سأعترف منذ البدء أنني أنتمي إلى جيل قديم لا يعرف التاريخ إلا أنه تاريخ ولا يعرف الجغرافيا إلا أنها جغرافيا، تخصصان مختلفان ومادتان دراسيتان مختلفتان كذلك، جيل تربى على ذلك وتعلم ذلك مذ كانوا تلاميذ في الصف الرابع الابتدائي حتى تخرجوا في المدارس الثانوية، وحين وصلوا إلى الجامعة وجدوا أنفسهم أمام خيارين إما أن يلتحقوا بقسم التاريخ أو يلتحقوا بقسم الجغرافيا ولو عن في بال أحدهم أن يتخصص في العلمين معا لما وجد قسما واحدا يجمع بينهما، بل ربما وجد في الجامعة، كما شهدنا خلال دراستنا الجامعية، أن كل واحد من العلمين ينتمي إلى كلية مختلفة عن الكلية التي ينتمي إليها القسم الآخر، فقسم التاريخ كان أحد أقسام كلية الشريعة بينما قسم الجغرافيا قسم من أقسام كلية التربية.
لذلك يصبح من الصعب على رجل مثلي ولأي رجل ينتمي للجيل الذي أنتمي إليه أن يفهم أو يتفهم «التطوير الهام في المناهج المدرسية» حين ينتهي ذلك التطوير إلى الدمج بين الجغرافيا والتاريخ في مراحل التعليم المتوسطة والثانوية لتصبحا مادة واحدة، من الصعب تصور أن معرفة المحاصيل التي يعتمد عليها الإنتاج في البرازيل وأسباب سقوط الأندلس ينتميان إلى علم واحد أو مادة دراسية واحدة، من الصعب أن تكون معرفة الفرق بين المناخ القاري ومناخ دول البحر الأبيض المتوسط ومعرفة عاصمة دولة منغوليا وتاريخ تأسيس الدولة السعودية وقائد معركة بلاط الشهداء تنضوي جميعها تحت مادة دراسية واحدة، وأن يتم إلغاء التاريخ كمسمى للعلم والجغرافيا كمسمى للعلم كذلك تحت مسمى جديد هو «التربية الوطنية والاجتماعية» ذلك أن العناية بالجانب التربوي الذي يمكن أن يكون محصلة لهذه العلوم لا ينبغي أن يتأسس على إلغاء هذه العلوم أو الدمج بينها.
ولوزارة التعليم دون شك فلسفتها في هذا القرار غير أن أشد ما نخشاه أن تكون فلسفة قائمة على ترشيد العلم والمعرفة وإعلان لوفاة التاريخ والجغرافيا في حادث التطوير وستدرك الوزارة بعد حين أنها خرجت بموجب سياستها هذه أجيالا لا تعرف التاريخ ولا تعرف الجغرافيا ولم تستفد من التربية الوطنية والاجتماعية غير شعارات وهياكل عظمية للمعرفة والعلم.