لم يكن أحد يتوقع أن يضطر الفقهاء إلى التأكيد على عدم جواز قتل الإنسان حرقا، وأن ينشغل الباحثون في التفاصيل بتلك المدونات التي فصل فيها فقهاء سابقون الحديث عن هذه المسألة، ولم يكن أحد يتوقع أن يؤكد الدعاة على أن الإسلام وهو دين الرحمة يحرم التمثيل بجثث الموتى فضلا عن تعذيب الأحياء وقتلهم حرقا، لم يكن أحد يتوقع شيئا من ذلك كله لولا أن الجريمة النكراء التي ارتكبتها عصابات داعش والمتمثلة في قتل الطيار الأردني حرقا قد اضطرت فقهاءنا ودعاتنا إلى الحديث عما كان يظن أنه معلوم بالفطرة لا يختلف حوله اثنان ولا ينتطح فيه عنزان ــ كما كان يقول الأوائل.
لم يكن أحد يتوقع أن تقدم جماعة تدعي انتماءها للإسلام على مثل هذا الفعل ثم تلبس الجريمة غير لباسها وتزعم بعد ذلك، أو رغم ذلك، أنها تسير على هدى من الشرع وتنفذ ما جاء فيه من أحكام، ولذلك لم يكن هناك بد من أن ينبري لهم الفقهاء والدعاة، مفندين مزاعمهم كاشفين عن كذب ادعاءاتهم.
وعلى الرغم من أن الرد على مزاعم تلك العصابة ضروري، وتفنيد مزاعم انتمائها للإسلام وتنفيذها لأحكامه واجب شرعي ومعرفي، إلا أن طرح مسألة حرق الإنسان حيا، سواء على مستوى الفعل الذي أقدمت عليه عصابة داعش أو على مستوى الدرس والبحث الذي اضطر فيه الفقهاء والدعاة لتنزيه الإسلام من ادعاءات داعش، طرح مسألة حرق الإنسان حيا تجويزا أو تحريما مسألة من شأنها أن ترسم صورة نمطية للعالم الإسلامي، وكأنما هو كوكب يحيا خارج التاريخ، أو كأنما انشقت الأرض من تحت قدميه فهوى إلى حفرة عادت به ألف عام وعام حينما كان المتطرفون فيه يبيحون لأنفسهم قتل الناس بغير حق، وكان المعتدلون فيه ينكرون عليهم ما يفعلون.
لهذا كله، فإن لنا أن نقول إن إحدى كوارث التطرف وما انبنى عليه من أعمال وجرائم إرهابية أنه اضطر الفقهاء والدعاة للاستغراق في دراسة مسائل تجاوزتها البشرية منذ مئات السنين، وبذلك فإن جرائم الإرهاب لا تتمثل في تشويه صورة الإسلام فحسب، بل تشغل علماء الإسلام بمناقشة مسائل كان من المفترض ألا ينشغلوا بها، خصوصا في ظل أن الحاجة إليهم لا تتمثل في نفي الممارسات الوحشية عن الإسلام، وإنما لتكريس القيم الإنسانية فيه.