القطار الثقافي في السعودية يركض بسرعة مدهشة. التغييرات تطحن الأنماط القديمة بلا رحمة. وفي وسط هذه المعمعة يجد الناقد الأدبي نفسه وحيداً أمام مرآة الحقيقة. السؤال المحرج الذي يهرب منه الجميع: لمن تكتبون بالضبط؟

عقود طويلة ضاعت في صراعات فكرية عقيمة وتصفية حسابات شخصية ملّها القارئ.

اليوم، يمر النقد بمأزق صامت. مأزق يتحاشى الكثيرون مواجهته علناً. هناك مواجهة شرسة وغير متكافئة؛ عقلية أكاديمية متزمّتة تحرس دفاترها القديمة، وفي المقابل هناك طوفان من الروايات والقصائد الشابة التي تقفز إلى الشاشات كل صباح. نصوص سريعة، متمردة، ولا تنتظر أحداً.

لحسن الحظ، تجاوزنا مرحلة الانطباعات السطحية والمجاملات التقليدية. صار لدينا نقاد يملكون أدوات حديثة ورصينة. هذا صحيح. والدعم المؤسسي موجود ولا يمكن إنكاره؛ ما تفعله هيئة الأدب والنشر والترجمة من مبادرات وجوائز، بالتكامل مع الأندية الأدبية، يمثل شريان حياة حقيقي. لكن، هنا مربط الفرس، ما فائدة كل هذا الزخم إذا كانت المخرجات تُكتب بلغة مصمتة؟، لغة لا يفهمها سوى خمسة أشخاص في قاعة الجامعة؟

هذه الفجوة الرمادية هي الأزمة الحقيقية.

الرواية السعودية المعاصرة شابة، وتُقرأ عبر الهواتف والمنصات الرقمية. بينما يصر النقاد -إلا قلة- على الحديث بلغة غارقة في المصطلحات المعقدة. هذا الانفصال التام عن الواقع جعل النقد عاجزاً عن قيادة الوعي الثقافي. القارئ اليوم لا يحتاج إلى دراسات ثقيلة من مئات الصفحات تصدر بعد عام من موت الرواية وانطفاء وهجها. يبحث الناس عن قراءة ذكية، رشيقة، ومبسطة. قراءة تلاحقهم في الصحافة اليومية والمساحات التفاعلية الإلكترونية.

الفرصة الحالية تاريخية بكل المقاييس. التمكين في ذروته والإرث المعرفي صلب. لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالدعم المادي أو المؤسسي. الرهان يتعلق بالشجاعة فقط. هل يملك الناقد الجرأة لخلع عباءته الأكاديمية الثقيلة؟ هل ينزل إلى الشارع الرقمي ليخاطب الناس بلغتهم؟ إن لم يفعلها الآن، سيبقى النقد مجرد صدى باهت في ممرات الجامعات المغلقة.