ما يميّز هذه الحرب الجارية أن الأطراف الثلاثة لديها منطلقات مختلفة للحرب، وبالتالي حاجة للحرب داخلية وخارجية وقد يتعذر عليها تحقيق هذه الأهداف دونما حرب، وبالتالي تقديراتها لمضرة السلم ومضرة توقف الحرب مختلفة، أما النصر فهو مادة إعلامية تغلب عليها البروبغندا والعاطفة، ولا معنى من مناقشتها في منطقة طالما انتهت صراعاتها بإعلان كل أطراف النزاع النصر.
ولنبدأ من أمريكا حيث لا يتسق منهج الحرب مع رئيس يرى أحقيته بنوبل للسلام، وكان يسعى لذلك جدياً في العام الماضي، وقد أسهم – مع فهم لتحفظات الكثيرين- في وقف إطلاق النار في لبنان ثم غزة، وإيقاف آلة الجنون الإسرائيلية والتي مثل لها السابع من أكتوبر ذريعة لتغيير قواعد اللعبة ومحددات المعركة، والاستغراب الآخر يأتي بعد حرب الاثني عشر يوماً في يونيو الماضي، حيث لم تنضج المعاهدة النووية ولم تقطع جزماً بانتهاء مشروع السلاح النووي الإيراني.
وسيبقى الهاجس الرئيسي للرئيس ترمب هو الحصول على اتفاق نووي يباهي بأنه أفضل من اتفاق أوباما، ولكن مَن يريد اليوم اتفاقاً نووياً يخلو من التزامات إيرانية حول التدخل في دول الجوار ودعم المليشيات، وخلاياها تتكشف تباعاً في الخليج، ومَن يثق في طهران بعد اليوم، والتي صرح وزير خارجيتها عباس عراقجي بأن برنامجها الصاروخي لا يتجاوز مداه 2000 كلم، والأرجح أن ذلك التدليس كان منوماً للأوروبيين، فقد تبيّن من استهدافها الأخير لقاعدة دييغو غارسيا (الأمريكية البريطانية المشتركة) في المحيط الهندي والتي تبعد 4 آلاف كيلومتر من طهران، أن مدى صواريخ إيران أبعد بكثير من ما زعمت.
ومن جانب إسرائيل فهدف إسقاط النظام ليس منطقياً من الجو، وحتى نتنياهو تراجع عنه في خطاباته الأخيرة، ويعلم اليوم بأنه لا يستطيع البقاء في المعركة حتى الانتخابات القادمة في أكتوبر، ولكن الخط الفاصل بين مستهدفات إسرائيل وأمريكا غير إسقاط النظام، إن إسرائيل تريد تجويع النظام، واتضح ذلك من ضرب تل أبيب لحقل الغاز الإيراني (بارس الجنوبي)، والذي ردت عليه إيران بقصف حقل الغاز القطري (رأس لفان) على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي)، وهنا تبرز إسرائيلياً بدائل التوغل الحربي في إسقاط النظام وذلك عبر تجويعه.
في إيران التي قطعت الإنترنت من اليوم الأول عن مواطنيها يجب الفصل بين ما هو معلن وما هو حاصل على الأرض، خاصه مع شح المراسلين، فصحيح أن الاستمرار في قصف دول الخليج وإسرائيل دلالة أن إيران استعدت جيداً للحرب، لكنه دلالة أيضاً على أنها استعدت لحرب طويلة، لكنها أرادتها حربا مكلفة أيضاً على الاقتصاد العالمي، لأن لإيران هدفين لا ثالث لهما كما ورد في تصريحات مسؤوليها، أولاً منع تكرار هذه الحرب مجدداً، حيث عُدت الحرب الجارية اليوم والتي سبقتها في العام الماضي، أول مهاجمة مباشرة لها منذ توقف حربها مع العراق وإعلانها الهزيمة.
وقد بنت إيران دون ذلك الأذرع، لتكون سياجاً حامياً لها، فأتت الضربات المتتالية على السوار ثم إلى المعصم، فقد كان سقوط بشار الأسد قاصمة ظهر، وتتالت الخسائر في باقي الأذرع، والهدف الثاني هو الحفاظ على صمود النظام، حيث تأكلت شعبية النظام كثيراً وحقّقت العقوبات الاقتصادية آثاراً متراكمة على قدرة النظام على الوفاء بالاحتياجات الرئيسية للشعب.
وبالتالي فالسلم اليوم يمثل فرصة لخصوم ترمب للقول بأنه ذهب إلى حرب بلا استراتيجية وعاد بلا نصر، ويمثل خسارة أيضاً لنتنياهو لأنه لا يستطيع القول بأنه ألغى الخطر الإيراني تماماً، ولكن بديله سيكون المزيد من التغول في لبنان للإمعان في إضعاف حزب الله، لكن الخاسر الأكبر من توقف الحرب اليوم سيكون إيران، أولاً لأن الحرب مثلت شريان حياة للنظام، حيث تمثل الحروب فرصة للأنظمة الثيوقراطية تسمح لها بقمع أي صوت معارض تحت قاعدة: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
كما أن الخسائر الاقتصادية المتراكمة على مستوى القطع البحرية وقدرات التمويل عبر الغاز والنفط بعد الضربات، تجعل العودة للحالة الاقتصادية الصعبة قبل الحرب متعذرة، كما أن لا يوجد أي فرصة لمشاريع إعادة إعمار وطهران تقبع تحت العقوبات، ناهيك عن جفاف موارد تمويل ذلك، كما أن القصف استهدف مراكز حرس ثوري ومقار أمنية في مناطق الأكراد، مما قد يمثل فرصة لو توقفت الحرب لإيجاد خلل في النسيج المركب لإيران قد ينطلق من منطقة الأكراد ولا يتوقف عندها.
الحرب الطويلة هي أفضل ما يخدم إيران، وقد يكون التعنت أثناء المفاوضات وسيلة لاستجلاب الحرب، باعتبارها على المدى الطويل خسارة للآخرين، لكن توقفها كما أتوقع خلال أسابيع سيكون تكلفته عالية خاصة على مستوى قدرة النظام الإيراني على إدارة الدولة بعد كل هذه الخسائر، فشعبها لن يقف عند الأفران ليتناول شعارات الصمود بدلاً عن الخبز.




