تطوّرت أدوات الإعلام والصحافة سعياً لخلق رأي عام حول فكرة معينة عبر التاريخ، لكن شهدنا في العقدين الأخيرين كيف سعت وسائل التواصل الاجتماعي لخلق الانطباع، وهي مهمة لدى حرفيي الصحافة والتسويق، والانطباع ليس بالضرورة قرين الحقيقة، لكنه الصورة الذهنية عن بلد أو منتج أو شخص.

وشهدنا قبل فترة رواج الذكاء الاصطناعي للاستعمال الواسع من قبل المستخدمين، كيف أثرت الخوارزميات في مواقع البحث والشبكات الاجتماعية، عبر دراستها لنفسيات المستخدمين وأحياناً مدى جهالة المتلقين في التأثير على قراراتهم، وبالتالي يتجه مثلاً الناخب في دولة ما للتصويت لشخص بناءً على ما تُصُور له من انطباع.

لكن ما يهمني اليوم هو الحديث عن موضوع السرديات التي يتم السعي لتمريرها خلال الحرب الجارية، كما أشرت في مقال «المعركة السعودية المختلفة..!»، ومن ضمن هذه السرديات هو السعي لتمرير فكرة إنضاج الحرب لفرصة التطبيع مع إسرائيل.

وإذا ما تناولنا تحليل الخطاب الخاص بنتنياهو قبيل الحرب ثم خلالها، نرى تغيّراً في النهج المتبع في الطرح، من انتقاد المملكة خلال العامين الماضيين عبر القول بأن المملكة لا يجب أن تدعم أعداء إسرائيل، والتحفظ على أي تقارب سعودي سواء كان مع مصر أو مع باكستان، أو حتى مع تركيا وقطر لاعتبارات حمساوية.

إلى لغة تتحدث عن أن تحييد الخطر الإيراني سيعد فرصة ليكون التطبيع أقرب من أي وقت مضى، وذلك في صحيفة هارتس بداية مارس الماضي، وصولاً لركوب موجة إغلاق مضيق هرمز، عبر الحديث عن فرص تعاون اقتصادي مع المملكة بعد انتهاء الحرب، تشمل مد أنابيب لنقل النفط السعودي عبر إسرائيل.

ومن جانب أمريكي، تكرر حديث الرئيس ترمب عن قرب التطبيع وتوسع دائرة الداخلين في الاتفاقيات الإبراهيمية، حيث ذكر في أكتوبر الماضي أن السعودية ستطبع قبل نهاية العام الماضي، وفي مقابلته في نوفمبر الذي تلاه أعاد تكرار ذلك في مقابلة على CBS في إجابة عن سؤال حول تأكيد السعوديين بأن لا تطبيع دون حل للدولتين، فهل تصدق ذلك؟ فرد: لا

هذه المقابلة حدثت قبل زيارة ولي العهد إلى واشنطن، ثم أُشير في الصحافة الأمريكية لمسعى الرئيس للضغط نحو اتفاق، والحنق من الموقف السعودي الثابت والملتزم بحقوق الشعب الفلسطيني، وبطبيعة الحال كانت الزيارة ناجحة ولم يرتق لمراسم الاستقبال فيها أي ضيف سابق، وحصلت السعودية على ما أرادته ووصفت بحليف رئيسي من خارج الناتو.

إذن نحن اليوم أمام سردية تُسوق من إسرائيل وأمريكا لأسباب عدة، منها الداخلية التي لا يجب تجاهلها، مفادها أن العائق أمام تطبيع المملكة مع إسرائيل هو وجود الخطر الإيراني، وهو الخطر الموجود منذ سبع وأربعين سنة، ناهيك عن أن إيران موجودة كدولة جارة وستبقى، حين طبعت طهران مع تل أبيب وقت الشاه وحين تراجعت عن ذلك لاحقاً.

هذه السردية تتعارض مع السردية السعودية الثابتة منذ مؤتمر فاس حين أشار الملك فهد رحمة الله عليه إلى حل الدولتين كمدخل للتطبيع بداية الثمانينات، أو حين قدم الملك عبدالله رحمه الله في القمة العربية ببيروت 2002 مبادرة السلام، وصولاً إلى ما يطرحه بشكل ثابت ومتكرر المسؤولون السعوديون عن أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو الباب الأوحد للسلام.

ومن هنا يجب فهم السياق العام للتصريحات التي تمتعض من المملكة على مواقفها، من عدم الحرب مع إيران ومن عدم السلم مع إسرائيل، وقد كان من سخرية القدر كيف أصر الإعلام الغربي حين زيارة ولي العهد نوفمبر الماضي بأن لا F35 إلا بتطبيع، ثم ذهب مؤخراً إلى أن المملكة تجبر ترمب على الاستمرار في الحرب، وهنا ربما يتساءل القارئ هل المملكة قوية أم ضعيفة أم الاثنتان معاً ؟