنا.

يشتكي كثيرون من وجبات الطائرة، البعض يتهم الشركات بالبخل، والبعض يتعامل معها باعتبارها شيئاً ثانوياً في الرحلة، لكن الحقيقة أن الطعام على متن الطائرة منظومة تشغيلية وتجارية وعلمية معقدة، تشارك فيها المطابخ الضخمة والهندسة، وسلامة الغذاء وعلم النفس، والوقت والمسافة، وحتى صوت المحركات وضجيج الهواء.

بدأت قصة الطعام الجوي مبكراً، حين كان السفر بالطائرة كأنه مناسبة اجتماعية، كان الطيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي نادراً ومكلفاً، وكان المسافرون من طبقات غنيّة، لهذا كانت الخدمة تركّز على الرفاهية، فطائرات مثل DC-3 كانت ترى الرحلة نفسها جزءاً من المتعة، لذا كانت الوجبات تُقدَّم بأدوات حقيقية وأطباق ساخنة، وخدمة تشبه ما يُقدَّم في الفنادق الراقية.

ثم جاء العصر الذهبي للطيران في الخمسينيات والستينيات، ومع دخول الطائرات النفاثة بلغت الضيافة الجوية ذروة بريقها، كان المسافر على بعض الرحلات الطويلة يجد أنواع اللحم، والمأكولات البحرية، والحلويات الفاخرة، وخدمة طاولات تضاهي مطاعم المدن الكبرى.

بعض الشركات استعانت بطهاة مشهورين، وأخرى جعلت الطعام جزءاً من هويتها التجارية.

حاليّاً تغيّر العالم واتسعت الأسواق وزاد عدد المسافرين، إذ يتجاوز عددهم عالمياً 5 مليارات سنوياً، وتحوّل السفر الجوي من رفاهية محدودة إلى صناعة جماهيرية، هنا بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها الوجبات من المطابخ الصغيرة إلى مصانع ضخمة، وأصبح ما يُعرف اليوم بالتموين الجوي أو «الكاترينغ» قطاعاً مستقلاً تتجاوز قيمته عشرات المليارات ويخدم آلاف الرحلات يومياً.

بعض مراكز التموين الكبرى في مطارات عالمية مثل لندن وسنغافورة تنتج أكثر من 200 ألف وجبة في اليوم، هذه الصناعة تقوم على إدارة زمنية دقيقة، إعداد آلاف الوجبات، وفرزها حسب الرحلات والدرجات والطلبات الخاصة، ثم نقلها إلى الطائرات وتحميلها في فترات قصيرة، مع الالتزام الكامل بسلامة الغذاء وضوابط التبريد؛ لأن أي تأخير بسيط قد ينعكس على جدول الرحلات بالكامل.

مع كل هذا العمل، يتكرر سؤال، لماذا يبدو طعام الطائرة مختلفاً؟

الإجابة تبدأ من المقصورة، فالطائرة عند التحليق تضبط ضغطها الداخلي ليعادل ارتفاعاً يقارب 8 آلاف قدم فوق سطح البحر، وجسم الإنسان يشعر بهذا التغيّر حتى لو لم ينتبه له، حاسة الشم وهي مهمة في التذوق تتراجع كفاءتها بسبب انخفاض الضغط وجفاف الهواء، كذلك هناك عامل آخر لا يراه الراكب لكنه يعايشه وهو الضجيج، صوت المحركات وأنظمة التهوية وحركة المقصورة، تعزف خلفية صوتية مستمرة، وهناك أبحاث أشارت إلى أن الضوضاء تؤثر في المذاق، وتخفف الإحساس بالحلا أو الملح، بينما تجعل النكهات العميقة أكثر وضوحاً، بمعنى أن الأذن تشارك اللسان في تشكيل رأيك عن الوجبة.

أيضاً الرطوبة مؤثر مهم؛ لأنها تنخفض داخل الطائرة إلى مستويات أقل بكثير من البيئات المريحة للإنسان، وهذا يؤثر على الجلد والأنف والفم وكذلك الطعام الذي يبدو أكثر جفافاً وأقل جاذبية؛ لذلك تعتمد شركات الطيران على الصلصات والمكوّنات الرطبة، والوصفات التي تحتفظ بعصارتها بعد التسخين.

هنا يظهر الجانب الخفي من هندسة الطعام الجوي، فالوجبة التي تصل إلى مقعدك لم يتم إعدادها لتكون لذيذة فقط، بل لتتجاوز سلسلة طويلة من التحضير، والتبريد، والنقل، والتخزين داخل الطائرة، ثم إعادة التسخين في أفران محدودة الإمكانات، لذا يغلب اختيار أنواع معينة، مثل الفطر والطماطم، وبعض الأجبان، والتتبيلات الأقوى؛ لأنها تحتفظ بنكهاتها رغم ظروف الرحلة.

وجبة الطائرة أصبحت اليوم جزءاً من المنافسة التجارية، خاصةً في الدرجات المميّزة، بعض الشركات عادت للتعاون مع طهاة معروفين واهتمت بأطباق تعكس هوية بلدها وثقافته، ليعود الطعام إلى دوره القديم.. رسالة ضيافة لكن بأدوات حديثة.

في النهاية، حين تتناول وجبتك على ارتفاع 35 ألف قدم فأنت تجرّب تفاعل الإنسان مع الضغط والضوضاء والجفاف، والزمن والارتفاع واللوجستيات. قطعة الدجاج أو البيتزا أو كوب العصير الذي أمامك مرّ برحلة معقدة قبل أن يصل إليك.

في رحلتك المقبلة، عندما تجد أن وجبتك مختلفة عمّا توقعت لا تستعجل الحكم، فالمشكلة قد لا تكون في مقادير الطبخ، قدر ما تكون في بيئة الارتفاع.