-A +A
طلال صالح بنان
تقاطر الناخبون، يوم الجمعة الماضي، لاختيار أعضاء البرلمان الإيراني الجديد (290 مقعدًا). سيان من يَفُز، المحافظون أم الإصلاحيون، البرلمان الإيراني يظل أبعدَ من أن يعكسَ الإرادة الحرة للإيرانيين، شأنه شأن بقية نخبة الملالي الحاكمة، بمن فيهم أعلى سلطة دينية وسياسية في البلاد (المرشد الأعلى للثورة).

مشكلةُ النظامِ الإيراني، هي نفس مشكلة الأنظمة الثورية، في التعامل مع البيئتين المحلية والخارجية، التي تستهدف الثورة استقرارهما، وإن أمكنَ تغييرهما جذرياً، وبالقوة. مشكلةُ الأنظمة الثورية الأخرى، مثل النظام الإيراني، خلفيتها الأيديولوجية غير المتسامحة والعنصرية، أحياناً.

قد تبدو آليةُ الانتخابات الإيرانية، على السطحِ، كحركةٍ سياسيةٍ نشطةٍ لممارسةٍ ديمقراطيةٍ تنافسية، إلا أنهَا لا تعدو كونها قمعاً منظماً للدولةِ، تَحْكُمُه قيمٌ متطرفةٌ غيرَ متسامحةٍ.. وتستبدُ، بواسطةِ الانتخاباتِ، نخبةٌ سياسيةٌ تَحْكُمُ سلوكَها وتوجُهَهَا أيديولوجيةٌ متخلفةٌ، تستغلُ نزعةً قوميةً جياشةً. على سبيلِ المثال: ليس من حقِ المواطنِ الإيراني، بلغَ قانونياً سنَ الرشدِ السياسي، أن ينافسَ على المناصبِ العامةِ، لمجردِ أنَه مواطنٌ. مِنْ هنا يُنظر للسلوكِ الانتخابيِ في نظامِ الملالي على أنَه واجبٌ دينيٌ، وليس حقّاً سياسياً!

أيُ مرشحٍ للمناصبِ العامةِ، في إيران، لا بد أن يوافِقَ على ترشحهِ مجلسُ صيانةِ الدستور، لا أن يَفْرِزَهُ حِرَاكٌ حزبيٌ مدنيٌ مستقل، لا تتدخل فيه سلطةُ الدولة. في انتخاباتِ يومَ الجمعةِ الماضي التشريعية، وافق مجلسُ صيانةِ الدستورِ على 7145 مرشحاً، بينما استبعد 6850 مرشحاً، رغم أن غالبية المرشحين، إن لم يكن جميعهم، ينتمون إلى طبقة رجال الدين.. وبعضهم رُفِضَ رغم عضويَته في البرلمانِ السابق! قارنْ هذا، بما يحدثُ الآن في الانتخابات التمهيدية بالولايات المتحدة لاختيار مرشحٍ للحزبِ الديمقراطي يخوضُ الانتخابات الرئاسية القادمة.

إذن: ما يُقال عن منافسةٍ شديدةٍ بين المحافظين والإصلاحيين في الانتخابات الإيرانية، إنما يشبه صراعَ الإخوةِ الأعداء، لا تنافسَ الخصومِ الألداء. في النهاية: أيُّ انتخاباتٍ إيرانية، إنما هي ترسيخٌ لاستبدادِ حكمِ الملالي، على حسابِ حرية ومصالح الشعبِ الإيراني.. واستقرار الدولةِ في إيران، بل واستقرار المنطقةِ، بأسرِها.

لا يختلفَ نموذج «الديمقراطية» المشوهةِ العرجاء، الذي يأخذ بها نظام الملالي في طهران، عن تلك «الديمقراطية» المسخ، التي تجري في كثيرٍ من دولِ العالم ِالثالثِ، حَيْثُ يَشُوبُ انتخابَاتِها تزييفٌ متعمدٌ وتَعَدٍ ظالم على إرادةِ الناس، لصالح ِنُخْبَةٍ تستندُ إلى كلِ ما يَفْرِضُ واقعِها الجائرِ، غيرَ إرادةِ الناسِ وقناعتهم.

أنظمةٌ قمعيةٌ مثل هذه دائمًا ما تربط مصيرَ بقائِها بمصيرِ استمرارِ الدولةِ نَفْسِها. هذا ما قاَله خامنئي، نفسه يوم الانتخابات، حيث قال: إن الانتخابَ واجبٌ دينيٌ يضمن أمن إيران القومي! بقوله هذا، ربطَ مصيرَ الدولةِ ونظامَهِ، بمزيجٍ من الدينِ والعنصريةِ القوميةِ. هذا الخليطُ الخطيرُ هو ما تعتمد عليه الأنظمة الشمولية، مثل نظام الملالي في طهران، لشرعنةِ حُكْمِها المستبدِ.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com