-A +A
عبداللطيف الضويحي
إذا كان هناك من يدير هذا العالم ويوجهه ويرسم سياساته بشكل علني أو بشكل خفي، خلافا لما نعرفه، فليس هناك ما يجعلنا نقدم حسن النية على سوئها في كل ما تتعرض له البشرية من إبادة بحروب مباشرة أو بحروب خفية. وهذا لا علاقة له بنظرية المؤامرة.

فمن المؤكد أن ما قبل كورونا ليس كما بعدها، ومن المؤكد كذلك أن امتحان كورونا قصم ظهر الرأسمالية والنظم الصحية الرأسمالية والدول الرأسمالية، وإلا ما معنى إحجام دول الاتحاد الأوروبي عن تقديم المساعدة لإيطاليا الجار والعضو الكامل العضوية في الاتحاد. وعلى النقيض من مواقف الأوروبيين السلبية، تأتي المساعدة لإيطاليا من الصين البعيدة جغرافيا وأيديولوجيا، رغم معاناتها مع كورونا.

لكن المتابع لأداء النظم الصحية لأغلب الدول الرأسمالية في تقديمها المال والاقتصاد على المواطن والإنسان، يفهم لماذا تفشى كورونا في الاتحاد، ويفهم لماذا اعتبرت منظمة الصحة العالمية أوروبا بؤرة لوباء الكورونا فجأة. ويفهم لماذا قال أحد أعضاء فريق منظمة الصحة العالمية: إذا أصابني فيروس كورونا، أتمنى أن يصيبني في الصين.

لكنها الغطرسة والتشاوف المنحدر من التاريخ الاستعماري لتلك الدول الرأسمالية. والذي تغذيه وتقف وراءها محركات وقوى تعكس عقلية لا ترى البشرية إلا من خلال مصالحها «الذهبية».

هم يرون أنهم أحق بالموارد الطبيعية على كوكبنا من غيرهم، للحفاظ على مستوى عيشهم المرتفع برخاء وبرفاه. هؤلاء يرون أن الموارد الطبيعية لا تكفي إلا لما يعرف بـ «المليار الذهبي» والمقصود بالمليار الذهبي وكما جرت العادة على تسميتهم بـ «المليار الذهبي» وهم الذين يقيمون في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان وأستراليا. إنهم ينظرون للعالم الذي يبلغ سكانه حاليا 7 مليارات

وسبعمئة مليون نسمة من خلال رخاء عيشهم ومستوى معيشتهم. هؤلاء يشكلون ما نسبته 15% من سكان العالم، لكنهم يستهلكون ما نسبته 75% من موارد كوكبنا.

إن الجشع الذي تكشف من خلال أداء النظم الصحية الرأسمالية، يكشف لنا أمرا خفيا أخطر في تعاطي تلك النظم الصحية، وهو أنهم ربما يرتكبون جرائم قتل متعمدة ضد المرضى وكبار السن في مجتمعاتهم وهؤلاء شريحة الأغلبية العمرية في المجتمعات الأوروبية. لأنها ببساطة وفقا للحسابات الرأسمالية فئات غير منتجة ومكلفة ماليا للنظم الرأسمالية التي تضع حساباتها على المال وليس على الإنسان.

لم لا ؟ لنستحضر الاضطرابات والاحتجاجات التي تشهدها فرنسا على مدى أشهر على خلفية تعديلات ستجريها الحكومة الفرنسية على أنظمة التقاعد. كبار السن كما هو معروف الشريحة الأكثر في المجتمعات الغربية والمتقاعدون يشكلون عبئا ماليا على الدول، والخلاص منها يوفر مبالغ طائلة، ويعطي فرصة لتحديث مجتمعات القارة العجوز بالعقول والشباب من المهاجرين. لعل التصريحات التي ادلى بها رئيس الوزراء البريطاني حول طلبه توديع العائلات لأحبتهم أمنية تكشف عن حجم الأزمة الأخلاقية التي تعيشها تلك الأنظمة الرأسمالية البحتة، وغيره آخرون والذين لا يراودني شك بأنهم سيكونون أكثر سعادة فيما لو تخلصوا من شعوبهم «غير المنتجين» والمكلفين من كبار السن والمرضى. فهذه الكيمياء الرأسمالية. فلا ننسى بأن هؤلاء هم من ينادون بالتخلص من ثلثي سكان الأرض.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org