أوردت صحيفة الشرق الأوسط خبراً مُوجعاً يُجسّد مأساة الإنسان المعاصر الذي ضاعت قيمه وسُلّعت عواطفه في زحمة الحضارة، ودهاليز الذكاء الاصطناعي حتى أصبح شكله المفلتر أكثر حضوراً من صورته الواقعية.

يعيش عصراً غريباً، تغيّرت فيه الأولويات، واستبدلت فيه المشاعر وتشوّهت فيه الصور.

أظهرت منصّة «وي تشات» الصينية زبائن يحضنون حيوانات اللاما والسلاحف والغزلان بالإضافة إلى أشبال الأسود في مطعم (وانهوي ) في مدينة تايوان يبيع تذاكره يومياً لزبائن راغبين في احتضان الحيوانات كونه نشاطاً مُضافاً إلى قائمة الطعام.

أثارت هذه الخدمة قلقاً شديداً بشأن وضعها القانوني وحالة الحيوانات وعدّته ظاهرة خطيرة وغير مناسبة للحيوانات العجماء وارتضاها الإنسان مستعيراً من المتنبي قوله:

ذو العقلِ يشقى في النّعيمِ بعقلهِ

وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ

قبلها اخترع فندق في نفس المقاطعة الصينية خدمة إيقاظ النزلاء عبر حيوانات الباندا الحمراء، بتسلقها الأسرة ومداعبة النزلاء والتمسّح بهم.

بدلاً من وجه صبوح مبتسم وعيون ناعسة يداعبها الوسن وشعر متشابك تحاول فك عُقده بأصابع من عسل، وعطر اختلط برائحة الندى.

مما يعنى موت الغرائز الطبيعية للإنسان وفقدان العاطفة الجبِلية التي أوجدها الخالق في تكوينه،

فالحضن لم يعد فعل محبة، يتوقف فيه الزمن للحظة لنشعر بالطمأنينة والسلام، وأنه المكان الذي نلجأ إليه لنشعر بالدفء والأمان.

معلم الإنسانية الخير يُفزع ويخاف ومرسول السماء يعُلمه القرآن فيلجأ إلى حضن خديجة يطلب السكينة والحنان حتى تهدأ نفسه وترتاح.

الحضن أجمل هدية لمن نُحب، لغة صامتة تتجاوز الكلمات، تشعر الإنسان بالراحة ملاذه وقت الشدة، ومصدر نشوته. البكاء في حضن من نحب أصدق ألف مرة من حضن حيوان.

الحضن يساعد على إفراز هرمونات السعادة مثل الأوكسيتوسين والدوبامين والسيروتونين، ويُساهم في تخفيف التوتر والقلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية، ويعزز الشعور بالأمان، إنه لغة عالمية لإظهار الحب والسعادة وحتى الحزن.

تؤكد الدكتورة الأمريكية فرجينيا ساتير، إننا بحاجة إلى أربع جرعات عناق يومياً للبقاء على قيد الحياة، وثمانية عناقات يومياً لعلاج آلامنا، واثني عشر عناقاً يومياً للنمو والتكاثر.

اليوم أصبح العناق وباقي العواطف الإنسانية سلعة سياحية تُطلب ضمن قائمة الطعام، كالمقبّلات والمشروبات، أي انحدارٍ هذا؟ وأي شعور ميت يدفع الإنسان ليتسوّل حضن حيوان أعجم في سوق المشاعر المزيفة؟!

يقول شوقي:

لَمْ أَدْرِ مَا طِيبُ العِنَاقِ عَلَى الهَوَى

حَتّى تَرَفَّقَ سَاعِدِي فَطَوَاكِ

وَتأَوَّدَتْ أَعْطَافُ بَانِكِ فِي يَدَيَّ

وَاحْمَرَّ مِن خَفَرَيْهما خدّاكِ

ودخَلْتُ فِي لَيلَينِ: فَرْعَك والدُّجَى

وَلَثِمتُ كَالصُّبحِ المُنوِّرِ فَاكِ

يا بني آدم الحضن ليس ترفاً هو لغة الجسد الأسمى، هو صلاةٌ صامتة تؤدى بالأذرع المفتوحة، وطمأنينة تُسكب بلا كلمات.

تأمل لوحة عناق للفنان البولندي بيشينيسكي وهي تجسّد العناق الأبدي الرائع بين رجل وامرأة، تلاحم يفوق اعتبار الزمن، ويمنح للجمال طبيعته الحقيقية، مؤكداً فكرة أننا «معاً»، وأن العالم رغم قسوته، ما زال يحتمل شيئاً من الدفء.

لكن أن تحضن حيواناً أو قرداً يصحيك من نومك فهذا مخالف للفطرة الإنسانية السوية، أصبحت العلاقات سطحية، والمشاعر افتراضية، والحنان مستعاراً.

صرنا نحضن ما يشبه الحنان، لا من يحمله نشتري العاطفة بدل أن نبذلها، ما نراه اليوم من احتضان حيوانات، وتزويج قطط، ومرافقة كلاب وتربية حيوانات مفترسة ليس حناناً بل مسرحية هزلية، حبٌ بلا عمق، حنانٌ بلا حقيقية، ودفءٌ مزوّر ضيعنا مفاهيم الحب والتضحية، فلم يعد يُرى الحنان في قلب أم، ولا يجد الأمان في كفّ أب، ولا الصبر في حضن زوج أو زوجة او حبيبية.

أيها الإنسان، قبل أن تحتضن حيواناً جرّب أن تحتضن قلبك. قبل أن تدفع ثمن الحنان، جرب أن تعطيه مجاناً لمن حولك.

يقول البدر رحمه الله

جمرة غضى أضمها بكفي

أضمها حيل

أبي الدفا لو تحترق كفي

وأبي سفر لليل

بردان أنا تكفى أبي احترق بدفا

لعيونك التحنان.. في عيونك المنفى

جيتك من الإعصار جفني المطر والنار

جمرة غضى أضمها حيل.