التفكير الصفري يدفع بعض محللي شؤون الحرب القائمة بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى الذهاب استسهالاً إلى مبدأ الرابح والخاسر من الحرب، وإن كان الربح نسبيّاً والخسارة كذلك، ويتوسع ذلك التحليل ليشمل دول الخليج والأسواق المتضررة من إغلاق مضيق هرمز آسيوياً وأوروبياً.

ويتم تناول الصين اختزالاً في ملف الطاقة، ولكن المؤثرات الآنية والاستراتيجية على بكين هي متعددة بحكم تداخلها مع ملفات الاقتصاد والعسكرة وقدرتها على تعطيل قرارات مجلس الأمن بالفيتو بشكل مفرد أو بتنسيق مع موسكو، والأهم على المدى الاستراتيجي هو مبادرة الحزام والطريق التي لا يجب أن تتم في بؤر صراعات.

ولهذا بالنظر إلى موقف الصين من الحرب الجارية، يجب الإقرار أن الصين وبشكل استراتيجي لا تدعم بشكل مباشر الأطراف القريبة منها عسكرياً، حيث أن لديها حساسية من فكرة «الحليف» خاصة بالمنظور الغربي، وتفضل عليه إطار الشراكة أو العلاقات التعاونية، ولهذا بطبيعة الحال جذور تاريخية تعود إلى الحرب الباردة وكذلك التحالف الصيني الروسي في خمسينات القرن الماضي، وهذا يخلق التباساً كبيراً لدى المراقبين ليس في علاقتها مع إيران فقط ولكن بشكل أكبر في علاقتها مع كوريا الشمالية.

لكن الصين وقّعت في مارس 2021 اتفاقية مع إيران تشمل جوانب اقتصادية واستثمارية، وما يعنينا في نطاق الحرب القائمة أن الاتفاقية الاستراتيجية شملت التعاون الأمني والعسكري في المجالات الدفاعية، وقد شمل ذلك تحوّل إيران بشكل كامل من نظام GPS إلى نظام الملاحة الصيني BeiDou، وهو النظام الذي تستخدمه طهران لتوجيه الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة.

وتوسع استخدام هذا النظام الذي أعلنت عنه الصين قبل ست سنوات، يبدأ من قدرة النظام الإيراني على التشويش على أنظمة الملاحة الغربية GPS داخل الأراضي الإيرانية، ليمتد لمخاطر على كافة السفن العابرة في الخليج، وصولاً إلى ما يمكن تسميته فرض الصين لاعباً في هرمز مع تفعيل نظامها الملاحي في المضيق.

التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات الآني يمثّل أحد أوجه التعاون بين الطرفين، وإن كان الرائج إعلامياً بشكل أكبر هو تقديم موسكو معلومات لإيران لمساعدتها على الوصول لأهدافها، ويأتي الدعم الصيني، الذي أتوقع أنه محدود ولا يشمل مشاركة كل ما تعرفه مع إيران، مدعوماً من أكثر من 500 قمر صناعي تمتلكها مما يمكّنها من التتبع الدقيق للبحرية الأمريكية، والتحديث المستمر لصور الخرائط.

وهناك بالطبع مجالات تعاون أخرى عسكرياً وجلها بطبيعة الحال غير معلن، لكن هذا التعاون لا بد أنه موزون لأن الصين بطموحاتها الاقتصادية ورفضها كما ذكرنا لفكرة الحليف، لا تريد أن تكون إيران قوية بما يكفي لتكسر الآخرين، مما يستدعي بالضرورة ردع أكبر قد يؤدي لسقوط نظامها، وهذا سيمثل خسارة إستراتيجية لها، ولا تريدها ضعيفة بشكل يضعف صورتها كشريك موثوق به.

إن الصين التي اشترت 80% من النفط الإيراني في العام الماضي، تنظر لاستقرار وارداتها النفطية بطريقة براغماتية، سواء ما كان يأتي من فنزويلا أو ما يأتي من الخليج وروسيا وإيران؛ لأنه عصب اقتصادي مهم لها، وتعرف أن ارتفاع سعر النفط مضر لها استراتيجياً ليس كمستورد للنفط فقط، لكن على مستوى رفع تكلفة الصادرات التي يؤثر على الطلب العالمي بالنتيجة.

لكن معركة تُحسم في مدى أسابيع إلى أشهر بحد أقصى ستكون السيناريو المثالي لبكين على أكثر من مستوى، أولاً زيادة اعتمادية إيران عليها مع كل ما ينتج من دمار في بنيتها التحتية، وثانياً عبر الفرصة لتقييم القدرات العسكرية الأمريكية وتحليل أداء القوات الأمريكية في المعركة عبر الذكاء الاصطناعي.

كما تُمكّن الحرب الصين من مراقبة كيفية تعامل أجهزة استشعار الولايات المتحدة مع الرادارات منخفضة التردد، وتكشف مدى صمود المعدات الإيرانية تحت القصف المكثف. كما تُمكّن بكين من رصد استنزاف القوات الأمريكية لمخزونها من الذخائر باهظة الثمن ضد أهداف حُدِّدت عبر أنظمة مراقبة صينية، ومن نافلة القول إن هذا مختبر أبحاث لأي مواجهة محتملة في بحر الصين، أو إلى عمليات في تايوان حسب تقرير وزارة الدفاع التايوانية والمنشور منتصف شهر مارس الماضي.

ولهذا ذهبت الإيكونومست لعنونة غلافها «لا تقاطع عدوك وهو يقترف الأخطاء»، وإن كان التسليم بمسار واحد في التحليل السياسي جهالة، فآجال الحرب غير محسومة، والاحتمالات مفتوحة على مسارات تدفق النفط الإيراني، ومسارات الشراكات الإيرانية مفتوحة أيضاً بعد أن يسيل الحبر الإيراني موقعاً اتفاقية مع واشنطن.