احذر كائنا من تكون من الشيخوخة. فها هو ذلك الرجل الثري الذي كان يكيد لكل الناس ليل نهار حتى يستمر في أي كرسي في أي مكان، كان لديه مرض الرئاسة لأي شيء، أحصوا عند وفاته ما كان يرأسه من مجالس وجمعيات ولجان وشركات خاصة وعامة فوصلت إلى الأربعين. وظلوا بعد وفاته عشر سنوات يفكفكون ويوزعون كراسيه. قضى جل عمره في التجميـع وليحصل على أقصى كمية من المال ومات كأغنى أثريـاء العالم سيولة. لا يعرف الكلل ولا الملل. كرهه الجميع إلا من أحبه في ماله وطمعا فيه. لا يتبرع إلا للوجاهة والحصول على منافع من الجهة بطريقة غير مباشرة وكان الجميع يمدحونه في كل مكان خوفا منه حتى لا يكيد لهم ولعل وعسى. حتى مات ففرح الجميع ورقصوا فرحا حتى أبنائه لأنه كان بخيلا جدا. وهم أضحوا أبخل منه إنها الجينات. وصار الجميع بعد موته يذكرون مساوئه ولا يذكرون محاسنه إلا نفاقا لأولاده. دمر حياة أولاده ببخله وسمعته الكيدية. لم يرغب أحد في الانتساب إليه إلا طامع في مال. الأسوأ أنه لم يعتن بعائلته عاطفيا فعانى الجميع وفسدت أخلاقهم وأضحوا أغنياء بلا حب أو معنى للحياة. الأدهى في كل هذا أنه مات وحيدا في معية الخدم. فعندما شاخ هجره الجميع ولم يعتن به أحد من عائلته، بل ترك للمستخدمين والممرضات والغرباء. حتى زوجته لم تقترب منه إلا لمما. هذه ليست قصص من نسج الخيال. هذه نهاية حقيقية وتتكرر كل يوم في بلادنا. رجال أعمال ناجحون وشيوخ وسيدات مجتمع راقٍ كما ظنوا ولا يخصنا الكيفية ولا يهمنا المقاييس المادية والأخلاقية والطبقية ينتهون في سرر في محيط كئيب. ندعو الله أن لا نكون منهم. بعضهم يتركهم ليل نهار بتسجيل من القرآن الكريم أو محطة من التلفزيون أو ما شابه. لا يوجد ترفيه حقيقي لهم ولا عناية ترقى إلى الدور الذي لعبوه وهم أحياء. الذي لا يصدقني ليزر بعض المستشفيات ويتكلم مع مديري الوحدات. أحدهم من فرط التقصير تزوج الخادمة والآخر تزوج الممرضة والثالث تزوج شابة صغيرة في السن لتعتني به مقابل الإرث بعد موته وهذا ربما هو الذكي الذي حقق ما يريد بعذر العناية وانتقم من الهاجرين. لكن الحقيقة تظل أن هنالك جنون الشيخوخة وتحديا حقيقيا.
والذي أعتقد أنه سيعيش إلى الأبد مات. والذي يعتقد أنه سيعيش إلى الأبد ستفاجئه الحقيقة يوما ما. لكن الذي يكون محظوظا يعيش عبر مرحلة الشيخوخة في أجواء سعيدة. معظمنا لا يعد لها. والاستعداد يكون بأن يكون حولك من يحبك ومن ثقافتك ومن أخلاقك، طبعا إذا كانت ثقافة الفرد ضحلة وأخلاقه لم تبلغ النصاب حتى يكدر مزاجه في ختام حياة عامرة بالإثارة.
لكن المحصلة هي كيف تختم حياتك بسمعة طيبة. مسك الختام وإحسانها مهم. ولكن مهما فعل الإنسان لا يهدم مابناه لعقود مع شريكة حياته. ولا يحاط بنساء يكدن له. ولا يكون شيخا بعقل صبي. أقول هذا وأنا لا أعرف ما سأكون عليه فالعلم عند الله وعلي الحذر مثلكم وقبلكم. والخطر يشمل النساء وإن كن أكثر استقرارا بطبيعتهن حتى يشيخ نظام الهرمونات وتبدأ في نفس رحلة الرجل بعشوائية القرار والتخبط. طبعا يستثنى من هذا النخبة من يأتون ويرحلون بهدوء وبدون ضجيج ولا يتركون الكثير من الأثر في الحياة..
تحدي جنون الشيخوخة
11 يونيو 2015 - 19:42
|
آخر تحديث 11 يونيو 2015 - 19:42
تابع قناة عكاظ على الواتساب