سياسة الرئيس ترمب بفرض حصار بحري على إيران هي محاولة لخنق «النفس الطويل» الذي تنتهجه طهران، وتحديداً بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام أباد، حيث بدا واضحاً عزم الرئيس الأمريكي على تفكيك «النواة الصلبة» للنظام، والسعي إلى عزله وحصاره وقطع الطريق على مكاسب النفط التي كان يحققها عبر مضيق هرمز، خصوصاً من الصين والهند، وهو ما يزيد من احتمال ممارسة بكين الضغط على إيران لإعادة فتح المضيق، والعودة مجدّداً لطاولة المفاوضات، حيث ستكون استعادة اليورانيوم الإيراني المخصب أول بنود الاتفاق المحتمل.

الحصار البحري الأمريكي هو «تكتيك سياسي» لإعادة إيران إلى المفاوضات دون أي أوراق ضغط قد تمارسها، أو تحاول أن تفرض أي شروط أخرى، وبالتالي طهران ستفكر بعقلية الدولة وليس الثورة في الجولة المقبلة من المفاوضات التي ستقدّم فيها تنازلات كبيرة لبقاء النظام أولاً، والانكفاء إلى الداخل ثانياً، وهو ما يجعل إيران أمام مأزق حقيقي لو حاولت أن تفوّت فرصة إبرام صفقة مع الجانب الأمريكي؛ لأن العالم -وليس أمريكا- سيشكّل ضغطاً عليها، وخصوصاً من حلفائها في الصين وروسيا، وبالتالي الموقف حالياً ليس بداية استعداد لمواجهة عسكرية أخرى بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، ولكنه موقف يحتاج إلى قرار سياسي إيراني لتجنّب التصعيد مجدّداً، والرضوخ إلى الشروط الأمريكية في المفاوضات.

أعتقد أن فكرة الحصار بعد 38 يوماً من الحرب هي أحد أوراق الضغط الأمريكية للانتقال من فكرة المواجهة إلى تغليب لغة المصالح، وطبعاً إيران ليست طرفاً وحيداً في ذلك، بل يشاركها العالم الذي تضرر من إغلاق مضيق هرمز، وعلى هذا الأساس ستكون هذه المصالح هي من تقرر نهاية هذه الحرب، والجانب الأمريكي هو من سيحدد مسار هذه المصالح على الأقل في المنظور القريب، قبل أن يتحرك العالم -وأوروبا تحديداً- في رسم سياسات استخدام المضيق على المدى البعيد.

مشكلة إيران أنها كانت تعتقد أن ورقة مضيق هرمز ستقودها إلى تحقيق توازن استراتيجي في حربها ومفاوضاتها، لكنها بعد الحصار وجدت نفسها مضطرة للحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها أيضاً، وهو ما يجعلها أمام ضغوطات غير مسبوقة؛ إما الاستسلام للشروط الأمريكية أو خسارة هؤلاء الحلفاء؛ الذين سيكون لهم دور أكبر بعد نهاية الحرب.

تحدٍّ آخر تواجهه إيران في هذه المرحلة، وهو الأسبوع المتبقي من وقف إطلاق النار، ومدى قدرتها على اتخاذ قرار لن يجعلها منتصرة في النهاية، لكن سيبقيها دولة مدمرة ومجردة من سلاحها النووي، والباليستي، ولن يكون لها دور وهي ترى وكلاءها يُنزع منهم سلاحهم، ويقرون أن محور المقاومة سقط بمجرد استسلامها، وتطوي معها إيران صفحة ثورتها التي فشلت في تحقيق أحلامها.