انقضت أيام؛ و(مفروك الليّن)، يحوف ويطوف بالقُرى، يسير على ساقه ويحبي بروحه؛ ينقي بيوت؛ يغلب على ظنه أنها تقضي لزومه، يوم يشارك بعض كبار السنّ براد العصريّة؛ وأيام يشرب دلّة الضحى مع أرامل ومعمرات؛ غضّنت السنين بشرتهن؛ ونشّفت الحوادث دمع مقلهن، وشمّط الدهر ما تبقى من شعرات حواجبهن، ويضحكهن بحكاياته ونوادره؛ ويجي له معهن لقمة من قرص مدغْوَل في رماد.

أفصح عن رغبته في عروس؛ ووعد من تسنعه منهن؛ بكسوة يسمع بها البدوان والتهمان؛ وكلما شرن عليه بشور، يتخبّر ويتحيّر، وربك المدبّر؛ سألته أخبرهن بالنُكح؛ وش في بنات جماعتك؛ ليش ما خطبت في قريتك؟ فصارحها؛ أنه راعي بلاد؛ ويبغي له وحدة قومانية؛ من بيت جور وبور؛ فقالت؛ مطلوبك عندي؛ وبدهاء عرفت خافيه، وأبدى لها بالعيوب اللي فيه، ونبّشت سرايره؛ ففرط لها السبحة؛ وأخبرها أنه عاش وأهله حياة شقافة ولقافة، وقضوا أعمارهم عطوان عند قرابتهم؛ بطونهم بظهورهم؛ ولذا عقد العزم، على الاقتران ببنت حرام، تجيب له أولاد قشران، ينتصرون للمظلّمة من سلفه وخلَفه.

قالت له صاحبة الرشادة، دقّ في كفي ريال فضة؛ فأخرجه من كمر محوي ما ندر من وسطه، حوافه مُحلت؛ فطلبت منه؛ يبتل ولا يركز مشعابه إلا في مجلس جارها (شمتان القاسي) وأوصته يطلبه ملزمة الله في أخته (مطيرة) وصفتها له وصف المحرّج للبضاعة؛ وبيّنت مزايا وعيوب ما يعرفها عن السلعة إلا دلالها؛ وفقدت له بما بقي في ثمها من نيبان؛ إنها لتملأ له السُّيح بالذراري اللي تتعوذ منهم حتى الجنّ، فانمرش من حينه، ونادى يا أهل البيت؛ رحّبت حرمة القاسي؛ وفرشت له جاعد سدة الباب؛ وما أمداه تواسى، إلا (شمتان) داخل عليه، عيونه يتطاير منها شرر، خامسه وفغص كفه؛ ولقيها حرشاء فانفرجت أساريره؛ وسرعان ما احتفش وفكّ الكمر؛ ومد به للعاني يعلقه في الزافر، فسمع رنة الفضة، وحسّ بثقلها، تقهوى؛ وأعطاه علمه؛ وقال؛ أختك مطيرة ما لي عنها خيرة، وما خرج من عندهم إلا نهار تالي.

دخل على أمه؛ ترافقه عشان تشوف العروس، قالت؛ يا هدسه الأجنبيّة ما عندها رحمة ولا ماويّة؛ بدّ اهبط خذ لنا؛ غراز وكادي، وقهوة وحوايج، وكم قطعة قماش؛ وصلت هي وياه عند الأرحام؛ وأغرقوها بالتراحيب؛ وهم في طريق عودتهم؛ سألته؛ وش أغداك عليها؛ يا الله لك الحمد؛ لا ملفى في مقعد، ولا مقفّى في مرقد؛ فلف عمامته على رقبتها وطلبها تسكت، قائلاً؛ أدري، أدري؛ إنها لا وجه ولا قفى؛ لكنّ أهلها لا يحلّلون ولا يحرّمون، أرب الله يجي لي عيال؛ يقطّرون حليب الدُّميا في عيون الكبار قبل الصغار.

راحت العروس؛ وأخرج مسدسه من بيته ورمى من فوق رأسها ثلاث طلقات؛ أوصته أُمه؛ ينذّر بها أوّل ما تدخل عليه؛ وقالت؛ (انترها من قدمها الشمال وقل دبوا منيه، والزم شحمة إذنها اليمين وقل؛ وخرجوا منيه) ولا تسمي بالرحمن؛ وابشر بالورعان؛ قال؛ بليت همها ما تصبح إلا كما امها؛ فخجلت ولقته ظهرها، وهو نسي الوصايا، ورقد قبل ما تدخل العروس عُليّتها؛ بغى يستلحقها قبل الفجر، لكنه استحى من المدغبسة صوتها يلعلع تحت الجناح.

ما مضى العام، إلا وبطنها قرتها؛ وكتب الله تجيب (ماطر، ومطران) وما طوّلت الفرحة؛ مات (مدهوف الليّن) وتنكرت القرابة للميتّم واليُتمان؛ وما انقضت حسبتها، إلا ودقوا في قفاتها وأقفية صغارها وقالوا؛ أهلك مطروا؛ عوّدي على حق أبوك؛ كبر الصبيان، وكثرة شكاوي القرية منهم؛ جارتهم تقول؛ مدري من لقط البيض من تحت دجاجي؟ والمذّن؛ يحلف أنهم خنقوا ديكه؛ والملغّب تهوّل منهم كيف وصلوا للبارود؛ وبغوا يشبون بيته بمن فيه؛ والدلّالة؛ شلّوا ضرة بقرتها، خلوها لين سرحت تختلي؛ ودخلوا السفل وكتفوا الحسيل، وامتصوا ما فيها من حليب، وهو يلمح في صنع الله بعين الحسرة.

حطّوا في كل بيت ناعية، وبعدما اشتدت سواعدهم، قرروا يعودون إلى أهل أبوهم، يدورون حقهم؛ ونشبوا في حلق ولد عمّهم (نعمة الله) فشهّد عليهم الجماعة، والجماعة في النهار معه؛ وبالليل عليه؛ وكان منشغلاً بحماية الخريف إلى المغرب، ويسرح يكلاه إلى الفجر؛ وفي ليلة تعمى ظباها؛ هجموا على الركيب؛ وما أمداهم يقصعون العذوق؛ إلا وذراع كما ذراع بعير؛ تخمهم من وراهم وتصاكع بروسهم، وقلطهم في كُرّ مليان عقش وطلح يابس؛ تخمّشوا، وذلّت دميانهم تعطي؛ وطلعت عليهم الشمس؛ وكل ما مرّ عليهم سارح، ينشدهم؛ وشبكم؟ فيردون؛( نعمة الله) فيعلقون؛ الله يزيدكم؛ طلب ماطر من شقيقه مَطران؛ يرفعه ليظهر، وهو بيمد له يده ويطلعه؛ وقعدوا في القف يتباكون؛ قال؛ مطران؛ اقرب نبّز شوكي، وأنا بعدها أنبز شوكك، ردّ عليه؛ لا لا؛ كل واحد ينبّز شوكه بيده.