(تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد)
إذا كان خراش الغرقان في وسط جحافل الظباء الرشيقة المغرية جميعها بالصيد، يشكو من الحيرة والتردد في الاختيار بينها فلا يدري أيها يقنص وبأيها يبدأ! فإن حال من يُريد أن ينبش في قضايا النساء لا يقل عنه حيرة وتردداً، فتلك القضايا لكثرتها تجعل من يريد التحدث حولها يحار لا يدري بأيها يبدأ وأيها يقدم على غيره! إلا أن قضايا النساء ليست ظباء رشيقة بديعة التكوين والحركة، إن لم يقنصها الصياد كفاه الاستمتاع بمراقبة حركتها وتسبيح الخالق الذي أبدع كل شيء خلقه.
قضايا المرأة تمثل في كثير منها البؤس والقهر والظلم الصراح، ومن يتعرض لها لابد له أن يناله شيء من ذلك، أدناه أن يعتريه الضيق والاكتئاب بسبب غوصه في ذلك الجو العكر. وما ندمت على شيء في حياتي كندمي أني لم أتخصص في دراسة الفقه الإسلامي المتصل بقضايا النساء لأعمل بعد ذلك في مجال المحاماة والاستشارات القانونية. ورغم إدراكي أني لن أستطيع تغيير شيء كثير أو قليل، إلا أني أريد أن أكون أكثر شعوراً بالقوة عندما أتحدث عن قضايا المرأة في مجتمعنا. فهناك كثير من الأنظمة والقوانين التي تسن ضد مصالح النساء تحت مظلة الشريعة والشريعة منها براء. لذلك تبدو لي الشريعة الإسلامية في حاجة إلى محام يعمل على تبرئتها مما يُنسب إليها من أحكام وما يتخذ باسمها من اجراءات.
ومن بين القضايا المتسببة في التضييق على النساء، إصرار المحاكم على وجود (مُعرّف) للمرأة في كل مرة تحتاج فيها إلى بيع أو شراء أو غير ذلك، فبطاقة الأحوال الخاصة بالمرأة مُعطّلة تكاد تكون لا دور لها. تقول إحدى القارئات اللاتي يعانين من مشكلة المعرّف: «أمتلك قطعة أرض وأرغب في بيعها، لكني كلما ذهبت إلى المحكمة طلب مني إحضار (مُعرّف). وأنا مقطوعة من شجرة، ما عندي إلا أخ واحد صايع وضايع ولو عرف أني أبغى أبيع الأرض لطمع فيّ وأخذ يُساومني على ذلك. أما زوجي فإنه لا يقبل أن يكون مُعرّفاً ولا وكيلاً لي لأنه غير سعودي. ولك أن تتخيلي (أن زوجي الذي يُعدّ أقرب الناس إليّ لا يحق له (التعريف بي)، ولا أن يكون وكيلاً عني، ويحق ذلك لمن هم أبعد منه!)، فماذا أفعل الآن؟ هل أنسى بيع الأرض وأتركها للورثة حلالاً طيباً؟ أم ألجأ إلى أخي الذي أعرف أنه سيبتزني و(يلطش) مني على الأقل نصف قيمة الأرض إن لم يكن القيمة كلها؟ ومادام لدي بطاقة أحوال لم لا يكون في المحاكم موظفات مهمتهن مطابقة الصورة في الهوية بصاحبتها؟
وهذه ليست قضيتي وحدي، فلي جارة مريضة تحتاج إلى مصاريف كبيرة للعلاج وعليها ديون متأخرة السداد، وتملك بيتاً شعبياً أرادت عرضه للبيع لتنتفع بثمنه في سداد دينها ودفع تكاليف علاجها، لكنها مُطالبة بإحضار (المعرف)، والسيد المعرف الوحيد لها هو أخوها الذي يعمل في بلدة أخرى ولا يستطيع بسهولة ترك عمله للحضور للمحكمة، فضلاً عن أنها تشعر أنه يتعمد التلكؤ والتباطؤ في بيع البيت لأنه يتوقع موتها ويأمل أن يرث البيت من بعدها.
ومن الناحية الاقتصادية فإن هذا التعقيد في تسيير أمور حركة البيع والشراء العقاري للنساء يتسبب في ركود حركة العقار، ولو أنه تيسر لهن البيع والشراء لانتعش السوق ونشطت الحركة فيه».
وأُعلّق على كلام هذه القارئة بأن وجود موظفات في المحكمة ليُطابقن بين الصورة والأصل ليس ضرورياً، لأن الفقهاء أجازوا للقاضي أن ينظر إلى وجه المرأة ليتأكد من شخصيتها ومن ثم فإن القاضي نفسه بإمكانه أن يقوم بهذه المهمة بلا حرج. وقضاتنا والحمد لله من الرجال الأفاضل موضع الثقة والاحترام، فما الذي يمنع من أن يقوموا بذلك ويريحوا النساء من طلب المُعرِّف؟
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أخبار ذات صلة