-A +A
أسامة يماني
إن فكر الغفوة أو ما كان يعرف بالصحوة مازال يسيطر على فكر المجتمع وخاصة كبار ومتوسطي السن. لقد طمس فكر الغفوة فردية الإنسان وحارب الإبداع والتميز. يقول المفكر السعودي الأستاذ إبراهيم البليهي في محاضرة له إن الإنسان بفرديته، وثقافة طمس فردية الإنسان وإبقائه إمعة وتربيته ونشأته على ذلك حتى يكون مقبولا من المجتمع. فالإنسان بطبيعته يريد أن يكون مقبولا من المجتمع معتبرا ومقدرا. ولأن ثقافة المجتمع لا تقبل إلا من كان مماثلا كل الناس سيحرصون أن يكونوا مماثلين. ويقول الأستاذ والمفكر السعودي إبراهيم البليهي إننا نحارب المبدعين وننبذ كل من يحاول إنارة عقولنا. لقد حورب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بسبب كتابه «الشعر الجاهلي».

الواقع أن فكر الغفوة غرس وحافظ على ثقافة التماثل والتعصب وسياسة القطيع التي تأصلت في مجتمعنا الإسلامي. وكما يقول الدكتور جواد علي في كتابه تاريخ العرب في الإسلام، إن ما أصاب العالم الإسلامي الْيَوْمَ من ركود في العقل والجسم وجمود «والسواد الأعظم في جهالة عمياء وفِي ظلام دامس: تعصب بغيض يشبه تعصب قريش في أيام الرسول. وكسل وأمراض، حتى وقع في روع الكثير من الغربيين والشرقيين، أن ذاك في الإسلام، وأن الإسلام معناه الكسل والاتكال، وأنه سبب تأخر المسلمين، وأن العالم الإسلامي لا يمكنه لذلك من مجاراة ركب الحضارة، إلا بالابتعاد عن الإسلام، وتخليصه من أصوله المسيطرة على العقول، سيطرة تامة وراسخة، وذلك بثورة كاسحة جامحة عليه شبيه بثورة العالم الغربي على الكنيسة».


لا يظن أحد أننا خرجنا من فكر الغفوة وسطوته على مجتمعاتنا. فمازالت شريحة كبيرة من المجتمع ضد التفرد والتميز، ومازالت بعض الأقلام أسيرة مفاهيم الغفوة وما أنتجه التراث من فكر وقواعد أصولية صنعها رجال لزمنهم، وصالحة فقط لوقتهم وآليات زمنهم التي تسود فيه الدابة كوسيلة نقل والإردب كوسيلة قياس والذهب كمعيار ثروة. فلم تعد الدابة اليوم وسيلة نقل ولا الإردب معيارا للكيل ولا الذهب معيار ثروة. إن فكر الغفوة مازال يسيطر حتى على كثير من المسلمين ويحدد ما هو الدين والطريق الصحيح الذي ينتهجونه. ومازال الكثير لا يستطيع أن يخرج عن سطوته، فهم محكومون بمفرداته وأدلته واستنتاجاته وقناعاته بأنهم على حق وغيرهم على ضلال.

سطوة فكر الغفوة خطر جاثم على عقولنا وأعمالنا واقتصادنا وثقافتنا ومجتمعنا. فكر لا يصح التبسيط أو التقليل من سطوته وخطورته. إن الضرر الذي لحق الفكر الجمعي من جراء الصحوة كبير وخطير، ولا يجوز الاستهانة به؛ فلا يزال كثيرون يعيش في داخلهم مفاهيم الصحوة وثقافتها. هذه الثقافة التي اعتادت تحريم الفرح والترويج للحزن وتأنيب الضمير على كل متعة. أغلب المجتمعات الإسلامية حتى اليوم لا تزال ترفض مجرد مناقشة كثير من المواضيع التي تعتبرها من الثوابت وهي بعيدة عنها.

فكر الغفوة أو ما كان يسمى بالصحوة يسيطر على كثير من المؤسسات الدينية التي تلعب دورا مؤثرا في الثقافة والتعليم والاقتصاد وعلى الأنظمة والقوانين وتطبيقها. مازالت مفاهيم الدعوة الصحوية تطرح بقوة في المجتمعات. فمثلا العمل الخيري ومفهومه مازال متأثرا بمفاهيم صاغها فكر الغفوة. والخطورة أيضا تكمن في المتربصين والمرجفين من الطابور الخامس والأيادي الخفية للغرب الذين يسعون إلى بث الكراهية والفرقة والعداوة في المجتمعات ومنع التقدم والتطور والتنمية والعمل على تدمير الأوطان تحت رايات وعناوين عريضة هدفها الخراب والفساد والدمار.

نحن في حاجة لمصارحة مجتمعية أكبر وإلى حوار صادق مع أنفسنا أولا لمعرفة أوجه الخلل الذي أصاب مجتمعاتنا في ظل سطوة فكر الغفوة. ولكي نسرع في عملية علاج هذه الغفوة فإن الأمر يتطلب بالإضافة إلى المراجعة والمصارحة وإعادة النظر في المفاهيم التي بثها فكر الغفوة ووضع خطة تبنى على دراسات علمية وأكاديمية؛ لأن أغلال الفكر أكبر إعاقة من عجز الجوارح.