أحدثكم اليوم عن رفيقي الدايم.. نصفي الآخر الذي أمضي إليه أحيانا كضوء في منزل مهجور.. أتعذب فتركض الي كعمر يجري.. تنتشر في صدري كالآهات.. تقرأ فصل وجودي.. هزيمتي.. بؤسي.. وحدتي.. انفصامي.. أبراجي الملونة.. فلا تلبث أن تتناول مبخرة من نسيم الأودية تلوح بها يمينا وشمالا فترة قصيرة تطرح بعدها علي وشاحا من الطمأنينة بكل اعتناء لأنام بين يديها ككيس مليء بالتعب.. لا زالت تنهيدة الفرح تجيد لعبة صد الدموع عن الأحداق.. تشع كضوء سراج جبل.. لكل غريب في قلبها حجرة ولكل ضايع مخرج.. أنيسة الوحيد، ودواء الجريح.. كأنها حضن واد لا ينمو فيه غير الفرح.. لكم هرعت اليها عندما تصبح الحياة فارغة كجرة لتخرجني من جديد كقطار من نفق معتم للنور.. لا أستطيع ان احتجتها إلا أن آتي إليها.. أبكي.. أشكو.. فليس لي رفيق سواها ابذل نفسي لاجله.. لم أصل بعد لوصف روعتها.. حنون.. لا.. رقيقة.. لا.. طيبة.. لا لن أصل أبدا لفهم عذوبتها.. دعوني أختصرها لكم في جملة «انها الوجود في أظرف حلله، والحياة بسلس عبيرها» تهب الفرح لقلب طالبة وتطرد الحزن ان هبط على طرف القلب وتبعث الحياة في الجسد المكسور.. عندما ينزف الدمع ترضعه الحنان وتمنح الشموس في عمق الظلام.. هي شيء يشعرك بالارتياح فعندما أسترسل في الكلام تلوذ هي بالصمت تحاول أن تجعل من وجهها مساحة بيضاء ومحايدة لأتنفس بعمق الحديث معها وإليها.. ترد إليك الوقت الأصلي فهي كالفرح العفوي ترحل في أعماقك.. تزرع المرجان واللؤلؤ والأصداف والأرجوان.. أحيانا ترحل لتعطي للحياة معنى مختلفا وتتركني في الظل.. صحوت هذا الصباح لأعترف لها أن الحنين يرقص إليها كالخضرة وأن صوتها القادم مع المساء أصبح يمنع عن عيني السكون والإغفاء وأنها في لساني وفي ذاتي وأنها تحت جلدي تعيش وخلف جفني تنام وأنني أسافر إليها كل ليلة في زورق من شجن وأنني أتهاوى في بعادها كصيف أفريقي وأن الصحراء تملأ حلقي والشوق إليها فتت العظام المتبقية وأن الدنيا صارت بدونها مساحة من الخلاء وأن الأرض لم تعد أرضا والشمس لم تعد شمسا.. وأن الأرجل فقدت قدرتها على المشي وأن كل شيء أصبح يتجه إلى هناك حيث تقيم.. وأنني أمسيت حصانا بريا يركض كالحريق ويصهل كالبكاء وأن هذا البكاء لا يتوقف إلا على أهدابها وأن بعادها أوقف الريح في السفح والرعد في السماء وأفقد الزهور رائحتها وأنني أصبحت في بعادها مجرد رقم في السجلات المدنية وأنني أكتب إليها كل صباح برذاذ حبر أصبح كالنمش البري على خديها ينتظر الشمس وأن الحنين أحرق صوتي وأن ساعات الرقاد أصبحت طائرا في كل الأحلام يطير إليها وأن هذا البعاد صار أثقل من جبل وأعمق من هاوية.. لقد صرت أتخيل يوم اللقاء كفوانيس الصيادين بأضوائها البعيدة وأن صراخي صار كالبط البري في السماء ترتج له الأرض ولكنه يعلو في الفضاء وأنني أبحث عن صوتها في أقصى الحاجب الحاجز وحتى انفجار القلب.. فالحياة في بعادها ترتدي شكلا آخر وتصبح المسميات لها أكثر من معنى ويصبح القلب كجزيرة رفعها البحر فانحسرت عنها المياه في جميع الاتجاهات.. سلاما على الأرض التي تمشي عليها حافية ..