الدول تقوم على تحقيق مصالحها الوطنية بغض النظر عن الأديان المسيطرة في هذه الدولة أو تلك، لكن في الواقع المعاصر نشهد العديد منها توظّف العقيدة الدينية في تحقيق مصالحها، والإشكالية ليس بهذا التوظيف، بل بخطاب وشعار تلك الدول الثورية الدينية، إذ ترفع الدين ونقيضه، كما نشهد في شعارات إيران الثورة الإسلامية منذ 1979، ومن ثم الأحزاب والتيارات التابعة لها، فقد تتلاشى مصالح الدول الوطنية، ويصبح الولاء للمذهب والمرجعية الدينية هو الأساس، وهذا ما نشهده في التيارات الإسلاموية السنية والشيعية على حدٍّ سواء. إيران مثلاً ومنذ قيام ثورتها الدينية التي يعتقد الكثير من المؤدلجين الإسلاميين وبعض تيارات اليسار العربي أنها هي من ستحرر فلسطين وتقضي على إسرائيل وشعارها كما هو معروف «الموت لأمريكا الموت لإسرائيل»، للأسف عند هؤلاء الحلول والوصول لها صفرية عدمية، ولكن عند النظام الإيراني غير ذلك، هو يهتم بالمصالح الإيرانية الفارسية المغلّفة بشعارات دينية حتى يسوق خطابه السياسي في المنطقة والعالم، ويمكن القول إنه نجح كثيراً في هذا المسعى لأسباب عديدة؛ منها الفراغ السياسي والأمني في العالم العربي والتي وصل الحال للكثير منها لأن تصبح أقرب إلى الدول الفاشلة، فهناك حروب أهلية عبثية تمزقها أو تدخلات إقليمية ودولية مدفوعة لمصالح تلك القوى، وحالة الصومال العربي مثال حي على الحالة العربية الممزقة التي تسمح لدول وقوى إقليمية للهيمنة على بعض الدول العربية، وما نشاهد من اعتراف إسرائيل مؤخراً بما يسمي بدولة «أرض الصومال» لدليل على حالة التشظي العربية.

اللافت في هذه الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران تكشف الولاءات الوطنية الحقيقية عند البعض في عالمنا العربي وفي خليجنا العربي البعض يحتفل بموقف إيران البطولي في هذه الساحة لأسباب ضربها لدولة إسرائيل بصواريخها البالستية التي لن تحسم المعركة ونتائجها النهائية، لكنها العواطف والأماني بتحرير فلسطين من دولة تضرب وتدمر الدول الخليجية العربية والجارة لإيران، وعندما تطرح مثل هذه التساؤلات لهؤلاء المؤدلجين فالجواب أن الغرب وإسرائيل هم من اعتدوا على إيران وهذا صحيح ولا أحد يختلف عليه، لكن كلنا نتابع حتى الآن الدول الخليجية قبل الحرب وأثناءها تصدر البيانات والتصريحات على لسان أكبر قيادتها بأن أراضيها وأجواءها ومياهها الوطنية لا ولن تستخدم ضد إيران من قبل الجانب الأمريكي، لكن هذا لم يكن كافياً أن تقتنع طهران أن دول الخليج بعيدة عن المشهد العسكري، وهي تعرف ذلك، لكنها تريد خلط الأوراق واستجلاب العواطف من شعوب المنطقة بأنها تحارب وتدافع عن المسلمين والمستضعفين في كل مكان وكأن شعوب الخليج العربي غير مسلمة وهي تدمَّر منشآتها المدنية ومقدراتها الاقتصادية، تخيل لو أن القيادة السياسة في إيران لم تستهدف دول الخليج العربي وتغلق مضيق هرمز كيف تغيرت درجة التعاطف الشعبي في الخليج معها، لكن ما حدث سيبقى لعقود قادمة، ولن يكون في صالح النظام الحاكم في إيران، ولن أقول إيران ذاتها الشعب والثقافة والحضارة.