عدنان الشبراوي (جدة)
يظل المحكومون بالقتل يتمسكون بالأمل حتى آخر لحظة في عفو صاحب الدم عن القاتل والتنازل لوجه الله حين يتأهب السياف لتنفيذ شرع الله. واما أسرة السجين أو الجاني المحكوم بالقتل.. فتظل تعيش قمة المأساة والمرارة وهي تتابع ابنها وقد نفذ فيه الحكم بعدما تسبب في قتل انسان برىء وأحال من بعده أسرته إلى الجحيم. الاسئلة في ساحة الاعدام كثيرة..
كيف ومتى يتم ابلاغ السجين بموعد القصاص.. وكيف يتم تهيئته نفسيا؟
كم تستغرق المسافة بين السجن ومسجد (الجفالي) حيث يتم القصاص؟
كيف يلاقي السجين اسرته للمرة الأخيرة قبل القصاص؟
وكيف يكتب وصيته الأخيرة؟
وماهي آخر طلباته قبل التنفيذ..
في ساحة مسجد «الجفالي» في جدة قرب ميدان البيعة امام وزارة الخارجية في طريق المدينة جنوبا.. حيث الموقع المتعارف عليه لتنفيذ حكم القصاص بعد صلاة الظهر في اغلب الاحيان وليس بالضرورة يوم الجمعة، حيث يتجمع رجال أمن وجمهور خلفهم ليشهدوا تنفيذ شرع الله.
وسط هذه الدائرة يكون السجين المحكوم بالقتل قد وصل بصحبة الشيخ الملقن للشهادة وضابط من السجن ومدير قسم شرطة البلد باعتبارها تختص بمحيط مسجد الجفالي، وافراد من الشؤون الدينية ومندوب من المحكمة والصحة والبلدية.
يجلس السجين كجلسة التشهد في الصلاة.. وأمامه في اغلب الاحيان اسرة القتيل أهل الدم تترقب المنظر فيما يغيب في الاغلب اسرة هذا السجين من هول المشهد.
دموع واغماءات
في تلك الاثناء يكون السجين قد فحص طبيا وأعطي ادوية مهدئة اذا احتاج الأمر ليتمالك نفسه عند القصاص يهيء نفسه لحد السيف فيما يتأهب الطبيب المرافق عقب التنفيذ لتحرير شهادة الوفاة!!.
في زاوية أخرى تتسابق صيحات وصرخات وآهات ممن هم في الساحة وتعلو الصيحات والتكبير والدموع تبلل الساحة..
اغماءات هنا وهناك احيانا..
الجميع يتأهبون ليشاهدوا «الحدث» وقلوبهم تقطر ألما..
الصيحات تنادي أهل الدم.. أعفوا لوجه الله.
الموت والحياة
عند منتصف الدائرة أمام السجين الذي تحيطه الثواني الأخيرة من عمره.. وهو يتمتم بذكر الله والاستغفار..
يتقدم احدهم ليقرأ الحكم والواقعة.. ويبدأ بسرد الآية الكريمة {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.
أقدم المدعو فلان بن فلان على قتل فلان.... وبإحالته للمحكمة الكبرى «......» صدر بحقه صك شرعي يقضي بثبوت ما نسب إليه شرعا وصدقت اعترافاته...
مرة أخرى.. تعلو الاصوات تطالب بالعفو والصفح وعتق الرقبة من السيف..
في لحظة «ما» بعد أن يكون أهل الدم.. قد رفضوا «الوساطات» وطالبوا بشرع الله.. يكون السياف قد «نغز» السجين من ظهره ليرتفع رأسه لا إراديا فينفذ شرع الله عز وجل عندها ينفصل الرأس عن الجسد ليكمل المشهد الاطباء ورجال الاسعاف فيما يصاحب الواقعة احيانا اغماءات من المتجمهرين ويتم اكمال اللازم حيث تتسلم «الشرشورة» الجثة لتكمل دفنها دون معرفة اسرته حسب التعليمات.
عفو اللحظات الأخيرة
في أحيان أخرى.. قبل ان يستلّ السياف سيفه في الساحة وبمجرد تلاوة البيان يعلن أهل القتيل الصفح والعفو لوجه الله تعالى عن القاتل فيتحول المشهد الى ما يشبه العرس تغسله دموع الفرح.
شهادة الوفاة
يتم التنفيذ بالسيف بضرب العنق حتى الموت ولا يشترط فصل الرأس عن الجسد لاسيما ان المحكمة في نص الحكم تحكم بـ (ضرب عنق الجاني بالسيف حتى الموت)
ويترك موعد التنفيذ لولي الأمر، ويحتاج السياف أحيانا الى أكثر من ضربة حتى يتم التأكد من الاصابة في مقتل، وفي حالة التنفيذ بالرصاص وهي حالات نادرة لكنها موجودة فيتم توجيه رصاصتين نافذتين من أعلى الظهر واسفل العنق لتستقر في القلب بحيث يكون الطبيب والمختص قد وضع دائرة هي المكان الذي يجب ان يكون فيه الرصاصة وهو الموقع المحاذي تماما للقلب.. وبعد رصاصتين في الاغلب يكتب الطبيب شهادة الوفاة.
محاكمة عادلة
يقول الدكتور حسن سفر استاذ نظام الحكم في الاسلام: البعض يثير موضوعات حول هذه المشاهد.. ومنظمات حقوق الانسان تزعم ان هذا «القتل» فيه ظلم بينما تغضّ الطرف عن أهم قضايا حقوق الانسان في اماكن كثيرة، فالعقوبة هنا هي شرع الله وهي مطلب اجتماعي واحقاق للحق وأخذ به، وأهل الدم سيشعرون بالغضب والظلم لو لم يتم التنفيذ، هنا التوعية مهمة، توعية المجتمع بأن التسرّع والتهور وأخذ الثأر والانتقام بقتل شخص لمجرد خلاف بسيط أو تجارة أو أرض أو ثأر وهكذا كل هذه الامور لا تساوي ان يُلقي الشخص بنفسه الى التهلكة، والقصاص هو عقوبة كل قاتل ناهيك عن العذاب في الاخرة، ولو حكم الانسان عقله لما ذهب ضحية غضب.. ونتذكر قصة الرجل الذي ذهب للرسول صلى الله عليه وسلم وسأله أوصني.. «قال لا تغضب» وكررها ثلاثاً في كل مرة يقول له لا تغضب، والتأكيد دوما على انه لا يتم تنفيذ الحكم في شخص إلا بعد ان يتم استيفاء كل الشروط وبعد محاكمة عادلة من لجنة من 3 قضاة بالمحكمة ثم «5» قضاة في التمييز ثم «5» قضاة من مجلس القضاء الأعلى ثم لجنة مستشارين للمقام السامي وهي خطوات تضمن العدل باذن الله، بعد التحقيق مع الجاني عبر كل القنوات. وهناك في كل المراحل لجان صلح تعمل على تقريب وجهات النظر والحصول على العفو من اهل القتيل حتى آخر لحظة عند التنفيذ، ولا شك ان القصاص من القاتل شريعة الانبياء في جميع الشرائع السماوية.
المصلحة العامة
وثمة أسر من أسر المحكومين بالقصاص أو ممن نفذ فيهم القتل قصاصا يتساءلون عن عدم تسلمهم جثامين «ذويهم» عقب التنفيذ لدفنهم والصلاة عليهم الا ان التعليمات حسب ما تابعته عكاظ تقضي بأن يتم دفن الجثمان من قبل الشرشورة وهو اجراء يحقق المصلحة العامة وان كانت لا تتفق مع رغبات البعض، خاصة انه يتم الدفن بعد التنفيذ مباشرة عملا بقوله صلى الله عليه وسلم (اكرام الميت دفنه).
عبدالله سعيد عبدالله البيشي منفذ قصاص بمنطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة اتصلت به «عكاظ» لتستوضح آلية دفن الجثث عقب تنفيذ حكم القتل، فقال انه في الاغلب لا يتم اعلام اسرة المحكوم بموعد التنفيذ ولا يحضر احد منها في ساحة القصاص وهذه الخطوة مهمة حتى لا تحدث اي امور في الساحة، واضاف يتم عادة نقل الجثمان ودفنه من قبل الشرشورة في اقرب مقبرة ويتم الصلاة عليه سواء كان ذكرا أو انثى ويتم وضع رأس القتيل بجواره سواء كان الرأس قد فصل عن الجسد أم بقي مرتبطا فيه ولا يتم «تخييط الرقبة» كما كان في السابق، واضاف قائلا: اننا دوما نسعى لآخر لحظة قبل التنفيذ في ان نحصل على تنازل أهل الدم وكسب الاجر في ذلك واذا فشلت مساعي اللحظة الاخيرة فإننا لابد من ان ننفذ شرع الله. واوضحت مصادر قضائية مسؤولة بالمحكمة العامة لـ «عكاظ» ان المحكمة عندما تصدر حكما بقتل أي جانٍ فإنه لا علاقة لها بموعد التنفيذ أو آلية التنفيذ أو تسليم جثامين المحكومين بالقصاص لذويهم، حيث ينتهي دور المحكمة باصدار الحكم وحضور مندوب من المحكمة عند تنفيذ الحكم، وأما تسليم الجثمان أو عدم تسليمه فإن ذلك خارج اختصاص المحكمة ويتم وفق التعليمات المبلغة لجهات الاختصاص وفق ما يحقق المصلحة العامة.