-A +A
طلال صالح بنان
تمر الولايات المتحدة الأمريكية بأصعب فترات تاريخها، القصير نسبياً. تُنقل أخبارٌ، من آن لآخر، عن حوادث عنف جماعي، يطيح بأعدادٍ متزايدة من المواطنين الأمريكيين. الولايات المتحدة عقب انتخابات نوفمبر العام الماضي، وما حدث بعدها، وحتى تنصيب رئيس ديمقراطي جديد (جو بايدن)، لم تعد هي نفسها الولايات المتحدة، التي نعمت لأكثر من قرنين ونصف، بنظامٍ (ديمقراطي مستقر).

المشكلة، أن الولايات المتحدة، التي تحمل -شاءت أم أبت- مسؤولية استقرار النظام الدولي وأمنه، يبدو أنها أضحت عاجزة عن توفير الأمن لمواطنيها، وتواجه أكبر تحدٍ لديمقراطيتها، وربما لوضعها الدولي المهيمن، بل وحتى بقائها كدولة. الولايات المتحدة، تضرر خلال ستة أشهر، أقوى مواطن قوتها الحقيقية (استقرار نظامها السياسي).


تاريخياً: وإن كانت ظاهرة خيبة أمل أصابت بعض رؤساء الولايات المتحدة من نتيجة إعادة انتخابهم السلبية، إلا أنه لم يحدث أن شكك أيٌ من الرؤساء الأربعة والأربعين، أو منافسيهم، الذين سبقوا الرئيس الخامسَ والأربعين (دونالد ترمب)، في نزاهةِ العملية الانتخابية، ورفض مخرجاتها.. والتنكر لأبسطِ قيمِ الديمقراطية (آلية التداول السلمي للسلطة).

صحيحٌ: أن مناورات الرئيس السابق (دونالد ترمب) ومؤيديه من الجمهوريين، بمن فيهم مشرعون في الكونجرس، لم تنجح في ما يمكن وصفه بمحاولة الانقلاب الدستوري على مؤسسات الدولة، إلا أن الجرح الذي وصل إلى مواضع غائرة في التجربة الديمقراطية الأمريكية، بأحداث السادس من يناير الماضي، عندما اجتاح مؤيدو الرئيس ترمب مبنى الكابيتول، مازال ينزف في جسد الديمقراطية الأمريكية، حتى يُخشى أن يكون قد طال مواضع حيوية بالغة الخطورةِ والألم.

لقد نالت تلك الأحداث الدامية، من هيبة القيم الديمقراطية.. وهزت، بعنفٍ، أُسسَ وأركانَ النظام السياسي الأمريكي، بصورةٍ غير مسبوقة لتراثٍ تليدٍ من الاحتكام للإرادة الشعبية.. وإحياءَ نعراتٍ من العنصرية والشعبوية، ظن الكثيرون أنها أضحت تاريخاً يصعبُ استرجاعَ ذكرياته المُرَة والأليمة.

ليست فكرة التداول السلمي للسلطة، هي التي تضررت، من أحداث العنف غير المسبوقة تلك، بل الأشد خطورة: الفكرة الاجتماعية، التي يقوم عليها النظام السياسي الأمريكي. الخشيةُ هنا: أن الولايات المتحدة لم تعد تلك البوتقة السياسية والاجتماعية، التي تنصهر بداخلها الطبيعةُ التعدديةُ للشعبِ الأمريكي متباينُ الأعراقِ والدياناتِ والثقافات. لم يعد العنصر السكسوني البروتستانتي الأبيض يحتمل تكلفة انخفاض تعداده في مواجهة ازدياد أعداد الأقليات الأخرى، وبالتبعية: انخفاضُ نصيبه من موارد الدولة ونظامها السياسي.

يُخشى أن الديمقراطية في الولايات المتحدة لم يعد من أولوياتها استقرارُ النظام السياسي، بقدر ما هو الحفاظُ، بأي ثمنٍ، على هيمنة الجناح المتطرف في الأغلبية الأنجلوسكسونية البيضاء، ولو بالعنف. يبدو أن الأمنَ وليس سلميةَ تداول السلطة أو احترام تعددية المجتمع الأمريكي، هو ما سيغلب على التجربة الديمقراطية الأمريكية، مستقبلاً.. بل وربما يحدد مصير الولايات المتحدة، نفسها.

الخوفُ أن الولايات المتحدة، في الفترة القادمة، قد تختارُ الأمنَ على الحريةِ، وليس العكس، وهو ما يقود إلى فقدانِ الاثنين معاً، كما يقول: أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة بنجامين فرانكلين (١٧٠٦- ١٧٩٠).