شدني ــ كباحث ــ هاش تاق في موقع التواصل الاجتماعي «توتير» بعنوان «التعليم_ليس_مصدر_رزق_سهل»، واتضح لي أنه مأخوذ من كلمة وجهها سمو الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم مع بدء العام الدراسي الحالي، والتي فيها أوضح الأمير ما يجب أن يتلقاه أبناؤنا من تعليم وتربية، وتكلم عن التربية بمفهومها الشامل في تهذيب السلوك وغرس القيم الإيجابية وحراستها. كما تحدث في كلمته عن مشاريع الوزارة وخططها، وذكر سموه أن لا مكان بعد اليوم لمن ينظر لمهنة التعليم بأنها مجرد مصدر رزق سهل. وأنا أستغرب حقيقة ظهوره اليوم بعد فترة طويلة من رسالة سمو الأمير وما هو الهدف من وراء إبرازه اليوم، ولكن هذا ليس المقصد من المقال. وأريد أن أستوقف القارئ الكريم أبا أو أما، معلما أو معلمة، هل التعليم الآن مهنة من لا مهنة له؟ أو هل يجب أن يكون كذلك؟ وهل هو وظيفة لمن يبحث فقط عن وظيفة لتكون فقط مصدر رزقه، سواء ناسبت مؤهلاته أم لا؟
يجب أن نفرق بين أمرين؛ أولهما وهو ما يجب أن تقدمه الوزارة للمعلم، وهذا قيل وسيقال فيه الكثير وليس مجاله الآن، مع العلم بأن الوزارة تضعه من أولوياتها لقناعاتها بأهميته، كما أود التأكيد على ما يجب أن يقدم للمعلم من امتيازات ومكافآت مهما كانت قليلة بالمقابل لما يقوم به من رسالة نبيلة، والأمر الثاني وهو حديثي اليوم ما يجب أن يقدمه المعلم بدوره للتربية والتعليم. أنا ــ كأب وكمواطن ــ أعتقد أن على المعلم تقديم الكثير ومعرفة الكثير وتنمية الكثير من مهاراته التربوية والتعليمية، وقبل ذلك يجب عليه أن يحب مهنة التدريس وأن يكون ملما بالأسس التربوية والتعليمية. وإذا اتفقنا على ذلك، فعلى المعلم النظر إلى من حوله من الزملاء والزميلات القائمين على رسالة التعليم هل هم مؤهلون تربويا، أم أنهم أتوا إلى التعليم لأنه هو خيارهم «مسارهم» الوظيفي الوحيد أو على الأقل خيار معظمهم.
لقد كتبت أكثر من مقال حول المعلم والتعليم، إننا يا سادة ــ باختصار ــ ولكي نواكب السير في ركب الدول المتقدمة يجب التأكيد على ضرورة إعادة النظر في مقاييس ومعايير الجودة التعليمية، والتي تبدأ من المعلمين «خريجي الجامعات» الذين وجدوا أنفسهم بالصدفة مدرسين! خريجون لا يحسن البعض منهم التدريس ولا يعرفون طرائقه ومبادئه واستراتيجياته، ظلمناهم وظلمنا المجتمع بهم. إذا أردنا صدقا النهوض بالتعليم، فالمعلم أولا وبالتالي لا يعين إلا المؤهل للتدريس، فالتعليم ليس مردما للتوظيف! فالجودة وقوة المخرجات تحتاج منا إلى بذل المزيد من الجهود في تفعيل البرامج التدريبية النوعية (للمدرسين)، والتي تركز بشكل أساسي على التطبيق، وتعمل على إكساب مهارات صحيحة للتدريس، حيث هي الأساس والمحرك الحضاري الذي نستطيع من خلاله أن نرتقي بالأعمال، وبالأداء التعليمي الذي هو الأساس في التنمية، بل هو المدخل الرئيسي في التنمية.
وهذا واقعنا، والحل يجب أن يكون بثلاثة مسارات متوازية: الأول لا يوظف من اليوم في التعليم إلا من اختار أن يكون التعليم مساره الوظيفي، يؤمن برسالته النبيلة، ويكون مؤهل تربويا، وفي هذا تستطيع وزارة التربية والتعليم وضع إطار تصوري يشمل جميع المهارات والمعارف التربوية التي ترغب فيها الوزارة لخريجي الجامعات لمن يرغب منهم بالالتحاق بالمسار التعليمي كمسلك وظيفي، ووضع تلك المهارات ضمن الخطط والمناهج الدراسية للتربويين في الجامعات. والثاني لمن هم على رأس العمل، تقوم الوزارة بتأهيلهم تربويا ليكونوا معلمين ومربين. أما المسار الثالث فلا يقوم بالتعليم إلا من لديه شهادة مهنية ورخصة في التعليم تجدد كل فترة زمنية كسائر المهن.
قبل الختام، أنا ــ كأب ــ لدي قناعاتي وشواهدي من أن الكثير من المنتسبين للتعليم يعملون بجد وإخلاص وتفانٍ، وأنهم يضحون ويسخرون الكثير من أوقاتهم، وأنهم بحاجة إلى إعادة توجيه للمسار التربوي الصحيح الذي يخفض عليهم الوقت والجهد المبذول وسيحسن أداء أعمالهم بكفاءة وإتقان. وأرجو ألا يساء فهم مقالي هذا وينظر إليه بسلبية، فالمقصد مصلحة الوطن وأبنائه ومن هم مؤتمنون عليهم، وبإعادتك لقراءة المقال مرة أخرى ستفهم مقصدي.. ودمتم على العلم قائمين.